Menu
حضارة

رسالة إلى فوق

براء عيّاش

عن مدونة "إنما لا بأس"

بتاريخ 30.11.2014

كثيراً ما انشغل في الحياة، تجرّني كما يجرّ تيّار النهر القوي بقايا الأغصان المتكسّرة إلى الهاوية. يحدث أنني في انجراري مع هذا التيار أسبح إلى ضفّة النهر خائر القوى، يابساً وشاحباً كأغصان شجرةٍ ميّتة. أرتمي على الشاطئ كالأمواتْ، وفجأة، وكأنّني أكتشف الأمر لأولّ مرّة، أتذكر أنني يتيم.

الأمر الذي جعلني أستيقظ من نومي وأكتب لك، هو سؤال قديم يتجدد باستمرار، البعض يسأله فقط من باب الفضول، هذا الفضول الذي يقولون أنّه يقتل صاحبه، أما والله ما رأيته يقتل أحداً سواي. أما الصنف الآخر يسأله بصيغة توبيخيّة، "لو كان أبوك عايش بكون راضي عنّك؟". شايف هذا السؤال البسيط؟، أي شابٍ غيري يستطيع أن يتوجّه بالسؤال إلى والده ويعرف الجوابْ. الإجابة على هذا السؤال مهمّة جدً لأيّ شاب، وهي ليست من باب الترف صدّقني. وبما أنّك تصرّ دوماً على التهرب من الإجابة والمراوغة من خلف الغيوم، طوّرت طريقة سهلة لأعرف فيها مدى رضايَ أنا عن نفسي، المسألة سهلة جدّاً، أقوم بوضع صورتك أمامي، وأنظر إليك، عيناي صوب عينك، فإذا أشحتُ بوجهي بعيداً أعرف أنني قمتُ بشيءٍ خاطئ.

مضى وقتٌ طويل منذ آخر مرة واجهت صورتك فيها، تلك الطريقة الوحيدة التي يملكها الأحياء لتصفية حساباتهم مع الأموات. لا أعلم لماذا أكتب إليك، لطالما اعتقدتّ أنني مع مرور الزمان سأنضج، نضوجاً مليئاً بالحزن والحكمة، وهذا ما سيجعلني أستغني عن الكتابة إليك، أن اسأل نفسي مراراً، "لو كان مكاني ماذا سيفعل؟"، أو التوجّه إلى الله بأسئلةٍ عن أحوالك وعن حكمتهِ في قصتنا التي تغيب عنيّ كما غبت أنت. وكما تعلم - يجب أن تعلم - أمورٌ كثيرة حدثت هذه السنة، فأنا أقيس الأحداث استناداً إلى يوم رحيلك، فمن آخر ذكرى، إلى الذكرى القادمة بعد شهر، فكّرت كثيراً بذلك السؤال، ولأن الإجابات تختلف حسب مزاجي وقت التفكير بالسؤال، إلى أن الأمر كان يخلص إلى عدّة أبواب، مثلاً، أن أقول بحسرة: للأسف، هو ليس هُنا ليجيب، أليس كذلك؟، ثم أسحب هذه الفكرة لأنها غير ناضجة، وتشعرني بالألمْ. الباب الآخر أقيسه على ما أراه من آباء أصدقائي، قد نختلف أنا وأنت، قد نتشاجر، أن يصل الأمر لتطردني من المنزل. أن نتصالح، ونقوم بأشياءَ كثيرة معاً، كأيّ علاقة طبيعية.

ولأنني كثير التفكير، وهذا ما ألومه على نحول جسدي وعدم رغبتي بالطعام، هذه أيضاً اعتقد أنني ورثتها عنك. كُنت أفكّر، ووجدتّ أمراً جديراً بالاهتمامْ - أنت تعلم هذا أفضل منّي - الشهداء لا يموتون ولا يتقدّمون في السن، يبقون في ذاكرة من تركوهم كما هم. إذن بيننا الآن ثمانية أعوامٍ، وهذا ما قادني إلى فكرة جعلتني أشعر بالراحة، وهذا أمر نادر الحدوث في الحرب مع الأفكار اللعينة. وجدت جواباً على ذلك السؤال، وجدت أننا على هذه الحال، قد نكون، أصدقاء!.

لماذا أكتب هذا الكلام هنا؟ لماذا أكثر من الأسئلة؟ لماذا لا نتحدّث كثيراً؟، لماذا أشعر دائماً أنني أخوض ضدّك سباقاً خاسراً؟. لا أعلم، ربّما يجب أن نتحدّث أكثر، أن نوقف هذا السباق الطويل الذي أنهكني، أن نسيرَ معاً، أن تعلمني كيف أجعل قلبي منارةً ليرشدني إلى البرّ حينما أخوض في بحرِ الحياة بعيداً. انا أعلم أنك تعلم أنني أعلم أنني لا أعلم، وهذا كما اتفقنا أنا وأنت سابقاً، أمر جيّد.