Menu
حضارة

البحث عن الوعي، رحلة مُستَمرة

نور الدين العايدي

جدتي لم تنسَ موقد النار مشتعلًا عندما هجَّروها كما جداتكم، نحن حتى لا نملك مفتاحًا قديمًا للبيت الذي سرق، ولقد كبرت وليس في حارتنا عجوزٌ تحدثنا عن البلد، في الواقع أنا حتى لم أعِ أن مخيمي ليس مجردَ حيزٍ مكانيٍّ آخر إلا بعد سنوات البحث عن وعييَ الخاص، إنني من أجيالٍ كان الوعي معركةً شاقةً لها وأعتقد أنه كثيرًا ما كان معركةً خاسرةً أيضًا!

أنا لم أرَ البلد يومًا ولم أسمع من الكبار الكثير، أصلًا كل ما سمعته كان من مما تتذكره أمي بعد أن فات عليَّ أوان السماع من الكبار الذين عاشوا البلد والخروج منها، ما حصل أن جدي الأكبر -والديَّ أبناء عمومة- رفض الخروج من أرضه في النقب ولكن وبعد أن قتلوا أكبر ابنين له -عودة وعبد العزيز- وهما في طريق عودتهما إلى البيت ما كان منه إلا أن قرر الخروج هو وزوجاته الثلاثة وبقية أبنائه وبناته تاركًا ماله وأرضه الشاسعة، الشاسعة جدًا، هذا ما عرفته أمي من الكبار وما سمعته منها ومن خالي الذين لم يتحدثا مطلقًا عن موقدٍ ترك مشتعلًا أو وسادةٍ أُخذت بدلًا من طفلٍ ما.

بالنسبة لي بدأت مياه الأسئلة الراكدة بالتحرك والبقبقة فقط مع حرب غزة الأولى، ليس بسبب الحرب فعلًا لأن تلك السنة -الصف السابع- كانت بداية سلسلةِ تجاربٍ ستغير في حياتي الكثير أو بالأحرى ستغيرها كلها، ما علينا الحرب فقط وجهت نظري لأمورٍ جوهريَّةٍ لم أكن قد التفتُّ إليها جيدًا حتى ذلك الوقت. 

الوعي بما يحصل حولي، ماذا حصل حتى وصلنا هنا؟ لماذا المخيم ليس حيزًا مكانيًا عاديًا؟ ماذا حصل قبل هذه الحرب؟ آه لقد كبرت وأنا أعرف من نحن ومن هم وما الذي حصل، كنت طالبًا مجتهدًا وأحفظ التواريخ والأحداث جيدًا لكن لأصدقكم ذلك لم يكن أكثر من دراسةٍ لإمتحان من امتحاناتٍ عديدة، لا أدري إن كان هنالك أحدٌ كان الأمر لديه هكذا لكنها والله كانت معركة شاقة، فالوعي الذي كان يوفره الميدان كان مفقودًا بعد خروج الاحتلال من غزة، طفلٌ آخرٌ من مخيمات القدس في مثل سني آنذاك أنا أثقُ أنه كان يمتلك وعيًا وفهمًا أوضح مني بسبب ظروف الميدان والاحتكاك اليومي مع وجود الاحتلال، كما أن أبواب التثقيف التي كان من المفترض أن تقوم بها الأحزاب كانت غير مرغوبة بالنسبة لي ولآخرين بسبب الصراع آنذاك -أيًا كانت وجهة نظري من الصراع الآن، في آخر المطاف لم يبقَ إلا القراءة، القراءة أول الجنة والنجاة.

لأكون صادقًا لم تكن القراءة كافية، كان علي أن أخوض نقاشاتٍ عديدةً وأتخذ مواقف أراها الآن خاطئةً بالكلية وأخجل منها أيضًا، كان علي أيضًا أن أحتك بأصدقاءَ أكثر معرفةً وتجربةً وأضيف إليَّ معرفةً وتجربةً ومراجعات، الفارق الآن أنني أعرف ما أوافق عليه وما أرفضه ولماذا قد آخذ موقف الرفض أو القبول، بوضوح وبلا أي رعشة، أي نعم أنا لا أعرف من أنا أو ماذا أريد وحتى لا أعرف تمامًا الأسئلة التي أبحث عن إجاباتها لكنني سعيد بأرضية الوضوح تلك، تلك الأرضية التي أثق أنها أول الطريق لوضوحٍ أكبر ومعرفة أكثر وتيهٍ أقل.