Menu
حضارة

تحية للجبهة الشعبية في ذكرى انطلاقتها ال48

النهج الديموقراطي

عبد الله الحريف*

 

تحية حارة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قيادة وقواعد، في الذكرى 48 لتأسيسها.

تحية عالية لاستماتتها في النضال والمقاومة من أجل تحرير فلسطين، كامل فلسطين، وبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية التي يتعايش فيها الجميع بدون تمييز يسبب الدين أو العرق أو غيرهما على أنقاض الكيان الصهيوني العنصري. 

بهذه المناسبة العزيزة، أود التأكيد على ما يلي:

لقد كان لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي كان استجابة لضرورة تاريخية موضوعية ولنضالها المجيد دور هام في تشكل اليسار الجديد بالمغرب، وضمنه منظمة "إلى الأمام" الماركسية-ال لينين ية، في نهاية الستينات على أساس القطيعة مع القوى الإصلاحية والتحريفية التي كانت سائدة وسط اليسار المغربي. هكذا طرحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ضرورة العمل على تبوء القوى الممثلة للطبقة العاملة وعموم الكادحين قيادة النضال الوطني التحرري. وقد أبانت التجربة التاريخية المأزق الذي وصله هذا النضال بسبب قيادته من طرف البرجوازية، بشقيها القومي والإسلامي.  

لقد اعتبر اليسار الجديد القضية الفلسطينية قضية وطنية. ولذلك حضيت باهتمام ومتابعة خاصين من طرفه وانخرط مناضلوه ومناضلاته بقوة وحماس في كل أشكال الدعم لها. ولم يكن هذا الموقف مجرد تضامن مع شعب يرزح تحت نير الاستعمار والاستيطان والاقتلاع من أرضه ونقتسم معه تاريخا ولغة مشتركتين، بل تعداه إلى اعتبار أن لنا نفس المصير لكوننا نواجه نفس الأعداء: الإمبريالية الغربية وقاعدتها في المنطقة، الكيان الصهيوني، والأنظمة الرجعية التابعة في العالم العربي. الشيء الذي يعني أن تحرير فلسطين، بما هو تحريرها من الصهيونية باعتبارها الأداة الأساسية للإمبريالية الغربية لفرض هيمنتها على العالم العربي، ليس مهمة الفلسطينيين وحدهم، بل مهمة كل شعوب المنطقة العربية. وفي هذا السياق، يجب العمل على بناء جبهة معادية للامبريالية على صعيد المنطقة ليتم توسيعها من بعد لتشمل منطقة البحر الأبيض المتوسط.إنها مهمة قابلة للانجاز.إن هذه الجبهة سيكون بمقدورها اتخاذ مبادرات نضالية ملموسة موحدة في الزمان كما ستكون عامل ردع للأنظمة الرجعية نحو التطبيع مع العدو الصهيوني وبإمكانها إعطاء بعد تقدمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني (الصراع ضد المشروع الصهيوني الاستعماري وليس ضد اليهود كيهود).

لهذه الأسباب، كان من الطبيعي أن تجمع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و النهج الديمقراطي، الذي يعتبر نفسه أحد أشكال الاستمرارية السياسية والفكرية للحركة الماركسية-اللينينية المغربية، وخاصة منظمة "إلى الأمام"، علاقة وثيقة على كافة المستويات السياسية والفكرية و النضالية والرفاقية والإنسانية. هذه العلاقة التي نطمح إلى المزيد من تقويتها وتطويرها خدمة للقضية الفلسطينية خاصة و قضايا شعوب العالم العربي عامة.

تحل هذه الذكرى الغالية علينا والعالم يعيش مرحلة مخاض يصعب التنبؤ بمآلها، على المدى القريب. ذلك أن ولادة العالم الجديد من رحم القديم لا تسير في خط مستقيم. لكن الأزمة العميقة للرأسمالية تؤدي إلى احتداد التناقضات الطبقية داخل كل بلد وبين الإمبرياليات الغربية وبينها و بين القوى الكبرى( روسيا والصين) والقوى الإقليمية ( إيران، البرازيل...). كما تؤدي إلى تصاعد مقاومة الشعوب للحروب الإمبريالية ولمحاولتها تحميل عبء أزمتها للطبقات الشعبية. مما يسرع تراجع الهيمنة شبه المطلقة للإمبريالية الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، و بروز أقطاب منافسة لها، خاصة مع لجوئها( أي الإمبريالية الغربية) أكثر فأكثر، للتنفيس عن أزمتها، إلى المغامرات العسكرية من خلال التدخل المباشر و/أو بواسطة الدول العميلة و/أو المرتزقة و/أو القوى الأصولية المتطرفة.

إن ذلك يوفر شروطا موضوعية أحسن لقوى التحرر الوطني في منطقتنا الخاضعة، بشكل شبه مطلق، لسيطرة الإمبريالية الغربية والأنظمة التابعة لها. لقد تدخلت كل القوى الإمبريالية وعملاؤها الرجعيون والصهيونية وتركيا والقوى الأصولية الأكثر ظلامية وهمجية في العالم العربي لمحاولة إجهاض السيرورات الثورية في منطقتنا. واستفاد الكيان الصهيوني من هذا الوضع لتسريع الاستيطان وإحكام قبضته على الشعب الفلسطيني وإقبار إقامة الدولة الفلسطينية. غير أن مقاومة الشعوب في العالم العربي وصمود قوى المقاومة وبداية تغير ميزان القوى نتيجة التدخل الروسي في سوريا وفشل مشروع الإسلام السياسي، في شقيه المعتدل والمتطرف الهمجي يؤشر على أننا نعيش بداية مرحلة جديدة توفر شروطا إيجابية للنضال التحرري في منطقتنا.

وتشهد فلسطين الحبيبة هبة جماهيرية تبين أن الشعب الفلسطيني البطل لن يستكين ولن يستسلم للاستعمار والقهر والاقتلاع من أرضه وتفضح، في نفس الآن، تواطؤ السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني وعجز القيادة الإسلامية في غزة.

إن هذه التطورات، وخصوصا الأزمة المزمنة والعضوية للقيادة البرجوازية القومية والدينية، وعجزها عن إنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطية، تفتح أمام اليسار الفلسطيني، وفي مقدمته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، آفاقا رحبة للعب دور هام في إعادة بناء حركة التحرر الوطني الفلسطيني على أسس جديدة ترتكز إلى تقييم عميق وشامل لتجربتها وترمي إلى أن يتبوأ اليسار موقعه الطبيعي في قيادتها. إنها مهام جسيمة نعتقد أن اليسار الفلسطيني قادر على إنجاحها.

ولتكن الذكرى الخمسون لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مناسبة لتكريم شهداء الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتهم الرفيق أبو علي مصطفى، والاعتزاز والفخر بكفاحها وتضحيات مناضلاتها ومناضليها، خاصة الأسرى، وفي مقدمتهم الرفيق القائد أحمد سعدات،وتحية لروح الحكيم، جورج حبش مؤسس الجبهة وغيره من رموزها التاريخيين مثل غسان كنفاني ووديع حداد وكذا لحظة تأمل في مسار كفاح الحركة الوطنية الفلسطينية وما يطرحه من مهام ومسئوليات.

عاش كفاح الشعب الفلسطيني من أجل التحرر الوطني وبناء الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني.عاشت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

  *مناضل ومفكر تقدمي مغربي، الامين العام السابق لحزب النهج الديموقراطي