Menu
حضارة

جذور الهزيمة [2]

عامر محسن

يقول ستيفن غوانز إنّ النقاش حول «الأسباب الذاتية» لسقوط الاتحاد السوفياتي من الصّعب أن ينتهي وأن يُحسم، وأنّ كلّ طرفٍ (في اليسار أو في اليمين)، سيفسّر الانهيار من خلال موقعه هو وأولوياته والمبادىء التي يريد الدفاع عنها: الأنارشيون سيقولون إن الاتحاد السوفياتي سقط لأنه كان مركزياً وبيروقراطياً، مؤيدو السوق الحرة سيقولون إنه افتقد للأسواق والمرونة الاقتصادية، الليبراليون سيدّعون أنه سقط لأنه كان غير ديمقراطي، والمتديّنون سيؤكدون أن فشل التجربة يعود لمخالفتها الفطرة الانسانية... المشترك بين هذه التفسيرات هو أنّها تركّز على عاملٍ وحيد وتضخّمه على حساب سواه، ثمّ تفترض أنّ الاتحاد السوفياتي كان معزولاً على جزيرة، بحيث انه من الممكن نقاش «العوامل الذاتية» بمعزلٍ عن السياق الدولي وسياسة الغرب تجاه خصومه.

أراد غوانز اثبات فكرة محددة، وهي أنّ اقتصاد الدولة المخطط لم يكن، كما يفترض الكثيرون، فاشلاً وراكداً وسبباً لعرقلة التجربة السوفياتية، بل هو قدّم أداءً متفوقاً بالمعنى الاقتصادي البحت. غير أنّه في ثنايا الهزيمة السوفياتية درسٌ آخر، أهمّ، لم يتطرّق اليه الكاتب مباشرة، وهو ما يسمّيه سيف دعنا «وهم» أنّ الغرب ــــ ان كنت معادياً له أو حتى مستقلاً عنه ــــ سيسمح لك بالتطوّر والنموّ بسلام، ويتركك في حالك؛ وهذا ينطبق على الاتحاد السوفياتي كما ينطبق على فنزويلا وايران. أيّ مشروع يقوم على تحدّي المنظومة المهيمنة عليه أن يعي أنّه سيواجه حرباً مستمرّة بأشكالٍ مختلفة، على الاقتصاد وعلى الداخل ومن الخارج، وعليه أن يتحضّر باستمرار لاحتمالات الحرب والحصار. وما أن تصل الى الحكم نخبةٌ هشّة لا تقدر على هذه المهام ولا تبني سياساتها على أسسها، كما حصل مع غورباتشوف وجيله، حتى ينهار الحكم أو يستسلم.
الغريب هنا هو أنّ العديد من الشيوعيين، حين يتحدّثون عن سقوط الاتحاد السوفياتي، يلومون غورباتشوف وفريقه، ويلعنون ضعفه وأوهامه وسقوطه أمام أوّل تحدٍّ وأزمة. غير أنّهم لا يلومون بريجينيف، القائد الذي أسّس لمرحلة «الانفراج» الطويلة مع الغرب، وتوهّم أنّ الهدنة ستتحول الى سلام، وبدأ المنظرون في عهده الترويج لفكرة أنّ النظامين، الشيوعي والرأسمالي، سيتعايشان في النهاية باعتبارهما نظامين صناعيين متقدّمين، بغض النظر عن الاختلاف الايديولوجي «السطحي». اسوأ من ذلك، بريجينيف كان من وضع أسس «الطبقة الوسطى» السوفياتية في السبعينيات، فهو، حرفياً، «أبو غورباتشوف» وأمثاله: كانت فكرة بريجينيف أنّ الاتحاد السوفياتي، بعد النمو الذي حازه اثر الحرب العالمية، صار قادراً على تأمين رخاءٍ نسبي لطبقةٍ من التكنوقراط والاختصاصيين وكبار كوادر الحزب، وإخراجهم من النظام التقشفي الصارم الذي اعتاده البلاشفة، واعطائهم قدراً من الرفاهية والكماليات في أسلوب الحياة والسكن والاستهلاك، بمقاييس الدول الغربية الثرية. كان رهان القائد السوفياتي هو أنّ هذه الطبقة المحظية، والتي تحصل على أفضل ما يقدّمه الاتحاد لمواطنيه، ستلعب دوراً يشبه دور الطبقة الوسطى العليا في الغرب: فئة محترفة شديدة الفعالية وعالية