Menu
حضارة

العقل والعضلات

عن جورج حبش وسؤال الهزيمة

أحمد مصطفى جابر

جورج حبش

بعد أيام تحضر ذكرى رحيل جورج حبش ، الحكيم الذي يبدو أننا أحوج ما نكون إليه هذه الأيام المظلمة الكئيبة، والمفهمة بالبطولة والتضحية –للمفارقة- على حد سواء.

ولعل الوفاء للرجل يتجسد أكثر ما يتجسد في استعادة أفكاره وإعادة تقديمها كما نظن أنه أرادها أن تظهر، ما يقتضي إعادة قراءة معمقة في أهم ما طرحه الرجل، وقد اخترت الدخول إلى هذا من باب السؤال الذي ارتبط بالحكيم في سنواته الأخيرة أكثر من غيره: سؤال الهزيمة ومعضلة العقل والعضلات في الكفاح الفلسطيني.

قد يكون ظلماً كبيرا البدء بالحديث عن جورج حبش ابتداء من سؤال الهزيمة، وكأن الحكيم لم يطرح هذا السؤال ولم يتفرغ له إلا بعد أن ترك موقع الأمين العام للجبهة الشعبية كترف فكري ما، وهذا في الواقع وللتاريخ عار عن الحقيقية وفيه ظلم كبير لرجل كرس حياته من أجل هدف واحد لا يحيد عنه قيد أنملة وهو هدف تحرير فلسطين.. هذه نقطة أولى.

النقطة الثانية إن من الظلم الكبير إحالة السؤال الذي أطلقه الحكيم إلى الجبهة الشعبية واليسار على اعتبار مكانته فيهما ما فتح الباب لليمين بجناحيه العلماني ممثلا بفتح، والديني ممثلا بحماس وغيرها للقول أن فشل اليسار والقومية يعني أن كلا منهما وعلى حده البديل التاريخي وكأن الجبهة الشعبية بتأسيسها أصلا لم تكن الرد على الهزيمة، ومحاولة مثابرة للإجابة عنها، وكأن سؤال العقل والعضلات كان يخص الجبهة وحدها وليس الكل الفلسطيني،  وهنا من المفيد التذكير بما قاله الحكيم في خطابه التاريخي في المؤتمر السادس للجبهة الذي أعلن فيه انسحابه من موقع الأمين العام للجبهة وأطرها القيادية:

"وفق قناعتي ورؤيتي فإن العامل الأساسي في تميز تجربة الجبهة وخصوصيتها التي نالت كل هذا الإعجاب وهذا الدعم والتأييد ولعبت كل هذا التأثير فلسطينيا وعربيا ودوليا يعود بالدرجة الأولى إلى تشابك الخط السياسي الذي مثلته الجبهة في المشروع الوطني التحرري بالخط القتالي.. والسير خطوات ملموسة في بناء الأداة التنظيمية الجذع الذي يحمل هذين الفرعين، ورغم أهمية الخط العسكري واستراتيجيته بالنسبة للتجربة النضالية الفلسطينية إلا أنني أود هنا التأكيد والتشديد على الخط السياسي والسبب في هذا يعود إلى حقيقتين أفرزتهما التجربة الفلسطينية المعاصرة:

  • إن الخط العسكري يأتي في صلب الخط السياسي أي انه جزء مكون من الرؤية السياسية وبالتالي فإذا كانت الرؤية السياسية سليمة وعلمية وثورية فإنها بالتأكيد ستمارس الشكل النضالي الملائم مع تلك الرؤية السياسية
  • إن إخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية وارتداد قيادتها الرسمية ممثلة بفريق أوسلو لا يعود بالأساس إلى إخفاقها العسكري أو لغياب كفاحية قواعدها التنظيمية أو الشعبية وإنما يعود في هذه المرحلة إلى انهيار الخط السياسي لهذه القيادة الذي توج بانقلابها على البرنامج الوطني التحرري وانخراطها في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي للتسوية اتصالا بالتغيرات الطبقية – الفكرية –المعنوية التي طرأت على النخب القيادية أولا وقبل كل شيء آخر."

هل يشكل هذا الكلام جوابا على سؤال العضلات الذي فهم على غير ما عناه الحكيم؟

الملاحظة الثالثة أنه جرى اختزال السؤال الأصل إلى دلالة الاستنتاج الحتمي في تلاعب لغوي واضح، مذكراً بالسؤال الأصل: لماذا انتصر المشروع الصهيوني ولماذا هزم المشروع القومي العربي؟

وهذا يجعلنا مطالبين بوضع السؤال في إطاره التاريخي الصحيح. والسؤال إذا حول شكل المشروع القومي الذي هزم وفحواه، هل هذا يعني باستحالة مشروع قومي آخر؟

قبل الاستطراد لابد من الإشارة إلى أنني أذهب في تحليلي إلى أن السؤال هو سؤال التحفيز وإعمال العقل وليس سؤال الجهالة والإذعان، لأنه لم يصدر عن رجل جاهل أو عادي أو يفتقر للذكاء المطلوب ومعزول عن الممارسة العلمية وهنا من الضروري قراءة هذا السؤال بدلالاته الكفاحية والفكرية ودلالة المصير أكثر من دلالة اللغة بحد ذاتها.

