Menu
حضارة

غسان كنفاني .. عفوداة عرفيت

11754102

عن مدونة

21.3.2014

"غسان علمنا حب القضية"..

يغني ابني غسان هذه الأغنية كل صباح تقريبا، عندما يركبه الطرب، ويمخمخ، أثناء استعداده للذهاب إلى المدرسة.

تقع مدرسة الولد على بعد أمتار قليلة من بيت الكرمة، وفي المساحة الفاصلة ما بين المبنيين يبتلع ضجيج السيارات غناءه. لكنه لا يبتلع شعوري المتجدد يوميا بالفخر: هذا الولد.. الصاروخ الديمغرافي بتعبير رازي نجار، بات يعرف، تقريبا، من هو غسان الذي علمنا.  تعرفون.. التحدي في حيفا قاس: أن يكبر ابنك ولا يتلوّث. الهواء في حيفا ملوّث..  أن يكبر  غسون ولا ينزلق.. الأرض في حيفا زلقة جدا.  هي كذلك في كل المدن المختلطة، وبالذات في حيفا التي تُسوّق كمدينة التعايش بين المستوطنين وأحفاد الجثث المرميّة على الساحل، أولئك الذين لم يموتوا بعد، أولئك المتشبثون بالحياة "تحت سقف البؤس الواطئ، في الصف العالي من المعركة".  لذا قررتُ منذُ ولادته بأن على ابني أن يكون سرطانا، لا أقل، في هذه الدولة. سرطانا يكبر ويتفشى، لينجح فيما نتعثر نحن الآن فيه. هذا حقدٌ جميل، وأجمل ما فيه أن على غسان أن يتعلم من غسان.. راية جيل تمضي وهي تهز الجيل القادم بتعبير توفيق زيّاد.  

ابن السنوات الأربع يتعلم أيضا في المدرسة أن السرقة عيب. وأن الكذب ممنوع.  هذه بديهيات.. لعل هذا هو المدخل الأهم الذي أحاول من خلاله أن أنظر بعيني غسان إلى التناقضات الكبيرة وأن نفهمها معا.. لكنني اليوم لا أتحدث لا عن سرقة الأرض ولا الكذب على التاريخ أمام عينيه.. أنا أتحدث عن كذبة صغيرة.. سرقة صغيرة.. خطايا صغيرة.. لحظة، خطايا؟  هذا يقود إلى زوجتي.

:: ::

زوجتي، التي تحاول أن تنقذ غسان من غسيل الدماغ، تبحث دائما عن طرق "ألطف" لكي يقرر بنفسه ما إذا كان يحب إصرئيل أم لا يحبها.. إذا كان يؤمن بالله، وبابا نويل و القومية والوطن وسائر الأساطير أم لا

. زوجتي "تتحيفن" أي، تتحول إلى حيفاوية.. "مماش"!. *


قررت مماش (نشاز سابقا) أن الوقت قد حان لكي يشاهد غسان مسرحية.. مسرحية بالعربي طبعا.. الخيارات محدودة حتى في مدينة كلّها كناية عن مسرحية غرائبية كبيرة.. وفجأة،عَثَرت على مسرحية تصلح لأن يشاهدها غسان، إنها مسرحية "هعشاشيت هكتاناة" ** .. مسرحية قام بترجمتها إلى العربية "عبد ناطور"، ويخرجها نورمان عيسى، الممثل الذي اشتهر بأداء مسلسل "شغل عرب" العبري المُضحك ( ساتيرا دي تبقى، عدم المؤاخذة، خالتك) . بينما تقوم زوجته غدعونا راز بـ"تحويلها إلى عرض مسرحي". مسرحية ذات مغزى يكتب فيها الملك، أبي الأميرة لميس. في وصيته إلى ابنته بأن عليها أن تحضر الشمس إلى القصر.. عفوا، شباب: هل تتحدثون عن القنديل الصغير.. المسرحية التي كتبها ورسمها غسان كنفاني لابنة أخته لميس؟؟ "يوفي" *** .. جميل أن حيفا التي كتب لها غسان، ودفع الفاتورة كاملة من أجلها ترد الجميل إليه، لا بعرض مسرحيته لأطفالها فحسب، بل وأن تتكبد عناء ترجمة المسرحية إلى اللغة العربية.. ليس هذا فحسب، بل وتوغل في الغيّ، فتقوم بتحويلها (أي المسرحية التي كتبها غسان كنفاني بالعربية) إلى مسرحية.. مماش !

في الشرح الوارد عن العرض.. الشرح الذي بالعبرية طبعا، لم يرد اسم غسان كنفاني بالمطلق.. بينما، وفي الشرح العربي، يقول كاتب النص التقديمي بأنه "يستوحي" المسرحية من غسان كنفاني.. لاحظوا: إنه لا "يستوحي" مسرحية القنديل الصغير من "مسرحية القنديل الصغير".. إنه يستوحي النص من غسان بشكل شخصي ..من مناخيره ربما. الله أعلم.

يخجل المخرج من أن يقول: يا سادة، هذه المسرحية هي من تأليف غسان الشهيد إلى ابنة أخيه الشهيدة، اللذان قتلهما أبطالكم في عملية اغتيال بطولية، حوّلت الجسدين إلى شظايا في سماء بيروت.

:: ::

"صرنا رصاصة.. صرنا شظية

من يوم ما عرفنا.. درب الحريّة"

كتب غسان المسرحية، ورسمها إلى لميس، ابنة أخته التي أهداها "عالم ليس لنا"، ومنذ ذلك الوقت أخرجت المسرحية عشرات المرّات، في مدارس الوكالة، في مراكز غوث اللاجئين، في نوادي المخيمات الفقيرة. وفي مسارح الشارع..  لم تكن المسرحية آنذاك بحاجة إلى أن تترجم للعربية.. كان أطفال ذلك الوقت أذكياء بما يكفي لكي يفهموها.. أطفال مخيم جنين مثلا الذين ظهروا في فيلم "أولاد آرنا" قاموا بتمثيل المسرحية قبل أن يسقط نصفهم شهداء .. قبل أن تتطاير شظايا يوسف سويطات في هواء أقل تلوثا من هواء المدن المختلطة. ولم يكونوا بحاجة إلى خدمات الترجمة أو الـ"عيفود لمحزيه". فهموها جيدا وسعوا بقدر المستطاع إلى جلب شمس تعاندهم نحو الأزقّة.

في 8 تموز1972، انبثق الدم من جسد غسان وجسد لميس الصغيرة. اختلطت شظاياه بشظاياها وتعانقا إلى الأبد..  كلنا يعرف من الفاعل. لكن غسان لم يمت قبل أن ينفّذ مهمته: الإشارة بإصبع لا يخطئ إلى أبي الخيزران ومن هم على شاكلته.. وأكاد أجزم، أنه لم يدر في خلده مرّة بأن مسرحيته ستترجم إلى العربية.. إلى العربية مماش.

____

*  مماش (بالعبرية ממש) : كلمة تعني "حقا" / "فعلا"

 ** القنديل الصغير، بالعبرية

 *** بالعبرية: "جميل" .. "جيد" .. تعبيرا عن الثناء