Menu
حضارة

"الشعبية" وتحديات الانطلاقة الجديدة

هاني المصري

بوستر

سأحاول أن أفسر في هذا المقال لماذا لم تحافظ الجبهة الشعبية على مكانتها ولم تحقق الشعار الذي رفعته بعيد اندلاع الانتفاضة الشعبية الأولى، وتحديدا في العام ١٩٩٠، بالتحول إلى التنظيم الأول.

لم تقتصر معضلة الجبهة الشعبية في عدم الحفاظ على دورها وموقعها كتنظيم ثان في منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما تراجع دورها ضمن الحقل السياسي الوطني، وأخلت مكانها لحركه حماس التي غدت التنظيم الثاني الذي ينافس "فتح" على تبوّء موقع التنظيم الأول.

سنجد في الجبهة الشعبية، وفي اليسار عموما، من يبسط الجواب عن هذا السؤال، ويحيل الأمر إلى عوامل خارجية فقط أو اساساً وتقليل أهمية العوامل الذاتية، مثل أن "فتح" حظيت بدعم عربي وإقليمي ودولي هائل، بما في ذلك توفر إمكانيات ضخمة لها، كما فتحت أمامها أبواب العالم بعد توقيع اتفاق اوسلو سيء الصيت والسمعة، وأن "الشعبية" تلقت ضربة ضخمة في انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية التي تحالفت الجبهة معه، خصوصا في السنوات الأخيرة في سياق سعيها الحثيث للتحول من حزب برجوازي صغير إلى حزب بروليتاري (ماركسي- لينين ي)، مع تحميلها المسؤولية عن ما انتهت إليه وعن أوضاع اليسار عموماً للأطراف الأخرى.

إن السؤال الذي ينبغي طرحه على كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية أو حزب الشعب، في سياق الممارسة السياسية اليومية، هو: لماذا لم تحولوا الموقف الصحيح الذي اتخدته فصائل اليسار، مجتمعة أو منفصلة في احيان عديدة إلى خطة عمل أو بديل ملموس، بدل الاكتفاء بالبقاء في صفوف المعارضة في الاجتماعات والصمت غالباً خارجها خلافاً لما كان الأمر عليه قبل اتفاق أوسلو، حيث كان الخلاف حامياً خصوصا خارج الاجتماعات وفي الإعلام وأقل سخونة داخلها، وتسجيل موقف للتاريخ، وبحيث يلقي كل فصيل بالمسؤولية على الفصائل الأخرى التي غلبت مصالحها الفئوية الفصائلية على مصلحة اليسار، في حين أن المطلوب من كل فصيل أن يبادر ويقدم النموذج دون رهن حركته بالآخرين، وعندما يقدم على ذلك سيتبعه الآخرون أو يندثروا ويتقدم التنظيم المبادر؟

لقد تميزت "الشعبية" بأشياء كثيرة، وطرحت رؤية تقدمت فيها عن غيرها، ويكفي للدلالة على ذلك الإشارة إلى ما طرحه "الحكيم" مبكرا، وتمسك فيه حتى اللحظة الأخيرة، وثبتت صحته الآن من حيث أن طبيعة وخصائص المشروع الصهيوني لا تقبل ولا تتسع لأي تسوية، وأن تجسيد الحقوق والأهداف في حدها الأدنى أو الأقصى لا يمكن أن يتم دون تغيير كبير في موازين القوى يفتح الآفاق أمام هزيمة المشروع الصهيوني، ولكن المشكلة تكمن في عدم قدرة "الشعبية" على تحويل مثل هذا الطرح إلى خطة عمل، ما جعلها تلحق بحركة فتح التي انتقلت من موقف إلى موقف في سياق رؤيتها لإطار حل الصراع، في حين اكتفت "الشعبية" بمعارضتها لفظيا دون تقديم بديل متماسك لهذا الإطار حتى في ظل اتضاح فشله في تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.

السؤال الآن: لماذا لم تقدم "الشعبية" البديل المتماسك الذي يمكنها من التقدم، خصوصا بعد تراجع "فتح" بعد اتفاق أوسلو؟

الإجابة عن هذا السؤال صعبة وبحاجة إلى تأمل ودراسة ومراجعة عميقة، ولا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة، ولكن يمكن الحديث عنها باختصار.

ولدت الجبهة الشعبية من رحم حركة القوميين العرب، وكانت ولادتها قيصرية، أي لم تكن في ظروف طبيعية كونها جاءت كردة فعل على هزيمة العرب، وخصوصا نظام جمال عبد الناصر الذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع حركة القوميين العرب. وللنأي بنفسها عن الهزيمة وآثارها وفتح طريق جديد، تبنت "الشعبية" الماركسية - اللينينية والتحول الى حزب بروليتاري، أي أن تحولها كان ردة فعل تلقائية أكثر منه ثمرة تحول فكري وتنظيمي يؤدي الى ولادة خط سياسي فكري يسترشد بالماركسية، ويزود الممارسة السياسية والكفاحية اليومية بأجوبة على مع يطرحه الواقع من أسئلة، كما يؤسس لبلورة تيار ديمقراطي تقدمي فلسطيني، بل كانت النظرية الجديدة قشرة تخفي محاولة التهرب من دراسة أسباب فشل الأنظمة القومية أمام إسرائيل، ومن تحمل حركة القوميين العرب قسطها في هذه الهزيمة.

