Menu
حضارة

نشأة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كضرورة وطنية فلسطينية

جميل المجدلاوي

هزيمة حزيران – يونيه – 1967 التي احتلت دولة الكيان الصهيوني إثرها كل من الضفة والقطاع، أي باقي الأرض الفلسطينية التي لم تحتلها بنكبة فلسطين والعرب في عام 1948، واحتلت أيضاً سيناء المصرية، والجولان السورية، شكلت محطة نوعية ومنعطفاً كبيراً في مسار ومسيرة حركة التحرر العربية عموماً والفلسطينية على وجه الخصوص.

فقد كانت الفكرة القومية وأحزابها ورمزها وعنوانها الأول، الزعيم جمال عبد الناصر، هي الفكرة السائدة والمتقدمة في حركة التحرر الوطني العربية منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين حتى الهزيمة الحزيرانية التي هزّت أبواب وعقول الجميع وفرضت نوعاً من المراجعة النقدية لمسيرة امتدت لما يزيد عن عقد من الزمان امتداداً لفكرة ومحاولات بدأت منذ أوائل القرن العشرين وفي زمن الاحتلال العثماني لبلاد العرب، وفي إطار هذه المراجعة نضجت وترسّخت فكرة الكفاح المسلح كمكوّن رئيس في حرب التحرير الشعبية لمقاومة الغزوة الصهيونية المدعومة من قوى الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة بعد أن نجحت الثورة المسلحة الجزائرية في انتزاع استقلال الجزائر من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي الذي استمر لعقود طويلة من الزمان، وبعد أن نجحت الثورة الفيتنامية في طرد المستعمر الفرنسي أولاً، ثم في تمريغ أنف الإمبريالية الأمريكية في التراب وفقاً لتوصيفات تلك الفترة، وانتصارات أخرى حققتها الشعوب في كوبا وكمبوديا ولاوس وقبل ذلك، انتصار الثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

هذه اللوحة الكونية كانت حاضرة في المراجعة النقدية لحركة القوميين العرب لتجربتها بما فيها موقفها تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني الذي قادها في النصف الأول من الستينات إلى تشكيل إقليم فلسطين وتأسيس أول إطار للكفاح المسلح في تنظيمات الحركة باسم شباب الثأر أضيف يومها إلى فصيل أبطال العودة الذي تشكل بتعاون بين حركة القوميين العرب والمرحوم أحمد الشقيري رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

إثر هزيمة حزيران مباشرة تداعت فصائل العمل الفلسطيني المسلح يومها لسلسلة من الاجتماعات في محاولة لانطلاقة كفاحية وحدوية تضم الجميع على طريق الجبهات الوطنية المتحدة التي انتصرت في أكثر من مكان، إلا أن الإخوة في قيادة حركة فتح بادروا بالانفراد في الإعلان عن بدء عملهم المسلح تواصلاً لما كانوا قد بدأوه في أول كانون ثان – يناير – 1965.

تواصل الحوار بين باقي القوى التي اتفقت فيها مجموعات أربع على تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، هي:

- شباب الثأر الجناح العسكري لإقليم فلسطين في حركة القوميين العرب.

- أبطال العودة، كفصيل عسكري بدأ العمل منذ النصف الأول من الستينيات.

- جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة الأخ أحمد جبريل وكان من الضباط الفلسطينيين في سوريا.

- مجموعة من الضباط الناصريين الأردنيين بقيادة الضابط أحمد زعرور.

وهكذا جاءت انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحدوية لتؤكد أن الوحدة الوطنية ركيزة أولى وأساسية في مواصلة المقاومة حتى الانتصار، لا يلغي هذه الحقيقة السياسية والكفاحية، انفصال جبهة التحرير الفلسطينية لاحقاً تحت اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة"، وقد ظلّت الجبهة في الفكر والممارسة مخلصة للوحدة الوطنية كسياسة عامة مهما تنوّعت الاجتهادات بشأن هذا الموقف التفصيلي أو ذاك.

