Menu
حضارة

حين تخسر الإيمان

عامر محسن

في كلّ مرةٍ مدّ عربيّ يده فيها الى الغرب أو إسرائيل، أو صار موظفاً لدى وكلاء أميركا وأنظمتها ومنظماتها، أو «عبر» الى الضفة الأخرى (كما حصل مع نخب يسارية في التسعينيات)، كان في قلب هذا التحوّل قناعةٌ غير منطوقة لدى الفاعل ــ على المستوى الفردي والجماعي ــ بأنّه يجري «مقايضةً» بين شيءٍ وجدانيٍّ وغير مادي من ناحية، وبين غرضٍ ما: الرّفاه والمال السّهل، «أن نصير كسنغافورة ودبي»، أو، حتى، أن تقتصّ من عدوّك الداخلي وأن يحسم الغرب عنك ــ بضربةٍ واحدة ــ الحرب والمعركة.

هذه المقايضة، وشعور خيانة الذات الذي تنطوي عليه، هو ما يغطيه من يروّج لها عبر الإغراء المادي (كما فعل السادات مع الجمهور والنخب أيام كامب دايفيد) أو التبريرات عن «الضرورة» و»المصلحة» (مع أمثلة من التراث الديني إن اقتضى الأمر)، أو الاستثمار في الحقد ضد العدو القريب، والتنظير لـ»التحالف مع الشيطان» والتذاكي في السياسة وما الى ذلك من ألعاب اللغة. إن شئنا أن نعطي اسماً لما تخسره ــ أو تتخلى عنه ــ لحظة المقايضة، فهو، ببساطة، «إيمان»: الإيمان بقضية، بتحرير فلسطين، بالسيادة والعزّة، وبمبادئ وسرديات عن الوطنية والخيانة والأمّة، هي تراثك وماضيك.

لهذا السّبب، ينطلق التحوّل الأيديولوجي دوماً إمّا من «تطهرٍ»، يشبه التحوّل الديني، من هذه المبادئ والقيم، والتصريح بأنّ ما كنت تؤمن به (مقاومة، اشتراكية، عروبة، الخ) تبيّن أنّه «وهم» وشيءٌ سيئ للغاية، وأنّك رأيت الضوء والحقيقة في مكان آخر، وصرت إنساناً جديداً؛ أو من إعلان اليأس من هذه القيم والتعب من حملها وأنّك لم تعد تؤمن بجدوى النضال، وأن أحلامه صارت سراباً. من هنا، يمكن القول بأنّ أصل الشرور في مجتمعنا السياسي، وفي كلّ مجتمع، هو ليس «العمالة» و»الخيانة» والانتهازية، فكلّها أعراض، بل يبدأ الشرّ في فقدان الإيمان والقدرة عليه.

يجب، هنا، تحديد مفهوم «الإيمان»، وكيف يصير محرّكاً في السياسة والفلسفة والحياة الفردية؛ وقد يكون في نصٍّ قديم لسلافوي جيجك عن الإيمان والأصولية مدخلٌ مناسب لهذا التعريف (الأصولية هنا ليست دينية بالضرورة، ولا هي محصورة في بلادنا، يذكر الكاتب مثلاً أن خمسين في المئة من الشعب الأميركي يعتنق معتقدات مسيحية هي «أصولية» بأي مقياس). يقول جيجك إنّ هناك مشتركاً أساسياً بين الأصولي المتعصّب والملحد البورجوازي المتشكك الذي لا يؤمن بحقائق أو ثوابت، والتشابه يكمن في عدم قدرتهما على فعل الإيمان. الأصولي لا «يؤمن»، بل «يعرف»، إيمانه يقين وحقيقة هو يتّصل معها بشكلٍ مباشر (سواء كانت هذه الحقيقة «علمية» أو أيديولوجية أو دينية). هكذا يصبح المعتقد، وفق تعبير جيجك، «معرفة مباشرة»، لا تستلزم جهداً ولا يرقى اليها الشك، ويستحيل أن يكون هناك تعارضٌ بينها وبين العقل والمنطق والتاريخ. الأصولي يعتبر مبادئه حقائق قائمة، والملحد «ما بعد الحداثي» يسخر منها، ولكن الاثنين ــ يوضح جيجك ــ يعجزان عن القبول بالأساس الأوّلي لتجربة الإيمان، وهو لا يمكن أن يكون منطقياً أو عقلانياً أو جلياً.

