Menu
حضارة

كيف تتواصل «الانتفاضة» وتنتصر

هاني المصري

أربعة أشهر ونصف وما زالت «الانتفاضة» التي ميزّها استخدام السكاكين والدهس مستمرة برغم الإعدام الميداني وهدم المنازل واحتجاز الجثامين والعقوبات الجماعية والاعتقالات الواسعة والغرامات المالية، وفي ظل عدم تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة.
يستمر العجز الاحتلالي عن إخماد هذه «الانتفاضة» لأن أبطالها أفراد، مع عدم إغفال أن بعضهم ينتمون إلى فصائل، ولكنهم لا ينفذون عملياتهم بأوامر منها، وأن بعض العمليات استخدمت فيها الأسلحة النارية وقام بتنفيذها أشخاص عدة، ما يوحي بشكل من أشكال التنظيم، وهذا قد يؤشر إلى ما يمكن أن يحصل في المرحلة القادمة إذا استمر الحال على ما هو عليه حتى الآن من فراغ سياسي وفصائلي قاتل يتم ملؤه من المنتفضين الجدد.
إن ما يحدث ليس انتحارًا، لأن المنتحر لا يستهدف العدو، بل يلقي بنفسه من فوق عمارة أو يشنق نفسه بحبل أو بأي طريقة، وليس يأسًا، لأن اليائس يهرب إلى الجريمة أو الدعارة أو البحث عن هجرة. إن ما يحدث هو إعلان عن رفض الاحتلال والعزم على شق طريق مفضٍ إلى الخلاص منه، واحتجاج على الخيارات العقيمة المتبعة من قبل مختلف الفصائل وانعدام الخيارات لدى القيادة.
إن عدم وجود تنظيم وقيادة وأهداف للانتفاضة ناجم عن عدم تحمل الفصائل للمسؤولية لا عن اندلاعها ولا عن استمرارها. فالفصائل الرئيسية في ظل استمرار الانقسام بين نارين: نار الرغبة بتوظيف الانتفاضة لمصالحها الفئوية، ولإحياء خياراتها التي وصلت إلى طريق مسدود؛ ونار الخشية من دفع الثمن، ومن توظيف الخصم الداخلي لها لخدمة مصالحه وأهدافه وعلى حساب الطرف الآخر. وهذا يؤدي إلى مشاركة منها من دون وضع الثقل اللازم.
وما يزيد الطين بلة تقليل البعض أو مبالغته في إنجازات «الانتفاضة» التي تحققت حتى الآن، وما يمكن أن تنجزه. فهناك من ينفي أو يقلل من تحقيق أي إنجاز، أو إمكانية تحقيق شيء، وهناك من يروّج بأن «الانتفاضة» حققت المعجزات حتى الآن، وأنّها قادرة بمدى زمني قصير على الانتصار بالضربة القاضية على الاحتلال، برغم أن وقائع وشروط الانتصار غير متوفرة، بدليل المأزق العام في ظل فشل الخيارات واستمرار التوهان والانقسام المدمر، وتدهور الوضع العربي، وعدم توفر وضع إقليمي ودولي مناسب.
هناك، خصوصًا في السلطة، من يذرف الدموع على الضحايا، ويدعو إلى سلمية الانتفاضة وابتعادها عن كل أشكال العنف والمواجهة، في حين أنه لا يريد في الحقيقة أو لا يعمل بشكل جاد من أجل إطلاق أي مقاومة سلمية أو غير سلمية، لأن الكثير من المنادين بالمقاومة السلمية لو كانوا جادين لوضعوا طاقاتهم وراء حراك سلمي فعّال.
برغم دخول «الانتفاضة» شهرها الخامس، لا تزال الفصائل والقيادات «تتضامن» معها «وتتفهم» أسباب اندلاعها مثل بان كي مون، ربما أكثر قليلًا، من دون أن تجهد نفسها حقًا في رفد المواجهة بعوامل استمرارها وتطورها، ومتطلبات انتصارها المتمثلة بالقيادة والوعي والتنظيم والجبهة الوطنية وتحديد الأهداف، وتحويلها إلى انتفاضة تتناسب مع الخبرات المستفادة وخصائص الصراع وموازين القوى بهدف تغييرها.