بعد الوحدة الوطنية، فقد جاءت انطلاقة الجبهة لتؤكد أهمية الفكر السياسي الذي يحقق "الرؤية الواضحة للأمور، الرؤية الواضحة للعدو والرؤية الواضحة لقوى الثورة" كما جاء في الإستراتيجية السياسية، في تقرير المؤتمر الثاني للجبهة في شباط – فبراير – 1969 وعلى أساس هذه الرؤية، فقد أكدت الجبهة أن معسكر أعداء الثورة الفلسطينية هم "إسرائيل والصهيونية، والإمبريالية العالمية، والرجعية العربية، أنظمة وقوى سياسية واجتماعية تجسّد مصالح وتبعية البرجوازية الكومبرادورية العربية التي تشكل سمساراً ووسيطاً تابعاً للمصالح الإمبريالية الكبرى.

وعلى ضوء وعي الجبهة لقوة هذا المعسكر من الأعداء، بالإضافة إلى طبيعة العدو الصهيوني وكيانه في فلسطين، ككيان استعماري استيطاني، إجلائي عمل ويعمل على إجلاء الفلسطينيين عن أرضهم بالقوة والعدوان، وإحلال المستوطنين الصهاينة بدلاً منهم، لتتعزز قوة ومكانة الكيان الصهيوني، كقاعدة أمامية للإمبريالية في بلادنا، وكحاجز يفصل بين شمال بلدان العرب في آسيا، وجنوبهم في إفريقيا، وبما يحول ويهدد أي محاولة توحيدية عربية، ويستنزف ويشتت كل محاولات التنمية والعصرنة والنهوض العربي، فقد أدركت الجبهة أن الانتصار على عدو بمثل هذه القوة والدور، لا يمكن أن يتم بالاستناد إلى قدرات وطاقات الشعب الفلسطيني فقط، بل لابد من الربط السليم بين البعد الوطني الذي يمثله كفاح الشعب الفلسطيني ضد الغزوة الصهيونية وكيانها في فلسطين، وبين البعد القومي الذي يدرك أن هذا العدو لا يستهدف فلسطين والفلسطينيين فقط، وإنما يستهدف الأمة العربية كلها، وقد جاء احتلال سيناء والجولان وباقي الأرض الفلسطينية تجسيداً ملموساً لهذا الخطر، ثم جاءت سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية على أكثر من بلد عربي، حيث اعتدت إسرائيل وضربت طائراتها وقواتها المسلحة كل من لبنان، والعراق، وتونس، و السودان إضافة إلى احتلالها الأراضي العربية تأكيداً لصحة وسلامة التحليل والاستنتاج الذي قدمته الجبهة في مقابل الفكر الذي يركز فقط على البعد الوطني الفلسطيني في الصراع مع إسرائيل والاحتلال الإسرائيلي، وهو فكر كان ولا يزال يقود عند الصعوبات، ومع بروز تعقيدات المعركة ضد معسكر الأعداء، والدور المتواطئ أو العاجز للنظام العربي الرسمي إلى إطلاق صيحات "يا وحدنا" التي كثيراً ما استخدمت كستار لتغطية المساومات اللامبدأية والتراجعات أمام العدو الصهيوني ومخططاته وسياساته.

وكما أن معسكر الأعداء يمتد على الصعيد الكوني ليشمل الإمبريالية العالمية بقيادة الإمبريالية الأمريكية التي تقدم كل الدعم والإسناد للعدو الصهيوني، بحيث يبقى ميزان القوى في المنطقة مختلاً لصالح هذا العدو بالمقارنة مع كل البلدان العربية مجتمعة، والمحيطة بفلسطين على وجه الخصوص، مع الجاهزية والاستعداد لنجدته عند أي ارتباك أو اختلال لصالح العرب، كما حدث في بدايات حرب أكتوبر – تشرين – 1973 عندما استجابت البوارج والطائرات الأمريكية لصيحة غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل يومها فنزلت بأطقمها الأمريكية ميدان المعارك مباشرة.

على ضوء هذه الرؤية، وهذا الوعي لمعسكر الأعداء وخدماته المتبادلة، فقد أكدت الجبهة ومنذ انطلاقتها، وفي أول التقارير السياسية التي صدرت عنها، بأن الثورة الفلسطينية تعيش وتناضل في مرحلة عالمية يمتد فيها الصراع الوطني والإقليمي ويتشابك مع الصراعات الكونية التي كان ينقسم العالم فيها عند انطلاقة الجبهة في عام 1967 وحتى تسعينات القرن الماضي إلى معسكرين كونيين كبيرين، المعسكر الإمبريالي وأتباعه ووكلائه المحليين، والمعسكر الاشتراكي وحلفائه من قوى الثورة وحركات التحرر الوطني، ومن الطبيعي أن يكون المكان الطبيعي والموضوعي للثورة الفلسطينية هو المعسكر المعادي للإمبريالية، معسكر الاشتراكية وحركات التحرر الوطني.

