Menu
حضارة

السلاح والمال والسياسة

عامر محسن

كان سرّاً معلناً أن زيارة وزير الدفاع الايراني حسين دهقان الى موسكو هي، في جانبٍ أساسيّ منها، زيارة «تسوّقٍ» للسلاح ولتحديد أفق العلاقة العسكرية بين روسيا وايران في المرحلة المقبلة (الأميركيون يتهمون الجنرال دهقان، كما ذكّرت قناة «فوكس» البارحة، بأنه كان أحد المخططين الرئيسيين للهجوم على ثكنة «المارينز» في بيروت عام 1983، حيث قضى أكثر من 240 جنديا أميركيا).

قبل الزيارة وخلالها وبعدها، انتشر كمٌّ هائل من التسريبات والشائعات حول محتوى الصفقة المزعومة. تعليق نظام العقوبات ضد طهران قد فتح الباب على تكهّنات ورهانات حول المستفيدين من عودة ايران الى السوق الدولية (من ستشتري ايران منه الطائرات، ومن سينال عقود الطاقة، الخ)؛ غير أن الملف العسكري لا يقلّ أهمية عن القطاعات المدنية، ليس لأهميته الاقتصادية فحسب، بل لأن العقود التي توقّع اليوم تشير الى التوجهات المستقبلية للجيش الايراني، والى شكل ومستوى التحالفات التي تعقدها طهران مع قوى العالم.

أهمّ التسريبات جاء من وكالة «انترفاكس»، التي ادّعت أنها قد تحدّثت الى مسؤولين روس مطّلعين على الجانب التقني للمفاوضات، وأنّ وزارة الدفاع الايرانية على وشك شراء حزمةٍ كبيرة من الأنظمة العسكرية، بينها بطاريات دفاع جوي من طراز اس ــــ 400، وطائرات سوخوي 30، وصواريخ متقدمة مضادة للسفن، ودبابات تي ــــ 90، وفرقاطات وغواصات. ثم خرجت، أمس، تقارير من مصادر مختلفة تدّعي بأنّ القيمة الإجمالية للمشتريات الايرانية ستزيد على 8 مليارات دولار، وتؤكّد بأنها ستضمّ مقاتلات سوخوي ــــ 30 متعددة المهام (أكثر من 160 طائرة بحسب مصادر «انترفاكس»).

مرّت المؤسسة العسكرية الايرانية خلال العقود الماضية بعدّة أطوار، منذ بدأ الشاه ببناء جيشها على النمط الغربي في السبعينيات، وتكديس السلاح والطائرات من اميركا (اضافة الى مئات طائرات الفانتوم والاف ــــ 14 والاف ــــ 5 التي صدّرت الى ايران، كان البلد على وشك شراء أكثر من مئتي مقاتلة اف ــــ 16 حين حصلت الثورة وخُلع الشاه)، والتطلع الى انتاج دبابة بالاشتراك مع بريطانيا ــــ تحت اسم «شير»، ثمّ أصبحت «تشالنجر» الشهيرة حين خُلع الشاه واستكملت بريطانيا المشروع بمفردها. وحين حلّت الحرب مع العراق، ووقعت ايران تحت ما يشبه الحظر الدولي على تسليحها، اعتمدت على تشغيل الأسلحة الأميركية التي ورثتها من النظام السابق، مع تطعيمها بتكتيكاتٍ ترتكز على المشاة وما يُتاح للبلد من تسليح خارجي نادر (أوّل لواء مدرّع لـ «الحرس الثوري»، مثلاً، كان مسلحاً بدبابات تي ــــ 54 سوفياتية غُنمت من الجيش العراقي خلال المعارك). منذ التسعينيات، ومع تصاعد التهديدات الأميركية مقترنة بعزلة دولية، بنت ايران نظام ردعٍ «غير تقليدي»، عماده الصواريخ البالستية والأسلحة المضادة للسفن و»الحرب الهجينة»، الى جانب جيشٍ تقليدي يستخدم ــــ أساساً ــــ الترسانة القديمة نفسها، مع ادخال تعديلات وتحديثات محلية بغية اطالة عمرها.

