Menu
حضارة

رحلة متخيلة إلى القدس دون اصطحاب يوسف زيدان

الدكتور توفيق كنعان في زي الجيش العثماني عام 1915

بوابة الهدف

عن الصفحة الشخصية لـ "إسماعيل أبو شميس" على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك

بتاريخ 11.12.2015

لا أريد هنا الذهاب إلى مناطق بعيدة في القداسة، ولا إلى مناطق بعيدة في التاريخ، فالتاريخ في نظري لا يحمل أي قيمة، إلا إذا وقع في يد واحد من أولئك النفر القليل من المؤرخين الذين يستطيعون رفعه إلى مستوى الحاضر.
ولذلك سأترك ليوسف زيدان مهمة التقاط الغبار من شقوق التاريخ، وأترك خيالي يتجول بين مشاهد منسية ومهجورة في أركان تتماثل مع وحدة القدس ومأساويتها.

المشهد (01)

في العام 1860توجه الشماس لودفيچ شنلر إلى بيروت، بنية انقاذ الأطفال الذين فقدوا ذويهم في خضم العنف الطائفي الذي اشتعل بين الدروز والموارنة آنذاك.

جهود شنلر لم تكلل بالنجاح، فلم يكن النشاط البروتستانتي مرحباً به حتى من مسيحيي بلاد الشام أنفسهم.

المشهد (02)

قرر شنلر بعد أن نبذته جميع المدن الشامية أن يجعل من بيته الواقع على بعد 4 كيلومترات من باب الخليل في القدس مدرسة للأيتام تكون نواتها الأطفال التسعة الذين تمكن من انتشالهم من أتون الحرب الأهلية السورية.
المشهد (03)

مع نهاية العقد السابع من القرن التاسع عشر، بدأت المدرسة باستقبال البنين والبنات على السواء، واحيطت بسور يرتفع ثلاثة مترات ونصف، متضمناً مساحة تربو على 55 دونماً.

المشهد (04)

مع بداية القرن العشرين، اتسعت المدرسة لتشمل علاوة على فصولها وبناها التحتية، ورشاً للحدادة والنجارة والدباغة، ومطبعتين ألمانية وعربية وأخرى على طريقة بريل للمكفوفين، وأربع مطاحن للدقيق، ومخبزاً، ومعملاً للطوب ينتج ما يزيد عن مليون بلوك سنوياً، بالإضافة إلى مدرسة ومركزاً للأبحاث الزراعية أقيم على مساحة تقارب 9.000 دونماً.

المشهد (05)

في عام 1899 ابتدأ الطالب توفيق كنعان من بيت جالا دراسة الطب البشري في الكلية السورية البروتستانتية، بعد أن أنهى عشر سنوات من التعليم الداخلي في مدرسة شنلر، تمكن من خلالها من الإلمام بالعلوم العصرية بلغاتها الأصلية، فقد أتاحت له مدرسة الأيتام السورية التمكن من اللغة الألمانية والإنچليزية والفرنسية واللاتينية.
المشهد (06)

توفيق كنعان الذي تخرج من كلية الطب عام 1905، لم يتأخر في انتاجه العلمي، فقد نشر في نفس العام كتابه الأول "المقتطف: في المعالجة الحديثة"، أول مرجع للطب الحديث باللغة العربية، معتمداً على التجارب على الحيوانات والصور الإشعاعية، والعلاج بالأمصال.

بعد ستة أعوام من تخرجه، قدم الدكتور توفيق كنعان أول ورقة علمية عربية محكمة لأحد المجلات الطبية الألمانية حول التهاب السحايا، متوسلاً بمنحى ميكروبيولوجي-إحصائي طبقه بنفسه على المرضى المقدسيين.
دراسة الدكتور توفيق كنعان نالت عناية أسماء علمية لامعة على مستوى العالم، وفتحت باباً للتعاون العلمي بين أطباء فلسطين، ونظرائهم العالميين، تمخض عنه ولادة فرع "طب المناطق الحارة"، اعتبر كنعان نفسه من أهم رواده ومؤسسيه.

