Menu
حضارة

محمود أبو ندى: الحريّة التي تقرع جدران الخزّان بالجوع

الأسير المضرب عن الطعام محمد القيق

محمود أبو ندى

منذ بداية الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، فرضَ أنواعًا من الاضطهادات بحق أبنائها، والتي قابلها الشعب الفلسطيني بأبسل المواقف وأكثرها تشريفًا مثبتًا بذلك بأنّ الأرض له، وأنَّ المقاومة قائمة لا تنطفئ شعلتها بأي حال من الأحوال، وبأنّه وحده صانع القرار في وجهِ كل السلطاتِ المتخاذلة الراكنة للمواقف "السلمية". على إثر ذلك، خاض الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال "الإسرائيلي"  العديد من الإضرابات الجماعية عن الطعام منذ احتلال الضفة و غزة كوسيلة للاحتجاج على سياسات الاحتلال وتعبيرًا عن رفضهم  لسطوة الاحتلال الوهمية التي يحاول فرضها لانتزاع أحقية الفلسطينيين بأرضهم، وقد كانت هذه الإضرابات ناجحة في مجملها في كسر غطرسة السجان، وفي تحقيق مطالب الأسرى، مما حدى بالأسرى الفلسطينيين إلى خوض إضرابات أُخرى فردية لاقت نجاحًا أيضًا في تحقيق مطالبها كالإضراب الذي خاضه الشيخ خضر عدنان. ويلجأ اليوم العديد من الأسرى المُعتقلين اعتقالاً إداريًا للإضراب عن الطعام كسلاحٍ لرفض الضيم والظلم في سبيل تحقيق منالهم ومطالبهم. ويعتمد نجاح الإضراب عن الطعام على الحشد الإعلامي، والتحركات الشعبية المساندة، وقوة إرادة المضرب عن الطعام، وهو أهم عامل. ويعلم المضرب عن الطعام جيداً أن وسيلة الاحتجاج هذه قد تكون الأخيرة في حياته حيث يبدأ الجسم بعد أسبوعين من بدء الإضراب بتحليل أنسجته في محاولة للبقاء على قيد الحياة، ومن الممكن أن يتوفى المضرب عن الطعام بعد شهرين من بدء الإضراب، بسبب فشل في عمل القلب، مع كل هذه المخاطر يقرر الأسرى خوض معركتهم الباسلة.

يعيش الأسير الصحفي محمد القيق المُعتقل إداريًا منذ تاريخ 21-11-2015م يعيش إضرابًا مفتوحًا عن الطعام بدأهُ من اليوم الرابع لاعتقاله أي بتاريخ 25-11-2015م إذ ومنذ أن بدأت سلطات الاحتلال بالتحقيق معه من اليوم الأول لاعتقاله، مارست بحقه أساليبَ تعسفيةً واستخدمت وسائل تعذيب عدة ومعاملةً سيئةً غيرَ مُحتملة علاوةً على اعتقاله الذي جاء دونما تهمةٍ حتى؛ مما أدى به إلى اتخاذ قرار إضرامِ معركةٍ هو بطلها للإضراب إضرابًا مفتوحًا عن الطعام. جدير بالذكر أنَّ هذا الاعتقال يُعد الرابع بحق الصحفي محمد القيق، إذ اعتُقل في عام 2003 لمدة شهر واحد وفي عام 2004 اعتقل لمدة 13 شهرًا، وحكم في عام 2008 بالسجن لمدة 16 شهرًا بتهم تتعلق بنشاطاته الطلابية عبر مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت. وقد تم اعتقاله الأخير في تمام الساعة الثانية صباحًا وتم نقله مقيّدَ الأيدي ومغمي العينين إلى مستوطنة بيت إيل ومنها إلى مركز تحقيق المسكوبية بعد أن قامت قوة تابعة لجيش الاحتلال الصهيوني بمداهمة منزله الكائن في رام الله.

ومما يجدر ذكرهُ أيضًا هو أن اعتقال الصحفي القيق جاء ضمن حملة اعتقالات جماعية واسعة النطاق، طالت كل فئات المجتمع الفلسطيني منذ الأول من أكتوبر لعام 2015، تزامنًا مع  الانتفاضة التي انطلقت بتاريخ 21 أيلول 2015، وجاءت هذه الاعتقالات على شكل سياسات ممنهجة وعقوبات جماعية، وأغلب من تم اعتقالهم وُجهت لهم تهم أو شبهات تتعلق بالتحريض، هذا ما جاء في نصوص لوائح الاتهام وبعض المواد المكشوفة في الاعتقال الإداري للصحفي القيق.