لقد كانت الإضافة النوعية الواضحة للجبهة في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني وثورته المعاصرة بعد أهمية الفكر السياسي لنجاح الثورة الفلسطينية التأكيد على البعد القومي والأممي الإنساني في صراعنا مع الصهيونية وكيانها وباقي معسكر الأعداء.

وعلى طريق الشعوب التي انتصرت على الاستعمار القديم والجديد على السواء، شعوب الصين وفيتنام وكوبا، والعديد من بلدان شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، واسترشاداً بالنظرية الماركسية، ومنهجها المادي الديالكتيكي في تحليل الواقع الملموس وسبل تغييره لصالح الكادحين والمظلومين عموماً، فقد أدركت الجبهة أهمية بناء الحزب الثوري، المتسلح بالنظرية الثورية، القادر على فهم واستيعاب واقع النضال الفلسطيني وتعقيداته، بما يمد الثورة، والثوار بالوعي الموضوعي لطابع وطبيعة معركة الاستقلال والعودة في مواجهة العدو الصهيوني وكيانه ومعسكر حلفائه، ويحمي الثورة من التردد والاهتزاز والمساومات اللامبدأية والهابطة التي يمكن أن تلجأ لها القيادات من القوى والشرائح البرجوازية الوطنية على اختلاف فئاتها ومستوياتها الاجتماعية.

لقد دعت الجبهة وأكدت في وثائقها الأولى، أن القيادة البرجوازية الوطنية الفلسطينية ستلجأ إلى المساومات اللامبدأية كلما طالت مدة الثورة، وظهرت تعقيدات مسيرتها وحجم معسكر الأعداء، وارتباط مصالح أقسام متزايدة من البرجوازية العربية والفلسطينية مع الإمبريالية العالمية بما في ذلك رأس المال الصهيوني ذاته.

على ضوء هذا التحليل، فقد أدركت الجبهة وهي تؤكد حرصها على الوحدة الوطنية الفلسطينية، أن هذه الوحدة لا تحول دون نقد القيادة البرجوازية والصراع معها في بعض محطات انحدارها ومساوماتها الضارة، ولكن صراع مهما اشتدت وتائره يظل متنبهاً ومشدوداً إلى أن التناقض الأساسي والتناحري يظل مع العدو الصهيوني، وإذا ما تطور الصراع مع القيادة المتنفذة إلى أعلى الوتائر، فينبغي أن نعمل لنحول دون تحويله إلى صراع تناحري أو مسلح، وعلى أن يكون الصراع لأقصر فترة ممكنة نعيد بعدها الأمور إلى سياقها السليم، السياق الذي يؤكد على وحدة الشعب بكل قواه وفئاته وشرائحه الاجتماعية الوطنية مع اختلاف مستويات عطائها واستعدادها للتضحية والصمود، ضد العدو الصهيوني الذي يستهدف القضية، بما فيها قضية أرض الوطن وقضية الشعب ووجوده.

انطلاقاً من ذلك تعاملت الجبهة مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبار المنظمة في أحد أوجهها جبهة وطنية تضم كل قوى الشعب الوطنية والمكافحة، على أساس القاسم المشترك الذي يشكل برنامج الاتفاق والتوافق الوطني، وعليه، فإن هذه الجبهة الوطنية ينبغي أن تسمح، بل هي تستوجب النضال المتبادل لتأكيد احترام والالتزام ببرنامج التوافق – القاسم المشترك – من جهة، والاحتكام للجماهير فيما تبقى من اختلاف في الرؤى والسياسات بين القوى المشكلة للجبهة الوطنية التي تجسدها منظمة التحرير الفلسطينية.

أما الوجه الآخر للمنظمة، الوجه الذي يجسد وحدة الشعب الفلسطيني وتمثيله على مختلف المستويات، والوطن المعنوي الذي يجمع ويحافظ على هوية الشعب وكيانيته رغم الشتات، فهي مسألة ظلت الجبهة تحافظ عليها في كل مراحل الوحدة والصراع.

