Menu
حضارة

بهاء طاهر مؤسس تيار الوعي في الرواية المصرية

الروائي المصري بهاء طاهر

محمود قرني

الروائي المصري بهاء طاهر من الذين استمسكوا بدور الفن ووظيفته كأداة من أدوات تطوير الوعي المجتمعي.

قليلون هم الروائيون العرب الذين يتعاملون مع فن الرواية باعتباره بناء تشريحيا يتقصّى درجة مقبولة من التراتبية والنظام، عبر قراءة رأسية للتاريخ الذي يخلقه أو يعيد خلقه فن العصر الصناعي بامتياز، بعيدا عن مفهوم التراكم الذي أصبح يحتفي بالسرد بدرجة عالية من المجانية، دون النظر إلى مفهوم الوظيفة المنوطة بهذا التراكم سلبا أو إيجابيا.

الروائي المصري بهاء طاهر الذي فاز بجائزة “ملتقى القاهرة الدولي السادس للرواية العربية”، الذي اختتم أعماله مؤخرًا في دار الأوبرا المصرية، وكان قد فاز بها في الدورة الأولى 1998 السعودي عبدالرحمن منيف، وفي الدورة الثانية 2003 رفضها المصري صنع الله إبراهيم، وفي الدورة الثالثة 2005 فاز بها السودان ي الطيب صالح، وفي الدورة الرابعة 2008 كانت من نصيب المصري إدوار الخراط، وفي الدورة الخامسة 2010 ذهبت الجائزة إلى الليبي إبراهيم الكوني.

بهاء طاهر من أولئك الذين استمسكوا بدور الفن ووظيفته كأداة من أدوات تطوير الوعي المجتمعي، فهو من هؤلاء الروائيين الذين ينحدرون من سلالة التأسيس الأول وإن انتسب لجيل الستينات في مصر، رغم أن أعماله القصصية والروائية واحدة من الأعمال النادرة التي استقدمت الكثير من ملامح تيار الوعي في الكتابة العربية، وقد استطاعت أن تحفر لوجوده مكانة متميزة تنامت وتبلورت عبر العديد من الأعمال الروائية والقصصية.

في أكثر من عمل روائي أكد طاهر أن قدرته على تطوير الوعي بدور العمل الفني كقوة مدركة ومتجددة لا تحدها آفاق، بغض النظر عن الجيل الذي ينتمي إليه، وتتبدى التقنيات المتعددة التي استخدمها الكاتب في رواياته قوة مضافة إلى ذلك الوعي المتجدد، سواء كان على مستوى التركيب الدلالي والزمني، أو على مستوى السرد وتداخل الشخوص وعلاقتها بالتاريخ.

المنطقة الأثيرة

التاريخ في أعمال طاهر باذخ بما لا يمكن مقاومته، فهو ينتمي إلى قرية الكرنك، وهي إحدى قرى مدينة الأقصر الواقعة جنوب القاهرة العاصمة بحوالي سبعمائة كيلومتر، وهي من بين أهم المناطق الأثرية في التاريخ المصري القديم، الأمر الذي جعل التاريخ منطقة أثيرة للكاتب.

ربما تعززت تلك العلاقة بالماضي أيضا، عبر الأب الأزهري المتعلم في وقت مبكر، حيث كانت تتشكل فيه التربة الممهدة لصعود الطبقة الوسطي، لكن الابن بهاء لم يكن وحيدا في عائلته؛ بل كان بين حوالي ثمانية أولاد، وهو الوحيد الذي استفاد من مكتبة والده الأزهري وقرأ منها أمهات الكتب، وربما وفر وضع الأب الوظيفي حياة ميسرة للأبناء، ومن ثمة مناخا ملائما لاستكمال المسيرة الثقافية.

الحال تغير بعد إحالة الأب إلى التقاعد، ثم وفاته، ولا يخجل بهاء طاهر من الاعتراف بالفقر المضني لعائلته بعد ذلك، والتي تحملت الأم مسؤوليتها بعد رحيل العائل الوحيد، من هنا لا ينكر دور ثورة يوليو 1952، في إعادة الكثير من الاحترام لكرامة الإنسان المصري.