فمن صدر عنه السؤال؟ لمن وجه سؤاله؟ ولماذا؟

صدر السؤال عن جورج حبش المفكر والسياسي المناضل التاريخي وأيضا قائد الجبهة الشعبية وهذا الربط ضروري وله دلالة تاريخية وواقعية، الرجل الذي تبنى فكرة لم يحد عنها طوال سبعين عاما، جوهرها تحرير فلسطين، وهذا يعكس الصلابة الفكرية التي تميز بها، خريج الطب الأول على دفعته والأستاذ المساعد لعلم الأنسجة، وابن العائلة الميسورة والوسيم والرياضي عميق الثقافة إن شئتم. الذي لم يأت من الفشل إلى الكفاح الوطني والقومي بل من نجاح شخصي متحقق وألمعية معترف بها، ليكرس حياته لشعبه.

أيضا وهذا لا يقل أهمية: إن جورج حبش هو طالب الطب الذي وجد نفسه لاجئا فجأة مع عائلته، ومطرودا من بيته، انه أخو الشهيدة التي لم يتسن له وداعها ودفنها بما يليق، والتي دفنت على عجل في حديقة منزل استولى عليه الصهاينة وأعرف أن حزن الحكيم على شقيقته فوتين لم ينضب أبدا بل تحول إلى حزن وغضب تاريخي على مصير شعبه بأكمله.

لم يستسلم جورج حبش للحظة الهزيمة الأولى بل كان مع المقاتلين على مشارف اللد حزينا لعدم معرفته بالسلاح وأساليب القتال فانبرى يطبب جراحهم ويعالج مصابيهم.. ليصبح بعدها طبيب الشعب سياسيا وكفاحيا. وأصبح دوره وكفاحيته جزءا من التاريخ لايمكن بيان تفصيله هنا ولكن الأهم الذي أود إضافته أن الحكيم عندما غادر اللد كان ينوي العودة إليها وعندما غادر الجبهة كقائد، كان ذلك في دلالة عميقة في ذات المؤتمر الذي نضج فيه حزبه لدرجة تقديم وثائق كانت الأكثر عمقا وموضوعية في تاريخ اليسار الفلسطيني والعربي بشهادة حتى نقاد الجبهة والحكيم. أعني وثيقة المراجعة التاريخية ووثيقة التقرير السياسي والفكري، وأشهد أنه ناقش وأمسك بزمام كل كلمة كتبت في هاتين الوثيقتين.. مدققا ومتمحصا ومناقشا ومعترضا حينا ومصفقا بفرح تلميذ شغوف بالاكتشاف أحيانا أكثر.

وأعتقد أن للاستقالة إن صح التعبير وتقديم هذه الوثائق للنقاش والإقرار في ذات الوقت له دلالة فارقة ومفصلية في مسيرة الحكيم وتاريخ الجبهة الشعبية.

هل يمكن بعد ذلك اختزال سؤال المصير للحكيم بعبارة رثة تفتقر للبلاغة والعمق والإبداع مثل: لماذا هزمنا؟

أما عن الشق الآخر للسؤال: لمن وجه الحكيم سؤاله؟ فأجيب عن معرفة أنه وجه أصلا لرفاقه وقد يفاجأ البعض لو علم أن السؤال كان داخليا في الأساس طرحته الجبهة ضمن عملية التحول النظري المثيرة التي اجتازتها الجبهة على مدى ثلاثين عاما ربما أمر لم يلحظه من هم خارج الجبهة وعلى كل حال لقد عشناه بعقولنا وأعصابنا بل بالدم أيضا.

أما لماذا؟ فلا يخفى على أحد أننا طرحنا هذا السؤال ارتباطا بجوهر ما تمترس خلفه الحكيم والجبهة، فكرة تحرير فلسطين واستعادتها خصوصا مع التحولات الكارثية المرتبطة بمؤتمر مدريد ومن بعده أوسلو حيث أصبح سؤال المصير هاجس كل فلسطيني، لذلك كله كان سؤال لماذا انتصر المشروع الصهيوني ولماذا هزم المشروع القومي العربي يتضمن جانبين ذاتي وموضوعي.

ومن قوانين التاريخ التي تعلمناها في مدرسة الماركسية، أن النصر يحتاج لتضافر عوامل موضوعية وذاتية ولا يستقيم الأمر بدون ذلك، أما الهزيمة فلا تحتاج سوى لغياب أحد العوامل، وقد أخفقنا بالفعل في حشد مكامن القوة لأسباب كثيرة وتم تفشيل سعينا لضفر الذاتي والموضوعي.

وهنا اسمحوا لي بالقول أن من المعيب أن يفهم من السؤال بشكل من الأشكال استكانة الشعب الفلسطيني وإنه كان يقف متفرجا على بلده وهو ينتهب، لقد أصبحت الوقائع البطولية لكفاح هذا الشعب وتضحياته جزءا من تاريخ لا يقرأ للأسف ولكنه موجود وموثق نعتز به كفلسطينيين ونستلهم منه طريقنا الطويل.