لقد جسّدت الجبهة هذا التوفيق بين الوحدة والصراع في كل المرات التي غادرت الجبهة فيها المواقع القيادية التنفيذية في المنظمة، ممثلة في اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي، لكنها ظلت محافظة على وجودها في المجلس الوطني، كتجسيد لحرصها على وحدة الهوية والكيانية الفلسطينية، كما أنها لم تدعُ في أي مرحلة من مراحل صراعها مع القيادة المتنفذة في م.ت.ف إلى تشكيل منظمة بديلة، حتى عندما شكلت الجبهة مع أطراف فلسطينية أخرى جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية التي عرفت يومها في أواسط سبعينيات القرن الماضي بجبهة الرفض، فإنها لم تطرح هذه الجبهة باعتبارها منظمة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكنها إطار لتجميع القوى بما يمكن من الضغط على قيادة المنظمة، لثنيها عن السير في طريق التسوية التي بدأ السادات يشقها، وعن التفرد في قرار وسياسة المنظمة متجاهلاً العلاقات الديمقراطية في العلاقة مع القوى المشكلة للمنظمة، ومتجاهلاً أصول وقواعد ونواظم عمل مؤسسات المنظمة ذاتها.

لقد تعددت الاجتهادات بشأن مقاطعة الجبهة لهيئات منظمة التحرير الفلسطينية التنفيذية، من حيث سلامة هذا الأسلوب أو عدم سلامته، إلا أن ما تؤكده الحياة، والوقائع الملموسة، فإن الجبهة وهي تمارس هذه السياسة لم تسعَ لأي مكسب فئوي أو منفعة ذاتية للجبهة، والدليل الذي يصعب تجاهله، أنه في كل مرة كانت تغادر فيها الجبهة المواقع القيادية للمنظمة، كانت "تخسر بالمعنى الفئوي" شيئاً من قوتها ونفوذها داخل مؤسسات المنظمة، وعندما كانت تتم عملية المراجعة داخل صفوف الجبهة، فقد كانت الجبهة تغلب مصلحة الشعب والقضية الوطنية على حساب المصلحة التنظيمية الخاصة للجبهة، وتجتهد بأن تحذير الشعب وقواه السياسية، والقيادة المتنفذة ذاتها من سياساتها الخاطئة أكثر أهمية من حسابات الربح والخسارة الخاصة بالجبهة.

أذكر أن الحكيم د. جورج، القائد المؤسس للجبهة، ردّ على أحد الإخوة أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح وهو ينصح بعدم مقاطعة الجبهة للهيئات القيادية للمنظمة، بما معناه "يا أخي، إذا كنتم أنتم في اللجنة المركزية يجد بعضكم في العديد من المواقف، أن لا طريق للاعتراض القوي على بعض السياسات إلا بمقاطعة جلسات اللجنة المركزية، فيمكنكم أن تعتبروا مقاطعتنا شكلاً من أشكال الاحتجاج القوي على بعض السياسات، احتجاجٌ نضيف إليه تقديم ما نراه كسياسة ووجهة صائبة بديلة للسياسات التي نعترض عليها، مع إعلان ذلك للجماهير، حتى نشكل القوة التي تمنع الخطأ أو "الانحراف".

لقد تراكمت أخطاء القيادة المتنفذة في م.ت.ف وتفاقمت على مدار سنوات النضال الفلسطيني إلى أن وصلت لاحقاً إلى مستوى الانحراف عن مسيرة الثورة وأهدافها منذ بدأت مسيرة التسوية التي قادها في البداية الرئيس أنور السادات لينفرد بعد ذلك باتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجت مصر، مؤقتاً ولفترة طويلة لم تنته بعد، من الصراع العربي مع العدو الصهيوني.