الشاعر المصري بهاء حسين استطاع أن يغطي الكثير من تلك الجوانب في حياة بهاء طاهر عبر كتابه الذي صدر عن المجلس الأعلى للثقافة في العام 2010، وهو عبارة عن حوار مطول تحدث فيه طاهر عن أهم مفاصل مشواره الإنساني والإبداعي، ولم يخجل من ماضيه التعس الذي توقف فيه أمام الكثير مما يبدو مخزيا للبعض.

*روايته (واحة الغروب) حصلت على جائزة البوكر العربية للعام 2008، وقد كانت بامتياز رواية المكان المتعدد جغرافيا وإنسانيا، يعود تاريخ أحداثها إلى ما قبل ثورة عرابي والإسكندرية حيث حركة مقاومة الاحتلال الإنكليزي وواحة سيوة.

بالإضافة إلى عمق وثراء ما قدمه بهاء طاهر لحياتنا الإبداعية في أعمال عظيمة ومتميزة مثل مجموعاته، “الخطوبة” 1972، “بالأمس حلمت بك” 1984، “أنا الملك جئت”، “ذهبت إلى شلال”، “لم أكن أعرف أن الطواويس تطير”، أصدر طاهر عددا من الروايات المهمة والتي تعد إضافة حقيقية إلى منجز الرواية العربية مثل، “شرق النخيل”، “قالت ضحى”، “خالتي صفية والدير”، وتم تحويل هذه الرواية إلى مسلسل تلفزيوني لاقى نجاحا كبيرا على المستوى الجماهيري، ثم رواياته المهمة “الحب في المنفي”، و”نقطة النور”، و”واحة الغروب”.

وترجمته لرواية “ساحر الصحراء” لباولو كويلهو، وكتابه الفكري المهم “أبناء رفاعة”، وهو كتاب يمثل انحيازا طليعيا ومتقدما لمفهوم الدولة الحديثة، حيث يقدم رؤية ناصعة على المستويين السياسي والفكري لموقف بهاء طاهر من مفهوم الدولة الوطنية، الذي تبدّى بجلاء في عشرات المواقف، بداية من موقفه المؤيد بشكل عارم لثورة يوليو التي يراها أول ثورة حقيقية في حياة المصريين، ويرى زعيمها واحدا من أهم الزعماء عبر التاريخ.

لكن هذا الموقف لم يمنعه من المشاركة في تظاهرات الجامعة التي وصف طلابها آنذاك الوضع السياسي بالانقلاب على الثورة، ورفع كثيرون وقتها شعار “يسقط حكم البكباشية” (نسبة إلى البكباشي جمال عبدالناصر وهي رتبة عسكرية كانت موجودة آنذاك بالجيش المصري)، حيث كان الجميع يبحث عن الحرية.

بهاء طاهر أشار إلى التأييد العارم للكثير من قرارات الثورة، مثل اتفاقية الجلاء والإصلاح الزراعي، وفي نفس الوقت رفض عمليات قمع الديمقراطية ومحاكمات الثورة وأزمة مارس وإلغاء حرية الصحافة وإلغاء حق التظاهر وإلغاء حق تكوين الأحزاب، ومع ذلك وصف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بأنه الزعيم التاريخي.

ثم تبلور أيضا الموقف الوطني المتقدم في رفضه للكثير من السياسات الساداتية، لا سيما سياسة الانفتاح الاقتصادي التي قلبت المعايير المجتمعية، ومثلت إساءة كبيرة كان مقصودا منها العودة بالطبقة الوسطى إلى مصاف الرعاع والدهماء، كما كانوا قبل يوليو 1952.