بالعودة إلى السؤال، علينا الإقرار أن المشروع القومي العربي لم يكن لاعبا وحيدا من جهة ولم يكن موحدا من جهة أخرى، بل طغى عليه التنافس والصراع ورغم ذلك كان مستهدفا بالذات وعلى وجه الخصوص من خصمين صارا حليفين من حيث لايدريان أو يدريان، أعني العدو الصهيوني والاستعمار العالمي من جهة والتيار اليميني بتنوعاته من جهة أخرى بما فيها الجناح اليميني من الفكرة القومية. والجميع سعى لتدمير الخيار القومي لأسبابه الخاصة.

لماذا لم نستطع تحرير فلسطين ولماذا تمكنوا من مواءمة الظروف الموضوعية والعوامل عندهم وغيابها عندنا لنجاح مشروعهم؟

بديهي أنني لم أكتب هذا لتقديم جواب، ولكن بقناعتي لايمكن عزل السؤال عن تاريخنا المعاصر وفشل إنجاز مشروع الاستقلال العربي، وتسلط القوى والطبقات الحليفة للاستعمار أو المتواطئة معه على مقدرات الأمة حتى هذه اللحظة دون الدخول في تفاصيل تزعج أو توجع القلب.

ولكن كانت الهزيمة عام 1967 قد أفرزت تيارين دون أن نغفل أن الجبهة في وثيقة المراجعة التاريخية قد ابتدأت من سايكس- بيكو  وظروفها وليس من 1967. وعلى كل حال التيار الأول رأى أنها هزيمة لتيار القومية العربية والخيار القومي قولا واحدا، فصعدت أيدلوجيتين متناقضتين ومتفقتين الإسلامية والشعبوية الفلسطينية.

التيار الثاني نظر إلى الموضوع نظرة أخرى كاشفا أن الهزيمة كشفت أن ليس كل طبقات الأمة لها مصلحة في التحرير بل ثمة طبقات وفئات بعينها لها مصلحة في التحرير والنهوض ومن هنا وبعيدا عن التشنج الذي حاربه جورج حبش  بقوة شقت الجبهة طريقا واعيا نحو الماركسية بفهمها الفلسطيني، والتي صاغ قوانينها المعلم غسان كنفاني في وثيقتين تاريخيتين: مهمات المرحلة  و الاستراتيجية السياسية والتنظيمية.

                             

كان هذا ليس بفضل الحكيم وحده، بل بفضل طليعة عظيمة من وجهة نظرنا كجبهويين على الأقل ضمت وديع حداد وغسان كنفاني وأبا ماهر اليماني و أبو علي مصطفى وهاني الهندي وأسامة النقيب وباسل الكبيسي وغيرهم الكثير، ولكن مكانة الحكيم بالذات وحس التلميذ الشغوف بالاكتشاف عنده وعقل طبيب الأنسجة التحليلي الصارم جعت منه قادرا على قيادة هذه المجموعة الفريدة و على الانفتاح على كل جديد ومراجعة القديم، وهذا كان النقطة الحاسمة برأيي الخاص في هذا التحول حيث أن الرجل كان يصوغ أفكاره ومعتقداته ليس انطلاقا من الكتب وهو طبعا المثقف الموسوعي والقارئ الممتاز، بل من الممارسة المباشرة ودروسها المستخلصة.

أود أن أضيف أشياء أراها أساسية حول الحكيم..

طوال ستة عقود آمن الحكيم بالحق الفلسطيني، بحقه كفلسطيني، رافضا المساومة تحت شعار التسوية أو الظرف الذاتي أو موازين القوى لأنه كان مقتنعا بأنه يلزم الحصول على القوة لدعم الحق وليس استخدام الحق لاستحصال القوة، ولهذا دلالة بالغة في صياغة الرؤية السياسية والفكرية لنظرية الصراع التي حددتها الجبهة بإشراف الحكيم في وثيقتها التاريخية بأنه صراع وجود وهو تاريخي ومفتوح لن يغلق إلا بانتصار ناجز لأحد الفريقين وكان الحكيم طبعا ونحن أيضا كجبهويين مقتنعين تماما ومؤمنين أننا نحن الطرف الذي سينتصر.

كان الحكيم من القلائل في القيادة الفلسطينية الذي بقي ممسكا بجوهر المسألة أن الوطن هو فلسطين وليس القضية الفلسطينية، منتقدا بشدة الأنظمة العربية المتمسحة بالقضية الهادرة لفلسطين في تناقض قد نفهم أسبابه. ولهذا الوعي دلالة في صياغة البرنامج وفهم الاستراتيجية والتكتيك.

أظن في النهاية أن من واجبنا وحق الحكيم علينا نحن أبناءه ومتبعي طريقه في الجبهة الشعبية أن نعيد سؤاله التاريخي إلى أصالته ومعناه الحقيقي الذي قصده ونظر له وكان جديرا بإطلاقه في سياق تاريخي محدد.

وشكرا لكم