لقد ظلّت القيادة الفلسطينية الرسمية والمتنفذة في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وسياساتها تتأرجح هبوطاً بحكم طبيعتها الفكرية والسياسية والاجتماعية وتحت ضغط التطورات الموضوعية المجافية على الأصعدة القومية والدولية وخصوصاً بعد خسارة الثورة الفلسطينية لمواقعها  في الساحة اللبنانية إثر اجتياح القوات الإسرائيلية للبنان عام 1982. ورغم النهوض الكبير الذي مثلته الانتفاضة الباسلة والمجيدة التي انطلقت في كانون أول 1987، إلى أن وصلت القيادة المتنفذة بتراجعها وبتعاملها البراغماتي الاستخدامي الضار مع الانتفاضة والتسرع في حصاد انجازاتها الكبيرة لعقد اتفاقيات أوسلو التي جاءت في جوهرها على ذات المنهج والمضمون الذي دشنه الرئيس السادات في اتفاقيات كامب ديفيد.

لا تتسع هذه الورقة لتحليل مقدمات ومضمون ونتائج اتفاقيات أوسلو، وسأكتفي بإيراد بعض الاستشهادات لأصحاب الاتفاق أنفسهم، ولبعض المبدعين "المستقلين" الفلسطينيين بصدد هذا الاتفاق.

كان الرئيس الشهيد أبو عمار يقول دائماً وخاصة في وجه معارضي اتفاقيات أوسلو، أن له ملاحظات على الاتفاق أكثر منهم، لكن هذا الاتفاق بالنسبة له أفضل الممكن.

ويقول الرئيس أبو مازن في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي انعقد في تونس في أكتوبر – تشرين أول – 1993 "هذه الاتفاقية، إما أن توصلنا إلى دولة، أو تقودنا إلى جهنم، الأمر يعتمد على أدائنا، وأنا إيدي على قلبي" وأعتقد أن لا أحد سوى المعاند أو المكابر يستطيع أن ينكر أنها قادتنا فعلاً إلى جهنم، ولم يكن الأمر بسبب سوء أدائنا فقط، ولكنه يعود أساساً إلى الاتفاقيات ذاتها، سواء في المضمون أو في الآليات أو في القوى والشرائح الاجتماعية ومنظومة القيم التي أدخلتها وكرّستها في الساحة الفلسطينية.

ويصف المبدع الكبير محمود درويش الهدف الإسرائيلي من اتفاقيات أوسلو بقوله "أرادته إسرائيل تنظيماً لشؤون الاحتلال" وأعتقد أن إسرائيل حققت نجاحاً كبيراً في ذلك.

أما المبدع الآخر إدوارد سعيد، فوصف سلطة أوسلو بالمقاول من الباطن الذي يؤدي الخدمات نيابة عن الاحتلال، ليتوسع الكاتب عبد الله عوّاد في شرح هذا المعنى فيكتب في صحيفة الأيام الفلسطينية عن السلطة الفلسطينية بأنها "أصبحت مشروعاً حمل عن الاحتلال مسؤولياته الاحتلالية تجاه المحتلين، وأبقى في يده مسؤولية مصادرة الأرض والاستيطان والقتل والتدمير والاعتقال وبذلك تفرغ لمشروعه الصهيوني الحقيقي، وهذه هي النتيجة على الأرض وفي الناس".

يقول أصحاب أوسلو من الرئيس أبو مازن، حتى الدكتور صائب عريقات ومن معهما ومن بينهما، أن اتفاقيات أوسلو وصلت إلى طريق مسدود، ومع ذلك فلم تعمل هذه القيادات، وربما لم تعد تستطيع أن تعمل على مغادرة هذا المسار، سواء بسبب ما فرض عليها من قيود، أو ما تشكل للكثيرين في هذا المعسكر السياسي من مصالح، ترتبط باستمرار هذه الاتفاقيات، وبعضها يرتبط بالعلاقة المباشرة مع العدو الإسرائيلي وما يمكن أن يقدمه من تسهيلات ومساعدة.