*كان في مقدمة الأدباء الواقعيين وواحدا من أهم مؤيدي الثورات الوطنية.. وأول معتصم في وزارة ثقافة الإخوان

تنامى الموقف الوطني عند بهاء طاهر في تأييده لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، ثم معارضته الشديدة لحكم الإخوان المسلمين بعدها، وليس هذا فحسب بل كان من أعلن الاعتصام مع الروائي صنع الله إبراهيم بمكتب وزير الثقافة الإخواني علاء عبدالعزيز، قبل أيام من ثورة الثلاثين من يونيو 2013 ، التي انتهت بإزاحة الإخوان من سدة الحكم، ثم جاء تأييده الواضح والكبير للثورة الجديدة ولترشح الرئيس عبدالفتاح السيسي وتبلور موقفه المؤيد لدور المؤسسة العسكرية بعد موجات الإرهاب العارم الذي تعرضت له مصر.

في هذا السياق لم يكن غريبا أن يعيد طاهر قيمة جائزة مبارك التي حصل عليها في العام 2009، مع أنها أرفع الجوائز المصرية قبل أن يتغير اسمها إلى جائزة النيل، عقب الثورة وهو الاسم الذي كان مقترحا لها، معللا ذلك بأنه لا يمكنه قبول جائزة باسم رجل سالت على يديه دماء المصريين الشرفاء في ثورة يناير.

بهاء العارف باللغة الإنكليزية معرفة أهلها يعد في الوقت نفسه، واحدا من العارفين بأسرار اللغة العربية، كذلك التاريخين النثري والشعري في الثقافة العربية، وفوق هذا هو واحد من العارفين بالموسيقي العربية والكلاسيكية والفن التشكيلي، ودائما يشير إلى سحره بشعر المتنبي وغيره من كبار شعراء العربية، ويذهب كثيرا في أحاديثه إلى الاستشهاد بهم.

وتابع إنتاج المحدثين من رفاق جيله، بل من هم أصغر منه، حيث تابع رحلة إبراهيم أصلان، ومحمد البساطي، ويراهما من أحب كتاب جيله إلى قلبه، كما يشير إلى يحيى الطاهر عبد الله قائلا “إنه الروائي الفذ”، كما يعتبر أن رواية عبد الحكيم قاسم “أيام الإنسان السبعة” واحدة من أهم الروايات العربية في العصر الحديث، معللا ذلك بأن قاسم واحد من المؤسسين الحقيقيين لما يسمى بالواقعية الجديدة.

الأدب مرآة المجتمع

بهاء طاهر المولود عام 1935 من المؤمنين بأن الأدب مرآة للمجتمع، ومن ثمة فإن الكاتب في نظره لا بد أن يكون شريكا في صناعة المستقبل، سواء كان ذلك بالمعني المجتمعي أو السياسي، بالإضافة إلى وديعته الفكرية والإبداعية.

* تأييده لثورة يناير ثم يونيو يجعل من بهاء طاهر علما وطنيا، وكان رده لجائزة مبارك قد رسخه كرمز لشرف وضمير الكتابة المسؤولة

من هنا لا ينسى مشاركته في سنّ مبكرة في مظاهرات مدرسة السعيدية الثانوية بالقاهرة ضد الإنكليز، ويعتد بصراع الأفكار الذي كان سائدا بين التيارات الفكرية المختلفة في ذلك التوقيت، ويتذكر المناخ الليبرالي الذي كلل المرحلة بكاملها عبر المنابر والصحف وقنوات إبداء الرأي، لكنه مع ذلك لم ينضم لأيّ تنظيم أو حزب سياسي حتى الآن، مع أنه كان قريبا على الدوام من المناخات السياسية والعمل الميداني والحركي.

فقد تطوع في صفوف المقاومة الشعبية بين سنوات 1951 و1956 و1967، ويعتد بدور النخب المثقفة التي أسست لحلمها مع ثورة يوليو وما قبلها، مؤكدا أن هؤلاء بلوروا ما وصفه في مرات كثيرة بـ”الحلم المصري” الذي هو باختصار شديد جدا حق التعليم للجميع والديمقراطية، وأن تكون الأمة فوق الحكومة كما عبرت عن ذلك ثورة 1919، وفكرة العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وربما كان جزءا كبيرا من تلك المسيرة يلخص لنا اختياره لدراسة التاريخ بكلية الآداب، عكس رغبة والده الذي كان يريده شيخا معمما.