لقد تذبذت "الشعبية" بين طابعها الوطني الأصيل وماضيها القومي الذي ظل حاضرا بقوة، وحاضرها الماركسي الذي لم يتغلغل فيها بما فيه الكفاية، كما تذبذبت بين كونها جزءا من، أو قائدا، للمعارضة الفلسطينية، وبين سعيها لكي تكون جزءا من القيادة لمنظمة التحرير في ظل مرحلة التحرر الوطني التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ولا يناسبها الحديث التقليدي عن الموالاة والمعارضة، إلى الحد الذي تكيفت فيه "الشعبية" وممارستها السياسية مع كونها "التنظيم الثاني".

لقد بالغت الجبهة الشعبية أحيانا في المعارضة، مثل تشكيل جبهة الرفض للحلول الاستسلامية على أساس أن قطار التسوية جارف وسيصل إلى التسوية "الخيانية،" الأمر الذي يتناقض مع تحليل "الحكيم" الذي أشرنا إليه ومفاده أن الصهيونية لا تقبل التسوية. يمكن القول إن اليمين الفلسطيني هو الذي قبل "التسوية المذلة"، ولكنه لم يقبل حلا استسلاميا حتى الآن، رغم اعتقاده الخاطئ بأن تنازلاته ستقوده إلى دولة فلسطينية ينقذ فيها ما يمكن انقاذه!

في المقابل، طرحت "فتح" أولوية الدور الفلسطيني، وأن التحرير يقود اإلى الوحدة العربية، وهذا فسر لماذا قادت الثورة والمنظمة أكثر من مجرد إطلاق الرصاصة الأولى، وبقيت "الشعبية" مننشدة للشعار القائل بأن "الوحدة طريق التحرير"، ولم تذهب في خيارها حول الدور الفلسطيني إلى المدى المطلوب، وكانت في الغالب بانتظار يقظة المارد العربي.

الخلاصة من كل ذلك، ومن تجربة "الشعبية" وتجربة الحركة الوطنيةالفلسطينية والثورة المعاصرة، إن القضية الفلسطينية هي فلسطينية أولا، وعربية ثانيا، ويمكن القول أنها إسلامية ثالثا، وإنسانية ودولية رابعا، ولا يمكن إهمال أي بعد من الأبعاد، شريطة أن يكون البعد الفلسطيني هو المنطلق والحجر الأساس الذي ترتكز عليه الأبعاد الأخرى، دون أن يعني ذلك الإيغال في الدفاع عن استقلالية القرار الفلسطيني إلى حد تصور إمكانية التوصل إلى حل وطني يحقق حتى الحد الأدنى بدون دعم العرب والمسلمين والأحرار في العالم كله.

القضية الفلسطينية بحاجة لتوظيف الشعب الفلسطيني بمختلف طوائفه، بحاجة إلى كل الطاقات والكفاءات والتيارات والطبقات، إذ إن المبالغة في مرحلة التحرر الوطني بالنضال ضد الاستغلال الطبقي، وبين الرأسمالية والاشتراكية، وبين البروليتاريا والبرجوازية، من شأنها أن تضعف الشعب الذي يجب أن يبقى موحدا في مواجهة الخطر والعدو المشترك. طبعا هذا لا يلغي أهمية النضال لرفع الظلم والاستغلال من الأغنياء للفقراء، أو الدفاع عن الحقوق والقضايا الاجتماعية وقيم المساواة، ولكن دون تهوين ولا تهويل.

بمعنى آخر، لو قدمت الجبهة الشعبية نفسها كوطنية فلسطينية أكثر، وقومية عربية أقل مما كانت عليه، وأعطت اهتماماً أكبر لإيجاد خط نظري سياسي يسترشد بالماركسية والتي لا يجب التعامل معها كدين أو عقيدة جامدة أو باعتبارها حلاً لكل الأقفال الفكرية والسياسية والإجتماعية والاقتصادية، وكانت مفتوحه لكل الطبقات والفئات ومختلف الآراء، أي كتنظيم واسع يتصدر التيار الوطني الديمقراطي التقدمي، أو بصورة تطابق اسمها، وطرحت دائما البديل الملموس بشكل بناء وإيجابي،  وكانت لها أبعاد تقدمية وعربية، لكان حاضرها أفضل، وإذا اتبعت ذلك من المحتمل جداً أن يكون  مستقبلها أفضل.

اليوم، في ذكرى انطلاقتها، ثمة فرصة أمام "الشعبية" لكي تكون في موقع أفضل، لكنها مرهونة بالمراجعة واستخلاص الدروس في سياق عملية جادة لإعادة البناء الفكري والسياسي والتنظيمي والجماهيري. وهي مراجعة يتطلبها واقع "الشعبية"، كما يقتضيها المأزق الذي تعيشه القضية الفلسطينية والحركة الوطنية عموما، لاسيما أن المعركة طويلة، وتزداد حاجة الفلسطينيين إلى تيار ثالث يكسر حالة الاستقطاب والانقسام ويقدم رؤية جديدة قادرة على المساهمة بانقاذ القضية والإنسان والأرض.


*المدير العام لمركز مسارات واحد مؤسسيه،
كاتب صحافي، ومحلل سياسي