Menu
حضارة

المرأة وانتفاضة الحجارة والمشاركة السياسية

نساء فلسطين في انتفاضة الحجارة

رانيا السلطان

ومدى انعكاسه على حياتها السياسية

 

لعبت الانتفاضة الأولى تحولًا ملموسًا في دور المرأة في النضال الفلسطيني، فبعد أن كان دورها مقتصر على نخب معينة من النسوّة، أصبحت المرأة كركيزة أساسية لاستمرار الانتفاضة، فبرز دورها في مقارعة الاحتلال بالمواجهة الشعبية المباشرة له، وتعزيز صمود المجتمع عبر التصدي لسياسات الحصار والإغلاق التي كان يفرضها الاحتلال على البلدات والمخيمات، ونقلها للمساعدات المادية والإغاثية.

 وقدمت المرأة خلال الانتفاضة نفسها كشهيدة ومعتقلة وجريحة، إضافةً إلى تقديم أبناءها الشهيد تلو الشهيد، ويذكر أن المرأة الفلسطينية لعبت دورًا مهمًا في المشاركة السياسية والاجتماعية بعد فترة الانتفاضة بالرغم مِن القيود التي كان يفرضها عليها المجتمع لذكوريته، كما ولوحظ أن مشاركة المرأة بالانتفاضة عمّقت مِن وعيها وجعلها أكثر انفتاحًا على المجتمع وقدرة على المحاربة والتحرر من العوائق المفروضة عليها مِن المجتمع بشكلٍ أكبر مِن سابقه.

إن الظروف التي عاشتها المرأة الفلسطينية ميّزتها، وجعلتها قادرة على القيام بأدوارٍ استثنائية على صعيد الدور القيادي والسياسي والاجتماعي، وبرز هذا في الانتفاضة الأولى وما بعدها، فتقدمت المرأة المواجهات المباشرة مع المحتل سواءً في المظاهرات أو في عمليات رشق الحجارة ورمي المولتوف، ، وتصديها لاقتحامات الأحياء والمخيمات.

 وفي هذا السياق كانت المرأة والفتاة الفلسطينية هي من يخلص الشبان والأطفال مِن الاعتقال خلال مداهمات الاحتلال للبلدات والأحياء ولعبت دور اساسي في تنظيم الاعتصامات والمسيرات الطلابية والمشاركة في تشييع الشهداء، بالإضافة إلى دورها الملموس في تشكيل اللجان الشعبية داخل الأحياء، التي هدفت بشكلٍ رئيسي إلى تعزيز وصمود الفلسطينيين ودعم استمرار الانتفاضة، وبرزت مشاركة المرأة في مناهضة سياسة الاحتلال بعزل القرى والمخيمات وحصارها، وذلك عبر مشاركتها في إعداد الطعام ونقله إلى المناطق العسكرية التي أغلقها الاحتلال، وتقديم الخدمات المختلفة في عدة مجالات أهمها مجالي الصحة والتعليم، كما شغلت دورًا في حياكة العلم الفلسطيني بكمياتٍ كبيرة في الوقت الذي كان يشهد منعًا ومصادرة للعلم من قبل الاحتلال، وتقديم الإسعافات الأولية للجرحى خلال المواجهات.

قدمت المرأة الفلسطينية 400 شهيدة على الأقل، ومئات الجرحى، طيلة سنوات الانتفاضة، إضافةٍ إلى تقديمها الشهيد تلو الشهيد مِن أبناءها، دون أي تردد بدفع باقي ابناءها للالتحاق بالانتفاضة، والعمل على تحفيز الشبان على المشاركة بفعالية أكثر ودعم الانتفاضة.

