Menu
حضارة

قناص الخليل

بيروت حمود

«شو كل هالفوضى؟»، ضحكت الجندية اللبنانية وهي تفتش حقيبتي وتبعثر الأوراق البالية. لامست أطراف أصابعها حبة البرتقال التي أتت من فلسطين، أمسكتها وهي تنظر إليها بحُب، قائلةً: «شكلا طيبة!». اكتفيت بالصمت. مشيت نحو شباك التذاكر، قطعت واحدة ثم عبرت جهاز التفتيش الآلي واتجهت نحو المقعد في الخارج لانتظار قطار صيدا ـ عكا.

العقارب تقضمها مقصلة الساعة. تتعلق عيناي بعقرب الثواني «يلا يلا...». تصطك السكة الحديدية، من قلبي تتفجر التنهيدة «وأخيراً»، يكسر التنهيدة «صوت الضمير» الذي فاجأني من الميكرو: «المسافرين الكرام... شركة قطار لبنان تتمنى لكم يوماً هادئاً، نلفت انتباهم إلى أن رحلة صيدا ـ عكا ستتأخر ساعة كاملة نظراً إلى عطل تقني. شكراً.»

«شكراً إيه... اختكن ع اخت هالنهار». أمشي ذهاباً وإياباً مصفقة بيدي الفارغتين، راجيةً تأخر المطر المعلن في سواد الغيوم.

على كتفي يحط كف مرتجف: «كيفك؟» التفت غير أنني لا أرى أحداً يعود الصوت من جديد: «إنت منيحة؟ تعي تعي اقعدي هون!». أجلس فوق المقعد كما أمرني الصوت، تحت الساعة والغيمة التي ستمطر قريباً. بجانبي يجلس الصوت.

يداي ترتجفان، هذا مرض أصابني عندما اقتحم الجنود الإسرائيليون منزلنا في الخليل لاعتقال أبي. كنت في الرابعة وبلت على نفسي، لأن الكلاب التي اصطحبها الجنود كانت تعوي بنحو مفزع. أمي وأخوتي بكوا أيضاً. ومنذ ذلك اليوم في يداي رجفة غريبة، إنها مرض مزمن لا يروح.
ألفّ نفسي بمعطف أسود، لا شيء يظهر مني سوى عينيّ، ويدي القابضة على البارودة. إنني هُنا منذ زمن طويل، أتربص بالمستوطنين الذين يرفعون رؤوسهم وينزلونها فوق سفر «إلياهو»، مرددين آية «نهاية إسرائيل تأتي من الشمال.» تساءلت دائماً وأنا لا أرفع عيني عن عدسة المنظار «لمِ يبكي هؤلاء؟»... باستطاعتهم أن يرقصوا ويبولوا ويأكلوا ويفعلوا أي شيء يريدونه داخل الحرم الإبراهيمي... فلم البكاء؟

جسدي تجمد، كل شيء فيه توقف عن الحركة حتّى الدم. عيناي تنظر إلى المقصورة الفارغة. «هل أحلم؟» يمشي صوتي في الشرايين، يتشعب في الشعيرات الصغيرة، فأقشعر وتشرأب البُصيلات.
أدير وجهي إلى الخلف، الجندية ما زالت واقفة في مكانها تفتش حقائب الركاب... وها هم يعبرون جهاز التفتيش الآلي ويقطعون التذاكر. مثلي هم في انتظار القطار.

»فيني أقعد هون؟» أسأل نفسي إن كان الشخص أحول... أو لماذا يوجه حديثه إلى الفراغ؟
»آه تفضل شو المشكلة؟». أقترب من شفير الانهيار وأنا أسمع الصوت فيما لا أرى المتحدث.
»
لهجتك فلسطينية... أنا أول مرة بروح ع فلسطين، بيقولوا حلوه!». أتلمس وجهي، محاولةً انتزاع الرموش. أخرج مرآة من الحقيبة الفوضوية أنظر إلى نفسي «كل شي تمام!»

  • اه فلسطين حلوة كتير، شو رايح تعمل عنّا؟
  • والله نازل ع حيفا بدي سجل بالجامعة.
  • موفق خيّا.
  • شكراً، وإنت شو عم تعمل بلبنان؟
  • كنت أزور مليتا... كتير بحب هالمحل!
  • يعني... حزب الله كان إلو دور كبير بتحرير فلسطين بس يا خيي أنا ما بحبن... كتير عندن خرافات هالشيعة!

