إزالة الصورة من الطباعة

كانت تسمى القدس.. صارت تسمى القدس

الكاتب الصحافي الأميركي المعروف توماس فريدمان, عنون مقاله الأسبوعي في “نيويورك تايمز” بـ”فن الهدايا المجانية” فبدلاً من وضع ترامب شروط على إسرائيل “كأن تنسحب من المستوطنات” فقد أعطاها هذا القرار هديّة مجانية.أما جاكوب هيلبرن, رئيس تحرير مجلة “ذا ناشيونال إنترست”, فرأى أن رئاسة ترامب تتأرجح بين الإحراج والكارثة, معتبرا ما حصل أمرا متوقعا من الرئيس الأميركي الذي “حينما يواجه خطراً فإنه يقوم بخلق فوضى”.”

الخطوة الدونكشوتية لترامب ارتدت عليه وعلى من دعاه لاتخاذ هذه الخطوة, عكسياً. القدس عزلت أميركا على مستوى جماهير شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والأمة الإسلامية جمعاء, وعلى المستوى الدولي في مجلس الأمن عند انعقاده بشأن قرار ترامب. ندرك أن ترامب يتبع للتيار الصهيو – مسيحي في الولايات المتحدة, من الذين يؤمنون بضرورة تأييد إسرائيل لأسباب دينية, أبرزها, أن ذلك شرطاً لعودة السيد المسيح. لذا,لجأ ترامب لتحقيق أحد أحلام جمهوره الأيديولوجي الممثل بحزام الكتاب المقدس. من الأسباب أيضا التي دعته لاتخاذ هذا القرار, أن الحبل يضيق خناقاً على عنقه, حول ما تسمى “فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة” بعد اعتراف أهم مستشاريه فلين بتهمة الكذب في التحقيق حول هذه المسألة. أراد ترامب بالقرار, تنفيذ مطالب داعميه الماليين كالملياردير اليهودي شيلدون أديلسون, صاحب الكازينوهات الشهيرة في لاس فيجاس والصين وسنغافورة, ومالك صحيفتي “معاريف”و”ماكور ريشون” الصهيونيتين والمدافع الكبير عن دولة الكيان.

يتوقع الرئيس الأميركي إذن, من هذه المغامرة الخطرة, أن تؤمن شبكة اليمين المتطرّف وأنصار دولة الكيان من عمالقة المال, ظهره أثناء محاولته الصعبة للخروج سالما من نزاعه المستفحل مع شبكات الإعلام الأميركي, الديمقراطي, وطيف واسع من الليبراليين والأقليات وحتى بعض مؤسسات الدولة كالاستخبارات والشرطة الاتحادية والقضاء.ما حصل من قرار حول القدس هو نتيجة فرعية للصراع الحاصل في أميركا, ولكنّ أسباب صرفه على حساب الفلسطينيين والعرب, كما هو واضح، عدم وجود وزن كبير للعرب لدى الرئيس الأميركي, فهو قام بتوقيع اتفاقيات مع الدول العربية, تحمل دخلاً للخزينة الأميركية ما قيمته 450 مليار دولار على مدى سنوات. كما أنه يضمن بأنه مهما اتخذ من قرارات, فستظل سفاراته تعمل في العواصم العربية. وحول خطوة ترامب, دعونا نستعرض أهم ما كتبته عنها بعض أهم الصحف الأميركية, الكاتب الصحافي الأميركي المعروف توماس فريدمان, عنون مقاله الأسبوعي في “نيويورك تايمز” بـ”فن الهدايا المجانية” فبدلاً من وضع ترامب شروط على إسرائيل “كأن تنسحب من المستوطنات” فقد أعطاها هذا القرار هديّة مجانية.أما جاكوب هيلبرن, رئيس تحرير مجلة “ذا ناشيونال إنترست”, فرأى أن رئاسة ترامب تتأرجح بين الإحراج والكارثة, معتبرا ما حصل أمرا متوقعا من الرئيس الأميركي الذي “حينما يواجه خطراً فإنه يقوم بخلق فوضى”.