يستخدم الفيلسوف السلوفيني مثالين لتوضيح الفكرة: أن تكتب الطفلة أنّا فرانك في مذكراتها (وهي محاصرة بأهوال الحرب العالمية الثانية، وأمستردام يحتلّها النازيون) أنّها «قد قرّرت أنّ في كلّ إنسانٍ شعلة من الخير» هو فعل إيمان، تحديداً لأن ذلك يتعارض مع تجربتها وكلّ ما اختبرته في حياتها ومع البشر الذين يحيطون بها؛ ولكنها قررت أن تصدّق هذه الفرضية على الرغم من ذلك. مفهوم «حقوق الإنسان»، كمثالٍ آخر، يمكن بسهولة تفكيك أسسه، أو إثبات أنّ البشر ليسوا متساوين في الحكمة والكرامة، يقول جيجك، ولكنّ هناك من «قرّر» أن حياة الناس يجب أن يكون لها نفس القيمة والاعتبار. لا يمكنك أن تؤمن بشيءٍ وأنت تراه أمامك، بل أنت تؤمن عبر قرارٍ لا يخضع للاستدلال والعقلانية والمصلحة من أجل قضيةٍ تحتل وجدانك، أو موقف أخلاقي، أو لصورة متخيَّلة عن عالمٍ أفضل. بهذا المعنى، الإيمان لا يتحوّل الى «معرفة»، ولا يخبرك ــ في ذاته ــ أمراً جديداً عن عالمك، بل هو يترجَم كـ»التزامٍ أخلاقي غير مشروط»، يكتب جيجك، وكطريقة حياة ووجود (بعبارات أخرى، الملحد «المتحرر من الحقيقة» كما الأصولي لا يسعيان الى صنع المعنى، فالأول لا يعتبره موجوداً أساساً، والثاني يراه حقيقةً محسومة ومقررة سلفاً، ويفهم العالم بأسره من خلالها: هذا الدين، هذا المذهب، هذه المدرسة بالتحديد، هنا الحقّ!).

بالمنطق نفسه، لا يمكن تبرير المبادئ التي ورثها جيلنا وتربى عليها ــ فلسطين، العروبة، العداء للغرب، العالم الثالث، أن المسلمين أمّة، الخ ــ على أنها حقائق، أو أن الواقع يدعمها، أو أنها حتمية و»علمية». بل هي ــ ضمن هذه التعريفات ــ قابلة للتفكيك وللتشكيك، ولن تصمد أمام تقلّبات الدنيا وخيباتها، أو في وجه إغراءٍ مادي وراتبٍ ومصلحة. هذه القيم هي، قبل أن تكون مشروعاً ونضالاً وحسابات، «فعل إيمان»؛ ولأنه لا توجد اليوم مؤسسات وأنظمة تفرض هذه الثوابت كـ»حقيقة» وتكرسها وتعيد إنتاجها ــ وهي ربما لم تكن موجودة يوماً، ولم تعش هذه المبادئ حقاً إلا في نفوس الناس في بلادنا ــ فلا يمكن أن تولد من جديد إلّا كإيمانٍ وفكرةٍ والتزامٍ أخلاقي.

الفالق اليوم يعبر جميع المعسكرات، علمانيين وإسلاميين ويساراً ويميناً، وهو ليس بين «خونة ووطنيين» أو «مبدئيين وانتهازيين» بل، أساساً، بين أناسٍ فقدوا إيمانهم، أو باعوه، أو استسلموا لعالمٍ بلا مثاليات، وبين من لا يزال قادراً على الإيمان والالتزام. جزءٌ مهمّ من الحرب الثقافية اليوم يدور هنا: معسكر أميركا والخليج، حين يشمت بموت محمد حسنين هيكل، ويلاحق جمال عبد الناصر بالحقد الى اليوم، ويشتم شهيداً كسمير القنطار، فهو يحارب على هذه الجبهة المعنوية، معنا ومع نفسه. انظروا الى وجههم الآخر، من يشتم سمير القنطار هو أيضاً من يرثي، بتأثّر وخشوع، رجلاً كزهران علّوش، وضع شعبه ــ حرفياً ــ في أقفاص، وقصف عاصمته وأهلها، ونظّر للإبادة الطائفية. هم، بهذه الخيارات، يعبّرون بأوضح صورةٍ عن تربيتهم، وعن شخصيتهم وأخلاقهم، ومُثلهم التي يتماهون معها، وعن الفارق بيننا وبينهم. القبح والانتهازية وعقائد الكراهية هي، قبل أي شيء آخر، عوارض تصيب من جار عليه القدر وأضاع إيمانه، فصار مسكيناً بلا مبادئ ولا مُثل ولا جَمال.