يهمس الصوت في أذني: «حتّى بعد ما راحت إسرائيل بعدنا بنقول سنة شيعة، الله يهدها وين ما صارت!» صامتةً مشدوهة، يجذبني صوت آخر على المقعد المجاور...

  • بتتذكر إيام مَ كنا نعلق بعجقة خلدة؟ وقت كنت روح جيبك من المطار؟
  • لك إيه يا خيي... لك أنا أساساً تركت البلد من تحت راس العجقة، إخت أحسن فرنسا إزا بعد بدي هاجر… فش أحلا من بيروت! بيكفي هلأ إمك معش عم تبكي صبح وعشيه لإني مش حدّا!

 

أين أنا؟

أتلمس ظهر المقعد البارد، وأعرف أنني عالقة بانتظار القطار. هاتفت أصدقائي في فلسطين صباحاً، لنزور معاً أضرحة الشهداء كما نفعل في كل ثلاثين من تشرين الثاني، وها أنا ذاهبة إليهم.

 

أنا هنا منذ زمن بعيد يداي المرتجفتان قابضتان على البارودة، أطلقت الرصاصات الكثيرة ولم تخطئ في قتل جسدٍ واحد. عيناي لا تفارقان عدسة المنظار. أحياناً كنت أترك موقعي وأتجه إلى الشوارع بين المستوطنات، أتربص بين العشب لأيام قبل أن أطلق رصاصة على رأس مستوطن.
ذات يوم وبينما أنا هائم فوق العشب، وجسدي يرتجف كله من شدة البرد، مر مستوطن يجر أطفاله الخمسة... كانوا ضاحكين وسعداء ويحملون طائرات ورق ويغنون «يوناتان ها كاتان... راتس ببوكير إل ها غان»، الأغنية التي طالما سمعتها على الإذاعة في فقرة الأطفال، وتعني أن يوناتان الصغير ركض صباحاً نحو الحقل.
الجنود يشدون والدي من يديه ويسحبونه فوق الأرض. تنبح الكلاب في كل الاتجاهات مقتربة من جسدي الصغير الراجف. أبول على نفسي وأبكي...

هل أطلق الرصاص؟ يداي ترتجفان. أسناني تصطك. لا... لا... لا! ما ذنب هؤلاء الصغار؟

يداي المرتجفتان لا تطاوعانني. أصبعي يضغط على الزناد. الرصاصة تنطلق، يسقط الأب، يحوم حوله الصغار.
من بعيد يأتي صوت الطفل محمد أبو خضير «أفلتوني!» أسمع النار وهي تأكل جسده، وجسد الرضيع عليّ. عظام الطفل مناصرة تتكسر فوق الرصيف. أنا محموم، أعود متثاقلاً للتمترس في موقعي الأساسي. في الطريق أسمع نواح أمهات الشهداء. المطر يبللني أو الدموع.

«المسافرين الكرام، صار بإمكانكم الآن السفر على خط صيدا ـ عكا، بعدما تمكنا من حل المشكلة التقنية... نتمنى لكم نهاراً سعيداً.»

أضع الحقيبة في حضني، جالسة بجانب الشباك (كعادتي دوماً). امتلأ القطار وهناك أشخاص لا يزالون واقفين. أهمُّ بدعوة أحدهم إلى الجلوس على المقعد الفارغ بجانبي. تمسك يد بي... «ششش.»

من النافذة أرى مزارع الموز تمر مسرعة، كأنها خط أخضر متواصل... انصارية. صور. الناقورة. أم الفرج. عكا.
أنزل في محطة عكا. أسير بسرعة نحو أصدقائي وأحضنهم، نكمل سيرنا باتجاه الخط الثاني ونستقل قطار القدس ومن هناك إلى الخليل.

نضع الورود على أضرحة الشهداء. أتركهم متجهة إلى ضريح قناص الخليل أجلس هناك لساعات طويلة وأنا أبكي.

الساعة السادسة صباحاً. أقف أمام المرآة. معجون الأسنان يملأ فمي... أحدق لوقت طويل في وجهي متساءلة إن كان ذلك حقيقة. من الهاتف تنطلق إشارة الخبر العاجل «قناص الخليل يقتل عشرين مستوطناً.»