لا شك أن جماع تصورات بهاء طاهر عن الثقافة جعلت منه روائيا متميزا على رأس جيل مؤسس لتيار الوعي في الرواية المصرية رغم أنه بدأ واقعيا، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الرواية بعد أن عانى أشد المعاناة بسبب هجراته المتوالية.

بدأ حياته العملية مترجما في الهيئة العامة للاستعلامات ثم انتقل إلى الإذاعة، وكان أحد أهم مؤسسي إذاعة البرنامج الثاني، وقدم من خلال برامجه عشرات الأصوات الجديدة، بالإضافة إلى أساطين الكتابة الإبداعية وعشرات المفكرين في مختلف الاتجاهات.

بعد أن تم منعه من الكتابة خلال أواخر حكم الرئيس الراحل أنور السادات، بسبب موقفه من معاهدة السلام مع إسرائيل، هاجر وعاش متنقلا بين أكثر من منفى ثم استقر به الحال في فيينا، حيث عمل مترجما بالأمم المتحدة بين عامي 1981 و 1995 ثم عاد إلى مصر ولا زال يعيش فيها.

* يتنامى صراع الحضارات والتاريخ ووعي بهاء طاهر المركب الذي قدم لنا في النهاية منجزا باذخا على كافة المستويات في رواية (واحة الغروب)، وفي العديد من أعماله الباذخة

حصلت روايته “واحة الغروب” على جائزة البوكر العربية عام 2008، وهي بامتياز رواية المكان المتعدد جغرافيا وإنسانيا، ويعود تاريخ أحداث هذه الرواية إلي ما قبل ثورة عرابي والإسكندرية، حيث حركة مقاومة الاحتلال الإنكليزي وواحة سيوة (المكان الروائي) التي كانت تمثل جيبا من جيوب الخروج علي سلطة الدولة، وهي تمثل المكان الأخير للصراع بين الدولة بمفهومها الحديث وبين الوعي العشائري والقبلي الذي يمثله أهل الواحة، في مناخ من الجهل والفقر والمرض، وعادات وتقاليد يتعامل معها أصحابها كمقدسات لا يمكن المساس بها.

وتبدو الانتقالات شبه المنطقية داخل المكان الروائي غير خاضعة لسلطة الراوي المتعدد، لذلك فإن عنصر الزمن ظل مالكا لنفس القدرة على التعدد والحركة للأمام والخلف، أما أبطال تلك الرواية المهمة فكانوا الأكثر تنوعا وتناقضا في الوقت نفسه، فرغم حراكهم باتجاه هدف واحد، إلا أن كلاّ منهم كان يبدو ماضيا وفي ذهنه يتشكل عالم من الأحلام النقيضة، فمحمود يمضي كضابط شرطة تتنازعه مشاعر بأن نقله إلى الواحة كان عقابا له على موقفه الوطني من الاحتلال الإنكليزي، لذلك كان يتوقع الموت في كل لحظة، بحكم تركيبته العدمية، حيث يقع في الخطيئة بنفس القوة التي يندفع بها إلى التمسك والدفاع المستميت عن منظومة القيم الإنسانية الرفيعة.

أما كاثرين زوجته، وهي بولندية الأصل، فقد ورثت كراهية الإنكليز عن أهلها والأب والأخت القديسة فيونا، وربما كان هذا هو المشترك الأبرز في علاقتها بمحمود القوي المحتد بعمليته، والذي لا يهتم كثيرا بتلك الشؤون التي لا يفهمها والتي تدور في ذهن كاثرين وتلح عليها، عبر تلك الفكرة المجنونة التي هيأت لها أنها يمكنها أن تقدم من خلالها أعظم كشف أثري حديث، حيث كانت تعتقد، عبر قراءتها الواسعة في التاريخ والتراث المصري تحديدا، أنها ستعثر على قبر الإسكندر الأكبر في أحد معابد سيوة.

ثم يتنامى صراع الحضارات والتاريخ ووعي بهاء طاهر المركب الذي قدم لنا في النهاية منجزا باذخا على كافة المستويات في رواية “واحة الغروب”، وفي العديد من أعماله الباذخة.

 

نقلاً عن: العرب