لم يقتصر نشاط كنعان العلمي على الإنتاج الطبي، فقد نشر في العام نفسه 1911 أول مقالاته خارج النطاق الطبي بعنوان "الزراعة في فلسطين" في مجلة "جلوبوس" الجغرافية، عرف فيه لأول مرة تقويم فلاحي فلسطين الخماسيني، ورده إلى جذره الأكدي والأموري.

الدراسة الزراعية الجغرافية جعلت كنعان يولي عناية خاصة بدراسة الفلكلور الفلسطيني ليبدأ فيضاً من الإنتاج التاريخي اللغوي، مؤسساً بذلك "علم الفلسطينيات".

المشهد (07)

في العام 1914 ومع نشوب الحرب العالمية الأولى، انتقل كنعان بصحبة الجيش العثماني إلى القاعدة العسكرية في عوجا-الحفير، التي اتخذ منها مركزاً لما عرف فيما بعد بالخدمات الطبية العسكرية.
استغل الدكتور كنعان صحبة الجيش العثماني لتطوير مجالات معرفية شتى، فبالإضافة إلى طب المناطق الحارة، اشتغل كنعان على أساليب جديدة ومبتكرة لمكافحة الملاريا، وقام بالإشراف على تجفيف مستنقعات دير-البلح، وغزة، وتعرف على أساليب الطب الشعبي في سيناء والسبع وغزة، وجمع النباتات الطبية المحلية، وبدأ دراستها مخبرياً لأول مرة.

المشهد (08)

في العام 1936 بدأ الدكتور كنعان نشاطه السياسي، عبر كتيب مكون من 48 صفحة، نشره في أوربا باللغتين الإنچليزية والفرنسية، للتعريف بقضة عرب فلسطين، اتبعه بكتيب آخر بعنوان "الصراع في أرض السلام"، حظي باهتمام الصحافة العالمية، وتمكن من إيصال أول صوت عربي إلى الرأي العام الإنجليزي.
نشاط كنعان السياسي لم يقتصر على المساهمة الفكرية والتنظيرية، فقد قدم كنعان العلاج لثوار فلسطين في الجبال دون إدخالهم المشافي، فبحسب الباحث خالد الناشف؛ فإن الدكتور كنعان هو من استخرج الطلقة التي أصابت جسد الثائر الشهير "أبو جلدة" عام 1934.

المشهد (09)

في العام 1939 بدأ الفصل المأساوي من حياة كنعان، فقد قامت سلطات الانتداب باعتقال الدكتور، وإحالته إلى وحدة التحقيق في الجرائم.

بدرة شقيقة كنعان التي أسست لجنة المرأة العربية في القدس بمعية زوجته الألمانية "ماچوت" عام 1934، اعتقلت أيضاً هي وزوجته بتهمة التحريض على العصيان المدني.

المشهد (10)

لم يكن العام 1939 بداية تقلب حياة كنعان في فصول مأساوية، فقد بدأت مأساة مدرسته المقدسية في العام نفسه، فبعد أن قامت قوات الانتداب باعتقال معلمي ومشرفي المدرسة، شرعت بإخلائها، وتحويلها إلى مستودع ذخير، اعتبر الأكبر على مستوى الشرق الأوسط يومها.

ونصبت على سورها 50 برج مراقبة، لحماية الثكنة العسكرية المخصصة لفيلق بي الملكي
القاعدة العسكرية الإنچليزية التي أقيمت محل المدرسة، جعلت منها هدفاً لهجمات التخريب من قبل عصابة الإرچون الصهيونية.

المشهد (11)

بالرغم من استمرار احتجاز زوجته في أحد معسكرات الاحتجاز قرب يافا، لم يتوقف نشاط كنعان العلمي، فقد أسس بعد خروجه من السجن "جمعية الطب الفلسطيني" عام 1944، والذي بدأ باصدار "المجلة الطبية الفلسطينية" باللغتين الإنچليزية والعربية عام 1945.

الجمعية الطبية التي أسسها كنعان، تمكنت رغم ظروف الحرب من عقد مؤتمرات طبية عالمية، جذبت انتباه أشهر الشخصيات العلمية آنذاك، فقد كان من بين المتحدثين في المؤتمر الأول لها "هورد فلوري" الحائز على نوبل في الفسيولوجيا عن مساهمته في استخلاص البنسلين مع زميله فليمنج.

