Menu
حضارة

الاتفاق النووي الإيراني والأطر الديبلوماسية الناظمة

خضر ياسين

تعود سلمية البرنامج النووي الإيراني الى العام 1978 عندما باشرت إيران ببناء مفاعل نووي سلمي لتوليد الكهرباء بمساعدة من ألمانيا الغربية وفرنسا. وبسبب اندلاع الثورة الإسلامية وتبدل نظام الحكم، انسحبت الشركات الأوروبية منها، ثم توقف استكماله بسبب الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980 ـ 1988). لكن إيران في مطلع التسعينيات أبرمت اتفاقاً مع روسيا الاتحادية لبناء مفاعل نووي سلمي (مفاعل بوشهر) لتوليد الطاقة، وكان من المتوقع تشغيله مطلع العام 2009، واتجهت إرادة الدولة الإيرانية نحو تطوير قدراتها البحثية النووية من أجل الحصول على الماء الثقيل لتشغيل المفاعل المذكور بدلاً من استيراده. وكانت معظم أنشطتها النووية تحت رقابة «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، التي تم إبلاغها من قبل إيران العام 2002 عن خططها لعشرين سنة مقبلة، وأنها تنوي إنشاء معامل طاقة نووية بقدرة 6000 ميغا واط تمثّل إحدى جوانب سياستها في مجال طاقة طويلة الأمد، للتعويض عن الاستنفاد المتوقع حصوله للاحتياطي من النفط والغاز لديها.
لقد نجم الاتفاق النووي الإيراني عن سلسلة من المفاوضات التي حصلت بين «مجموعة الخمسة زائدا واحدا» وإيران على مدى ما يقارب السنتين، ووفقاً لأحكام القانون الدولي تندرج هذه المفاوضات ضمن الوسائل الديبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية، ويقوم بها أطراف النزاع مباشرة وبمفردهم، على عكس وسيلة الوساطة التي يقوم بها طرف ثالث من أجل تقريب وجهات النظر بين الطرفين، وهذا ما لاحظناه في ما يخص الخلاف بين إيران و السعودية الناشئ عن الهجمات ضد السفارة السعودية في طهران.
بموجب الاتفاق النووي الإيراني، اعترفت القوى الكبرى بسلمية البرنامج النووي الإيراني واحترام حقوق الشعب الإيراني النووية في إطار القوانين والمعاهدات الدولية، علماً أن الدولة الإيرانية طرف في معاهدة حظر الانتشار النووي لعام 1968، وقد التزمت بها وفقاً للمادة الرابعة منها التي تقول إن «لجميع الأطراف حقاً غير قابل للتصرف في الطاقة النووية بحثاً وانتاجاً واستعمالاً لأغراض سلمية دون تمييز». وإلى جانب هذا الاعتراف تلغى أنواع الحظر الاقتصادي والمالي والمصرفي والنفطي وفي مجال الغاز والبتروكيماويات والتجارة والنقل المفروضة عليها، ما يؤدي الى جعلها سوقاً اقتصادياً واستثمارياً مشجعاً وجاذباً، ويتيح المجال أمامها في الأسواق والقطاعات التجارية والمالية، والسماح لطلابها بالدراسة في الفروع العلمية المرتبطة بالطاقة النووية، وغيرها من الحقوق الذاتية التي حصلت عليها مقابل تعهدها ببعض الالتزامات الواردة في الاتفاق، حيث أكد مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية أن إيران التزمت بتعهداتها المنصوص عليها.
ليس مستغرباً أن تتوصل الدول «الخمسة زائدا واحدا» الى توقيع الاتفاق النووي مع إيران، في ظل مجموعة من القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والقاضية بفرض حصار وعقوبات ضدها. ففي السياسة ليس هنالك من علاقات دائمة وإنما مصالح دائمة؛ إذ إن الولايات المتحدة الأميركية حاولت إسقاط النظام في إيران سواء من خلال دعمها للعراق في حربه عليها أو من خلال العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية، وفي الوقت ذاته تقاطعت مصالحها معها في مرات عديدة وكانت بحاجة لمساعدتها عندما هاجمت أفغانستان العام،2001 وكذلك عندما احتلت العراق العام 2003 وكانت القوات المعارضة لنظام الحكم العراقي تقيم على أراضيها.
يكشف لنا مسار توقيع الاتفاق النووي الإيراني مسألة مهمة على صعيد آلية عمل المنظمات الدولية، وأخص بالذكر مجلس الأمن، حيث يتعاطى بازدواجية واستنسابية مع القضايا المطروحة عليه وفقاً للمصالح الأميركية. فهو اتخذ مجموعة من القرارات بفرض جزاءات اقتصادية على إيران ولم يعمد الى تطبيقها ضد باكستان التي امتلكت سلاحاً نووياً بعد العام 1967 وفجّرت هذا السلاح العام 1998 وأجرت تجارب صواريخ بالستية العام 2007، وكذلك الهند التي أجرت تفجيرات نووية وتجارب على أسلحة دمار شامل العام 2007، من دون أن تتعرض لجزاءات دولية أو أميركية.

 
المصدر: السفير