وبموجب الحُكم الصادر من قِبل القاضي "شمعون أشوال" في محكمة عوفر بتاريخ 17-12-2015 صدر أمر الاعتقال الإداري بحق محمد القيق لمدة 6 أشهر بعد انتهاء التحقيق معه دون التطرق لحالته الصحية أو الاطلاع على ملفهِ الطبي مع علم المحكمة بشروع الصحفي بإضرابٍ مفتوحٍ عن الطعام وتغاضيها التام عن طبيعة عمل محمد كصحفي، فنسبت إليه العديد من التهم وادعت أن ملفاته السرية تحوي موادًا متعلقة بقيامه بالتحريض ضد الاحتلال ضمن عمله. كما ادعى القاضي أنّ محمد ناشط في حركة حماس والكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، ودون أن يُفصح عن ماهية النشاط، ونسبَ له نشاط عسكري وأنه مرتبط بأشخاص آخرين دون الإفصاح عن موقعهم.

في السياق نفسه أبدت مؤسسات فلسطينية رسمية وأهلية وتنظيمات، قلقها البالغ من تدهور صحة الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال "الإسرائيلي" نتيجة إضرابه عن الطعام، وعزم سلطات الاحتلال على تغذيته رغماً عنه، وزاد هذا التخوف بعدما أبلغت سلطات الاحتلال رسمياً أمس عزمها على المباشرة في تنفيذ هذا القرار، لكسر إضرابه احتجاجاً على اعتقاله الإداري، إذ اليوم وبعد مضي 51 يوم على بدء إضرابه، يعاني الصحفي محمد القيق أوضاعًا صحيةً متدهورة في مستشفى العفولة، إذ لا يستطيع حتى الحديث بسبب فقدانه الوعي وتصلب عضلات جسده بالإضافة لتخوف الأطباء من حدوث خلل في وظائف الكبد والكلى. وفي سابقة من نوعها قامت سلطات الاحتلال اليوم بتطبيق قانون "التغذية القسرية" بحق الأسير القيق حيث قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في بيان لها اليوم جاء فيه : "أن "لجنة الأخلاقيات" في مستشفى العفولة المكونة من 3 أطباء، وطبيب نفسي، وعامل اجتماعي، والتي تملك صلاحية إجبار الأسير المضرب على التغذية تحت حجة الخطر على حياته، قامت بتربيط الأسير القيق، وربطه بجهازي "المونيتور"، و"الانفوزيا"، لإدخال السوائل إلى جسمه عن طريق الوريد"، وهو ما يعتبر تطور خطير ومخالف للمواثيق الدولية.

ومن المعلوم أن تطبيق قانون "التغذية القسرية" بحق الأسير المضرب عن الطعام  يمثل إعداماً له إذ أن خطورة هذه الطريقة في إطعام الأسرى تكمن في كونها تتم بإدخال أنبوب عبر الأنف بالقوة حتى المعدة، ما يعرض حياة الأسير للخطر بسبب استخدام العنف وتكبيل اليدين لإيصال الطعام إلى المعدة، وما يمكن أن ينجم عنه من أضرار في جدار المعدة والمريء، إضافة إلى أن استخدام هذه الطريقة يزيد من مخاطر دخول الطعام والسوائل إلى الرئتين وما يعقبه من حدوث التهابات قد تؤدي إلى الموت على المدى القصير والمدى البعيد.

بالحديث عن الاعتقال الإداري، فإنَّ مؤسسة "الضمير"  تصفهُ  بأنّه أحد أنواع الاعتقالات التي تتم بدون تهمة موجهة مباشرة أو حتى دون إجراء محاكمة للمُتهم، إذ يعتمد اعتقاله على ملف سري وأدلة سرية لا يمكن للمعتقل أو محاميه الإطلاع عليها، بحيث يكون أمر الاعتقال الصادر بحق المُعتقل قابل للتجديد بحسب "الأوامر العسكرية الإسرائيلية" لمرات غير محصورة، أمّا منظمات حقوق الأسرى الفلسطينية فتُعرّفهُ على أنّهُ اعتقال شخص ما بأمر من القادة العسكريين وبتوصية من المخابرات بعد جمع مواد تُصنف بأنها "سرية".

وتمارس سلطات الاحتلال سياساتها بالاعتقال الإداري -الذي أخذته عن قوانين "الانتداب البريطاني"، منذ عام 1967، مبررةً ذلك بأنّها تمنعُ بإجراءاتها تلكَ خطرًا مستقبليًا كان سيقوم به المُعتقل لولا اعتقاله. وبالاستناد للاحصاءات المُسجلة، فإنَّ أكثر من 50 ألف حالة اعتقال إداري سُجلت وحتى عام 2014م من بين 805 آلاف حالة اعتقال.

تُعد معارك الأمعاء الخاوية التي يقوم بها الأسرى الفلسطينيون في سجون العدو الصهيوني اليوم تُعد بطولات ملحمية تتجلى فيها أسمى معاني الكرامة الإنسانية التي يسعى أبطالنا إلى الحفاظ على ما تبقى منها تعبيرًا عن رفضهم الضيم والإذعان لقرارات العدو الغاشم الذي يزداد تطاولاً يومًا بعد يوم، فهم بذلك يُسطرون تاريخًا نضاليًا مشرفًا قهروا به أسطورة "الدولة التي لا تقهر" بصمودهم وثبات عزائمهم وأمعائهم الخاوية.