الانتاج، وهي، في الوقت ذاته، مخلصةٌ للنظام الذي اصطفاها وفضّلها، ومدماكه وسنده الموثوق. النتيجة كانت أنّ «ابناء بريجينيف» هؤلاء هم أوّل من طعن المؤسسة السوفياتية وانقلب عليها، وأوّل من هاجر الى الغرب لبيع مهاراتهم، وهم من نظّر لتفكيك الشيوعية (بكلّ نماذجهم، من يلتسين الى كاسباروف). بالمقابل، وحدهم فقراء روسيا وعمّالها وجنودها (الذين لم يحصلوا على شققٍ في موسكو وسيارات وامتيازات) هم ــــ الى اليوم ــــ من يحفظ جميل وذكرى الاتحاد السوفياتي الذي آواهم وعلّمهم وانحاز اليهم، وجعلهم مواطنين بعد أن كانوا أقنانا.
إن كان دور الدولة في التنمية والانتاج نقاشاً مفروغاً منه في سياق دول الجنوب (التجربتان الوحيدتان في القرن العشرين اللتان نجحتا في التحديث والتنمية ــــ أي حالة المنظومة الاشتراكية وحالة شرق آسيا ــــ اعتمدتا على دورٍ مركزي ومباشر للدولة) فإنّ خطورة النموذج النيوليبرالي الذي يتم الترويج له في بلادنا، من قبل نخبٍ وخبراء وحكومات، هي أنّه لا يصلح الّا لبناء دولٍ فقيرة تابعة، دورها في الاقتصاد العالمي يقتصر على الاستهلاك واستخراج المواد الأولية؛ فهو لا يشبه مثال كوريا ولا المثال الاشتراكي، بل يستبدل التنمية بالاستهلاك والانتاج والتخطيط بالـ «مولات» والعقارات («نموذج دبي»)، وهو، الى ذلك، يعتمد على السوق العالمية بشكلٍ كامل، ولا يقدر، بنيوياً، على انتاج مجتمعٍ مقاوم أو محارب.
المسألة ليست اقتصادية ومادية فحسب، بل إنّ أهمّ مساوىء الاصلاحات النيوليبرالية التي أجرتها الأنظمة، في سوريا و مصر وغيرها، لا تكمن فقط في ضررها المباشر وانعكاسها على أحوال الناس، بل في امتدادها الى ما يمكن أن نسميه مسألة «النموذج». حين يصير حكّام البلد وبطانتهم ورجالاتهم التي يقرّبونها، والتي يراها الشعب على التلفزيون وفي الصحف، على شاكلة النخب الغرباوية ومن نسيجها، يركبون السيارات الأجنبية ويلبسون الثياب الغالية ويمارسون التجارة ولا يؤمنون بالايديولوجيا، فإنهم يؤشرون الى الشعب بأكمله بأنّ هذا النمط، وهذه الطموحات، واسلوب الحياة، هو «النموذج» الذي يشرّعه النظام، بل يضعه في واجهة المجتمع، ويدعو الى الاقتداء به (بدلاً من نموذج العامل مثلاً، أو الموظّف النزيه، أو المقاتل). وحين ينتشر هذا «النموذج»، الذي صعد في التسعينيات وتأسس على الليبرالية والفردانية، وتقديس الطموحات الطبقية والاستهلاك والمرجعية الغربية، وطبع جيلاً كاملاً ــــ انا منه ــــ بمفاهيمه وجمالياته، فأنت تؤسس لمجتمعٍ لا يقدر على المقاومة ولا يحضّر للحرب، ونخبه تعتاش على السّلم والاستقرار والتجارة، والعلاقات الجيدة مع الغرب والخليج. بمعنىً مشابه، حين يحضر مسؤولون من أحزاب المقاومة، في الجنوب اللبناني، الافطارات والمآدب التي يقيمها أصحاب المليارات والمغتربون الأثرياء (أو تُقام هذه الدعوات أحياناً على شرفهم) فهم لا يشرّعون ــــ فحسب ــــ للسلطة الاجتماعية التي تجلبها المادّة، بل، وهذا أهمّ، هم يشيرون ضمنياً الى كلّ أهل القرية بأنّ هذا الرّجل هو، فعلاً، المثال والنموذج، وأنّ النجاح المادي والمال (كيفما جاء) هو ما يعطيك قيمةً واحتراماً.

 
المصدر: الاخبار