على صعيد آخر, نشك في أن الرئيس الأميركي ومستشاريه المقربين, ومندوبته في مجلس الأمن نيكي هيلي ( انظروا صورتها في نقاش مجلس الأمن وهي تقف مع المندوب الإسرائيلي, وحدهما) يعرفون شيئا عن تاريخ مدينة القدس, هذه المدينة الفلسطينية العربية الأصيلة, ذلك, وفقا للمؤرخ هنري بريستيد, الذي يذكر بالنص “بأن القدس هي حاضرة كنعانية”، بالطبع الكنعانيون هم قبائل عربية.. ولهذا أطلق على فلسطين اسم “بلاد كنعان”. اليبوسيون العرب استوطنوا الأرض الفلسطينية منذ 4000 عام قبل الميلاد, واستوطنوا منطقة القدس عام 2500 ق.م. القدس عربية قبل ظهور الدين الإسلامي الحنيف، والتأريخ لعروبتها لا يبدأ من الفتح العربي الإسلامي لها في عام 638 م , بل قبل ذلك.

الخليفة الأموي مروان بن عبدالملك بنى مسجد قبة الصخرة والقبة ذاتها تأكيداً لدخول الإسلام إلى المدينة. أما أصل ما يعتمد عليه اليهود من تسمية القدس بـ أورشاليم فالأصل في هذه التسمية أن اليبوسيين العرب هم من أطلقوا عليها الاسم وأسموها “أورسالم ” أي ” مدينة السلام” من الأصل.. بالتالي لا علاقة للاسم باليهود لا من قريب أو بعيد, ولا علاقة لهم بمدينتنا الخالدة. صلاح الدين الأيوبي القائد العسكري والاستراتيجي الكبير،,أدرك أهمية القدس بالنسبة لفلسطين وتاريخها العربي.. لذا انتقل إليها مباشرة بعد معركة حطين, واعتبرها المفتاح الرئيسي لتحرير باقي المناطق الفلسطينية. هذه نتف صغيرة من حقائق مدينة القدس التاريخية وارتباطها العضوي بالعروبة والإسلام بعد بضعة عقود من ظهوره أيضا هذا ما يعترف به أبو الآثار الإسرائيلي الأبرز “إسرائيل فلنكشتاين” من جامعة تل أبيب بعدم وجود أية صلة لليهود بالقدس.

كما رفائيل جرينبرج وهو عالم آثار يهودي ويحاضر في جامعة تل أبيب. كما البروفيسور يوني مزراحي , كما كثيرون من علماء الآثار والتاريخ العالميين وصلوا إلى هذه الحقيقة المؤكدة: كاتلين كينون في كتابها”علم الآثار في الأرض المقدسة”, دراسات المؤرخ بيتر جميس التي نشرها في كتابه “قرون الظلام”, وأيضاً ما كتبه توماس تومسون في كتابه “التاريخ المبكر للشعب الإسرائيلي”, والحقائق التي أكدها المؤرخ العالمي الذائع الصيت أرنولد تويبني, والمؤرخ جوستاف لوبون في كتابه “تاريخ الحضارات الأولى”, والمؤرخ اليهودي ذائع الصيت آرثر كوستلر, والمؤرخ شلومو ساند… وغيرهم وغيرهم (والقائمة تطول).

جملة القول, نأمل أن يكون الرئيس الأميركي قد انتبه إلى ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية على قراره الصهيوني, والمرشحة للتصاعد. القدس لن يهودها لا نتنياهو ولا ترامب, ولا كل من يريدون إبعادها عن جذورها اليبوسية الكنعانية العربية الأصيلة, فهي كانت تسمى القدس, وستظل تسمى القدس. أما حول ردود الفعل الدولية الأخرى, فإن ما أصدرته كوريا الشمالية من موقف تضمن جملة مهمة” أين هي إسرائيل, حتى تعترف كوريا الشمالية بالقدس عاصمة لها”!. وحول نهج التفاوض مع دولة الكيان, أخبر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو ,عن بدء مفاوضات عربية ـ إسرائيلية في مدريد, فأجاب, “إعتقد أنهم سيتفاوضون على كيفية ترحيل المهاجرين الإسرائيليين من فلسطين, جوّاً أو بحراً”.. أترون ما أبلغ هذا القول. لا مستقبل للصهاينة في فلسطين والمنطقة العربية.