أمّا العلاقة العسكرية بين موسكو وطهران، فقد كانت مرآةً لتقلّبات السياسة الدولية: كانت ايران أحد أكبر مشتري الأسلحة الروسية في التسعينيات، فحدّثت جيشها بشكلٍ جزئي عبر غواصات روسية وطائرات ميغ ــــ 29 ودبابات تي ــــ 72 (تم تجميعها في ايران)، قبل أن تنخفض الوتيرة بعد عام 2000 والتقارب الروسي ــــ الأميركي، الذي كانت أحد شروطه تجميد التعاون العسكري مع ايران، ثمّ توقفت الصفقات بشكلٍ كامل بعد عام 2010 وفرض العقوبات الأممية (على الهامش: العلاقة العسكرية الأوثق، والأكثر حساسية، والتي قلّما يتم تسليط الضوء عليها، هي بين ايران والصين).

إن صحّت «لائحة الشراء» التي يتمّ تداولها، فهذا يعني أن طهران تنوي استغلال نافذة الفرصة القائمة لترميم قدرات جيشها في ثلاثة قطاعاتٍ أساسية، لم تتمكن طهران من سدّها بقدراتها الذاتية. في الجّوّ، السوخوي ــــ 30 اس ستكون الطائرة الرئيسية في سلاح الجو الايراني. وهي، لأنها تقدر على تأدية مهام القصف والتفوق الجوي والحرب الالكترونية في آن، مرشّحة لاستبدال كلّ الطرازات الأميركية التي ما زالت في الخدمة، والتقارير تقول بأن الايرانيين يطلبون انتاجاً مشتركاً للطائرة وأن يتمّ ترخيص نسخة ايرانية منها، كما جرى مع الهند والصين. أمّا الاس ــــ 400، فهو ينسجم مع استراتيجية ايران في التحسّب لهجومٍ بطائرات غربية حديثة عليها، سواء جاء من اميركا أم من «الجيران» الخليجيين؛ ومدى بعض صواريخ الاس ــــ 400 يسمح باستهداف طائرات الاستطلاع والقتال ما أن تقلع من مطاراتها على الضفة الغربية من الخليج. كما أنّ طهران، ثالثاً، تنوي تحديث سلاح المدرّعات في جيشها، وهي ترشّح دبابة تي ــــ 90 الروسية، غير أنّ المسؤولين الايرانيين أوضحوا أنهم غير مهتمين بشراء الدبابات كـ «سلعة تصدير»، بل يفضلون شراء خطوط الانتاج وتصنيع المدرّعة محليا.

اضافة الى سدّ الثغرات، فإن المشتريات الايرانية تعكس رغبةً في كسب قدراتٍ اضافية في مجال الصواريخ المضادة للسفن، حيث يجري تجاوز الجيل الحالي من الصواريخ الايرانية، الذي يرتكز على صاروخ c-802 الصيني (وهو، بدوره، نسخة مطورة عن «اكزوسيت» الفرنسي)، وحيازة نظام «باستيون» الحديث وصواريخ «اونيكس» التي تتسارع الى ثلاثة أضعاف سرعة الصوت قبل أن تضرب هدفها، وتعتبر ــــ حتى لو استخدمت فرادى ــــ تهديداً حقيقياً لأنظمة الدفاع التي تحيط بحاملات الطائرات الأميركية.

هذه الاتفاقات، إن حصلت، لا علاقة لها بصفقة الـ «اس ــــ 300» الشهيرة التي تعود الى عام 2008، والتي ــــ تقول «انترفاكس» ــــ سيبدأ تسليمها الى ايران اليوم، لتمتلك ايران للمرّة الأولى نظاماً فعالاً بعيد المدى، يشكّل خطراً على أي طائرة غربية. والروس قد يكونون مستعدّين أكثر من أيّ وقت آخر لمدّ العلاقات العسكرية مع ايران، فتصدير السلاح الروسي صار ضرورة لتمويل الأبحاث وانتاج أنظمةٍ جديدة، خاصة في ظلّ تناقص عائدات النفط والبرامج العسكرية الطموحة التي أطلقتها روسيا («اورال فاغون زافود» الشركة المصنّعة لـ «تي-90»، مثلاً، هي في حالة افلاس). فيما الغربيون يفسرون الصفقات على أنها دليلٌ على التقارب الاستراتيجي بين البلدين، لا يجب أن نغفل أهمية العامل الاقتصادي وسط حاجة روسيا وشركاتها الى العملة الصعبة. الأساس هو انّه، لو تحوّلت هذه التكهنات حول التعاون العسكري الى حقيقة، فإن ايران ستكون قد حازت، للمرة الأولى منذ انشاء الجمهورية الإسلامية، على شريكٍ عسكري «حقيقي»، يرفد جيشها وتقنياتها وأبحاثها، وهذا قد ينتج ــــ خلال السنوات المقبلة ــــ جيشاً ايرانياً بوجهٍ جديد.