لقد أدخلت اتفاقيات أوسلو، والسلطة الفلسطينية التي أفرزتها، النضال الوطني الفلسطيني في مرحلة جديدة يتداخل فيها الكفاح ضد الاحتلال، مع النضال الاجتماعي وأسس بناء المجتمع الفلسطيني ومؤسساته على الأرض الفلسطينية، هذا التداخل جعل الأسئلة والاستحقاقات التي واجهتها الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها وحتى صيف العام 1994 لا تكفي للمرحلة الجديدة، باعتبارها مرحلة استمرار النضال لتحرير الأرض المحتلة وتحقيق الأهداف الوطنية المرحلية، كما أصبح عليها برنامج م.ت.ف وكل فصائلها، برنامج العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، وفي نفس الوقت بناء مؤسسات السلطة بما لا يحقق الأهداف الإسرائيلية من اتفاقيات أوسلو، وهي مرحلة تم توصيفها في برنامج المؤتمر الوطني السادس للجبهة في صيف العام 2000 وأجمعت عليها القوى الوطنية والإسلامية في وثيقة الوفاق الوطني عام 2006 باعتبارها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، نعمل فيها على إقامة مؤسساتنا، مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات السلطة الفلسطينية على أسس وطنية وديمقراطية، تمكن من حشد وتنظيم طاقات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وهو ما عجزت عنه المؤسسات الرسمية التي نخرها التفرد والزبائنية والفساد على كل شاكلة ولون، بل تحولت مؤسسات المنظمة والسلطة بالنسبة للكثيرين إلى مواقع لتعزيز الثروة والنفوذ وبوابات للعلاقة مع الاحتلال.

لقد تحملت الجبهة مسؤولية أولى في معارضة سياسات التراجع والهبوط والمساومات اللامبدأية والضارة للقيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، ما سبق منها ومهّد لاتفاقيات أوسلو كون الجبهة كانت ولا تزال التنظيم الثاني من حيث الواقع والنفوذ الجماهيري في إطار المنظمة ومؤسساتها، ثم تحملت قسطها الجديد من المسؤولية في معارضة الممارسات والسياسات الخاطئة للسلطة وأجهزتها التي قادت إلى النتائج التي "حصدتها" حركة فتح باعتبارها حزب السلطة المتنفذ وحصدها معها الشعب الفلسطيني في انتخابات المجلس التشريعي في عام 2006 والتداعيات التي ترتبت على هذه الانتخابات ووصلت إلى الاقتتال الداخلي أولاً، والانقسام الكارثي ثانياً، فأضيفت مهمات جديدة للجبهة وللوطنيين الفلسطينيين والديمقراطيين التقدميين منهم على وجه الخصوص، أولى هذه المهمات، العمل من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

لقد حافظت الجبهة طيلة سنوات الانقسام العجاف التي جاوزت الثماني سنوات حتى الآن على موقفها المستقل والتوحيدي، الذي يرى أخطاء وخطايا طرفي الانقسام ويطرحها علناً على الجماهير ويدعو للنضال ضد النزعات الانقسامية ونزعات الإقصاء والتفرد والقمع التي يمارسها طرفا الانقسام انطلاقاً من وعي الجبهة لضرورات الوحدة الوطنية كركيزة أولى في النضال الفلسطيني، وهو ما يزعج طرفي الانقسام مجتمعين ومنفردين، فكل منهما لا يرى في مواقف الآخرين إلا الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، وهي نظرات تنسجم بطبيعة الحال مع طابعهما والمنهج اليميني اللاديمقراطي لكليهما، في الوقت الذي تنطلق فيه الجبهة من الحرص على الطرفين وفق قانون الوحدة والنقد في إطار الوحدة على أساس برنامج القواسم الوطنية المشتركة، باعتبارهما قوى رئيسية، بل القوتين الرئيسيتين في المشهد الفلسطيني الراهن، ويستحوذان معاً على تأييد ما يزيد عن ثلثي الجمهور الفلسطيني وفق كل الانتخابات التي تجري في الساحة الفلسطينية وفي مختلف القطاعات الجماهيرية، بما يظهر خطأ وخطورة النهج الانقسامي والتصفوي الذي يمارسه الطرفان تجاه بعضهما البعض وتجاه الآخرين أحياناً بكل ما له من انعكاسات سلبية وضارة على التحشيد الوطني المطلوب داخل الوطن وخارجه.

الخطاب الانقسامي، والإقصائي اللاديمقراطي لطرفي الانقسام يمارس الابتزاز السياسي المبتذل على مواقف الجبهة عندما يصف مواقفها التوحيدية النقدية للطرفين بموقف اللا موقف، الذي يضع قدماً هنا، وأخرى هناك.

أما خطاب الجبهة ورؤيتها، فتقوم على مد اليد هنا، واليد الأخرى هناك، لنشدّ طرفي الانقسام كما كل مكونات الشعب وقواه المناضلة لوحدة وطنية على أساس برنامج وطني ديمقراطي يتسع للجميع، ويحوّل التعددية الموضوعية السياسية والاجتماعية إلى عوامل إغناء وإثراء لتجربة الشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني.