هذه المشاركة الفاعلة جعلتها هدفا لسياسة الاحتلال القمعية  فتعرضت المرأة إلى حالات إجهاض جراء تعرضها للضرب وإطلاق الاحتلال قنابل الغاز بشكلٍ كثيف خلال المواجهات وإطلاقها بداخل المنازل كأسلوب عقابي لجميع سكان البلدات التي تشهد مواجهات أو تصدي لاقتحامات.
 مشاركة المرأة في الانتفاضة كانت قويّة جداً لدرجة أن سلطات الاحتلال صرّحت وقتها بأن “الحرب هي الحرب، وأن للنساء دوراً فعّالاً في الانتفاضة لذلك يجب اعتقالهن وتعذيبهن إذا لزم الأمر لانتزاع الاعتراف منهن”، ولذلك قامت السلطات الصهيونية باعتقال أكثر من 300 أسيرة خلال الانتفاضة الأولى فقط.

مساهمة المرأة الفلسطينية بالانتفاضة الأولى اعطت دفعة لعملية بلورة وعي جديد لدى المرأة، وبشكل خاص فيما يتعلق بدورها المجتمعي، الهادف إلى تفعيل دور المرأة في بناء مجتمع مدني ديمقراطي يفي بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء ويعزز مشاركة المرأة السياسة سواء في الهيئات الحزبية أو في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، فأصدرت البيانات الخاصة بالمرأة الفلسطينية بما ينسجم مع برامج بيانات القيادة الموحدة للانتفاضة مما دعم هذه البرامج وزادها قوة وشمولية، وانشأت المؤسسات الخاصة بالنساء.

خلال الانتفاضة الثانية برز دور المرأة بشكلٍ أقوى وأكثر فعالية، رغم القيود التي حاول المجتمع والأحزاب الإسلامية التي برزت بقوة خلال فترة الانتفاضة الثانية فرضها على المرأة ، وعلى الرغم من ذلك اثبتت المرأة الفلسطينية نفسها وبقوة وتحدي وشاركت بشكلٍ فعال في الكفاح المسلح عبر العمليات الاستشهادية، مما يعطي مؤشرًا واضحًا على أن مشاركة المرأة خلال الانتفاضة الأولى أعطى للمرأة كينونة خاصة بها، وعمّق مِن وعيّها النضالي ودورها في التصدي لهيمنة وسياسات الاحتلال، فبعد الانتفاضة الأولى تبلور وعي المرأة تدريجيًا تجاه الانخراط بالعمل السياسي والعسكري داخل أحزاب فلسطينية منظمة.

وفي الوقت الراهن الذي يشهد انتفاضة متجددة في شامل أنحاء فلسطين، تلحظ قفزة نوعية في وعي المرأة ودورها النضالي الذي أصبح أكثر حدّة وأوسع مشاركة، وذا استقلالية في قرار المواجهة، وأصبحت تمسك بزمام المبادرة في العديد من المواجهات والفعاليات والمشاركة المسلحة عبر تنفيذها لعمليات طعن بطولية ضد جنود ومستوطني العدو، وخلال المواجهات ومقارعة المحتل تقدمت طالبات الجامعات المواجهات مما أوقع العديد منّهن جريحات أو أسيرات أو شهيدات.

وعلى الرغم من الدور البارز الذي لعبته المرأة الفلسطينية، وسلسة التضحيات التي قدمتها على جميع الأصعدة منذ بدء الصراع مع العدو وحتى وقتنا الراهن، نلاحظ أن المرأة لم تحظى بالمكانة المناسبة التي ناضلت مِن أجلها، فتمت محاربتها مِن قبل الأحزاب واستبعادها مِن الأدوار القيادية البارزة، وغالبًا ما كان يتم إلحاقها بالمنظمات والأعمال النسوية داخل الأحزاب، دون إخراطها في الأدوار التي تصنع القرار والسياسات الفلسطينية داخل المجتمع الفلسطيني، وبالرغم مِن كل ذلك تبقى المرأة الفلسطينية عصيّة على الانكسار، تخرج كالعنقاء مِن الرماد أقوى وأكثر قدرة على الاستمرار والصمود والتحدي.