المشهد (11)

العام 1948 كان الأسوأ على كنعان ومدرسته وعلى المدينة نفسها، فقد اضطر كنعان إلى النزوح من بيته في حي المصرارة، بعد أن قصفته العصابات الصهيونية بقذائف المورتر، وتسببت بحريق أتى على مكتبته ومخطوطاته، ومجموعة من الأحراز والمواد الفلكلورية التي جمعها بغرض الدراسة على مدار 43 عاماً.
أما المدرسة فقد توقفت عن كونها مدرسة إلى الأبد، بعد أن سيطرت عليها كتيبة "عتصيوني" وحولتها إلى قاعدة عسكرية، ومقر قيادة لما أطلق عليه فيما بعد "الجبهة الداخلية".

المشهد (12)

بعد النكبة لم يعد ممكناً لكنعان ولا لمدرسته ولا للمدينة ممارسة دورهم الحضاري، ولم يعد ممكناً ذكر فلسطين إلا في سياق ما هو إشكالي ومأساوي، ولذلك فقد قضى كنعان عام 1964 دون عناية من أحد، وأحيلت مدرسة شنلر إلى مصائر كئيبة وغامضة، فتارة تقرر بلدية القدس، تحويل أراضي المدرسة موقفاً للسيارات، وتارة تقرر سلطة الأراضي الصهيونية استغلال المدرسة لإنشاء مساكن فاخرة، فيما تستأثر الحاخامية ببعض مرافق المدرسة لتتخذ منها كنيساً يهودياً، أما المدينة الكونية التي احتضنت توفيق ومدرسته فقد أمست نهب الخيال العبراني، ليأخذها إلى المتناهي في الصغر، وإلى رؤيته وحيدة الاتجاه، التي قد تحيل المدينة يوماً ما متحفاً للتفاهات.

==================== 
ملاحظات/

الاشتراك في الفرادة والمأساة بين حياة كنعان، ومصير مدرسة شنلر، ومصير المدينة المقدسة، ليس القاسم المشترك الوحيد الذي جعلني أرتب أحدهم على الآخر، بل رغبتي في تناول المدينة كبيوچرافيا شخصية، لاعتقادي أن القدس غير قابلة للمفهمة شأنها في ذلك شأن الفرد.
أطالب القارئ ألا يتذكر المشاهد السابقة، بل أن يطلق خياله حيث أحجار مدرسة شنلر الباردة، فأنا شخصياً كنت أظن أنني أصف، فيما أنا أتخيل، ربما لأن الخيال يسبق التذكر وإن بدا غير ذلك. (هذا بالتحديد ما لن يفهمه يوسف زيدان).

أنا لا أفهم شيئاً من جهود يوسف زيدان لنزع القداسة عن مدينتا الكونية، فعلاوة على الخلفية الدينية، نملك نحن الفلسطينيون بخاصة، ونحن السوريون عامةً، أسباباً تراجيدية لتقديس المدينة، دون الدخول في جدل تاريخي-ديني، يظن يوسف زيدان أنه قادر على نقضه.

فحاضرها الاعجازي-المأساوي في آن، يكفي لجعلها مقدسة، فالمدينة خرقت المألوف من عادة المدن الجبلية، فلم تكن حصناً مغلقاً كمثيلاتها، بل اكتفت برومنتكية الصخر وفروسيته، فيما استعارت من المدن الساحلية حيويتها وروحها الكونية، وانفتاحها على البحر حيث لا بحر.

تكمن مشكلة يوسف زيدان بأنه لم يدرك بأن التاريخ اللاهوتي مكان يصلح للشك، دون أن يكون مجدياً في الاستنتاج.

للمؤرخ الذي يريد أن يقترب من القدس:

  1. انظر، ابحث، وتعجب، وارتعش؛ ولكن لا تحرك باسمها لسانك، فالقدس بعيدة.. بعيدة جداً، والماضي كله لا يتسع لأن يكون ذاكرة لها.
  2. الفلسطينيون لا يعيشون في التاريخ، بل في الأركان، والتاريخ بالنسبة لهم كائن محفوظ في السماء الزرقاء، يزورهم أحياناً كوعي مفاجئ، ولذلك فإن دبوسك التاريخي لا يعني لهم شيء.