إن الدور التوحيدي الذي تقوم به الجبهة الآن، هو دور متواصل ومجسد لفكرة الجبهة وسياساتها منذ الانطلاقة الوحدوية التي جسّدتها، ويعيد التأكيد على كون انطلاقة الجبهة كانت ضرورة موضوعية للنضال الوطني الفلسطيني تجسّد الفكر والمنطلقات الوطنية التقدمية التي دعت إليها وحاولت أن تتمثلها وتلتزم بها عبر هذه السنوات المديدة من النضال:

- التنظيم الثوري القائم على أسس من الديمقراطية والتجدد.

- النظرية الثورية حيث لا حزب ثوري بدون نظرية ثورية توجه العمل والفكر السياسي الواضح الذي يحدد بدقة معسكر الثورة وحلفائها وأصدقائها، كما يحدد معسكر الأعداء بنفس الدقة والوضوح.

- حرب التحرير الشعبية التي تضم كل أشكال ووسائل النضال المسلح والسياسي عموماً والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وفقاً لمعطيات الواقع الملموس الذي يتطلب تقديم هذا الشكل أو ذاك في كل مرحلة من مراحل النضال بتكاملها كلها، وبدون افتعال التناقضات بين شكل وآخر.

- منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة إضافة إلى كونها الكيانية السياسية الجامعة والممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، واستمرار النضال من أجل بناء وإعادة بناء مؤسسات المنظمة على أسس وطنية وديمقراطية تضم كل مكونات الشعب وقواه الوطنية والسلطة الفلسطينية أحد أذرعها وأدواتها الكفاحية بما يستوجب تحريرها من قيود والتزامات أوسلو.

- تأكيد وتجسيد البعد القومي للصراع مع هذه الغزوة الصهيونية لبلادنا مدعومة من القوى الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومستفيدة من عجز وتواطؤ الأنظمة والطبقات الرجعية العربية التابعة لها.

-إن البعد القومي للصراع مع الأعداء يعني إقامة أوثق العلاقات مع حركة الجماهير العربية وقواها الوطنية والتقدمية، ولا يغيّر من أهمية وموضوعية هذا الارتباط، حالة الضعف والتفكك التي تعيشها وتعاني منها هذه الحركة حتى الآن، فهي حالة مؤقتة و زائلة، لأنها تتناقض مع مصالح الجماهير العربية التي لا يمكن أن تقبل وتستسلم لهذا الضعف.

- تأكيد وتجسيد البعد الأممي والإنساني التقدمي في صراعنا مع معسكر الأعداء، بما يعنيه ذلك من العمل لتوضيح عدالة قضيتنا الوطنية، ونضالنا المشروع ضد هذه الغزوة الصهيونية لبلادنا، ويظهر اعتمادها وارتباطها فكرة ودولة وسياسات مع قوى الاستعمار والإمبريالية، وكل قوى التخلف والظلم في هذا العالم، وإقامة علاقاتنا مع قوى التقدم والعدالة الاجتماعية على هذا الأساس.

لقد مرّ على انطلاقة الجبهة ثمانية وأربعون عاماً، عملت الجبهة فيها بإخلاص وصدق لتحقيق الأهداف الوطنية والاجتماعية لشعبنا، بالارتباط الوثيق مع القوى الوطنية والتقدمية العربية، وبعلاقات مع العديد من قوى التقدم والعدالة الاجتماعية العالمية، مسيرة كفاحية أصابت فيها وأخطأت، ومارست نقداً علنياً لبعض أخطائها.

وفي هذه الأيام، التي نحتفل فيها بالذكرى الثامنة والأربعين لانطلاقة الجبهة، تواجه الجبهة أسئلة جدية عما إذا كان واقع الجبهة وأدائها ونفوذها الجماهيري بمستوى الضرورة الوطنية الموضوعية التي استدعت وجودها؟ سؤال يحفز آلاف المناضلين الجبهاويين وعشرات الآلاف من الجماهير التي تؤيد الجبهة وتحتضنها وتمكنها من الاستمرار.

 

*نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني، عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، شغل مناصب ومهمات عدة في الهيئات القيادية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اخرها عضوية مكتبها السياسي في دورته السابقة.