على مدار الساعة
أخبار » آراء

شهداء الصمت

21 آب / فبراير 2016
شهداء
شهداء

غزة تلتحف السماء، سماء تمطر غضباً لها وعليها، وتفترش أرضاً مزروعة بالركام والرماد، وبقايا جثث لأولادها الطيبين ممن أجهزت عليهم طائرات العدو الصهيوني في عدوانه المستمر والذي لم يتوقف للحظة.

في غزة الممسكة بأحلامها بالعودة، المنشدة لنوار مقاومة يشتد عودها لترسم طريق الحرية بأرض سرقها الانقسام الأسود وعسكر في ذاكرتها الخوف قبل أن تجهز عليها عصابات تربت في أحضانها لتحول معاناة الناس لتجارة رخيصة يجنون منها بضع دولارات هنا، أو كراسي لوزارة هناك، وجواز سفر دبلوماسي موسوم بدماء الناس ومعاناتهم هنا وهناك، أو بطاقات (vip) داست فيها على  صدور الغلابة.

هذا الانقسام الغبي الذي سكن تفاصيل حياتنا اليومية ولغتنا المتداولة كوباء مزمن يرفض الخروج، ويتغذى على أزمات يومية كبرت شيئاً فشيئاً  لتحول غزه لمقبرة جماعية تتربص بضحاياها في كل زاوية من زوايا الحياة بغزة.

وجه الحياة شاحب يحمل على قسامته تعاسة العصر وغباء البشرية، يصطف في عينيها طابور من عناوين العذابات اليومية، جسدها لم يعد قادراً على المقاومة وكأنه خرج لتوه من حفر الموت.

المواطن بغزة لا يملك أكثر من عشقه لأرضه وخيباته المتتالية من ساسته التي ظل يداري بها حزناً دفيناً حال شبابها اليوم الذي يتساءل هل نحن نعيش حتى نخاف أن نخسر الحياة؟ أو أي شيء آخر؟!.

لقد درسنا حتى خرجت الكلمات والمعادلات والأرقام والرموز من أذنينا وأعيننا، لم نتأخر يوماً في تقديم عظامنا كمتراس  أمام كل تعدِ على الوطن، وها نحن نجد أنفسنا عاجزين، عن الزواج بمن نحب؟ عاجزون على أن نجد عملاً نعيش منه أو حتى أي عمل يكفينا كفاف عيشنا، ويحفظ كرامتنا بعيداً عن مد اليد.

موتنا لا يؤذي المدينة ولا يكلفها أي خسارة هكذا يقول تجار الساسة بعدما امتهنوا الدين والسياسة والثورة مصدر للاسترزاق والتعيين .. نحن نغادر اليوم متأثرين بجراح صمتكم بعد أن قررتم الاختباء وراء متراس الصمت والقهر.

فجيعتنا تتعدى حدود غزة ومعابرها التي تحولّت بوابات لسجن جماعي يُحتجز به ما يقارب المليونين بشري محاصرون برماد بيوتهم وأوجاع جراحهم، وآمال رسمتها دماء الشهداء فعلقها الساسة على أعواد المشانق الحزبية، وأحلام أحرقوها بوقود انقسامهم الأسود.

الأرض التي حلمنا بها وحملناها عشقاً سُرقت بانقلابين، الأول على يد ثوار غادروا خنادقهم قبل أن تختمر معركة التحرير لسلطة قدمها لهم العدو على الورق فأخذتهم العزة بالاثم فأوغلوا قمعاً وقهراً لكل من خالفهم الرأي، سرقوا منا انتفاضتنا الكبرى

قلنا وقتها خدعوا رفاق السلاح، أفسدتهم السلطة، لم يتعلموا كيف يديرون كفة الوطن، لكنهم بالحقيقة انقلبوا على المشروع الوطني، ومؤسساته الوطنية، ارتهنوا القرار الفلسطيني لصالح تجارة رخيصة لم تعود عليهم سوى بالذل والمهانة، وهبات  تحولت للعنة تطاردهم فساداً وإفساداً في كل مناحي الحياة، سامحناهم وحاولنا استعادتهم إلى خنادق الثورة في انتفاضة الأقصى، وكان يجب علينا أن نحاربهم ونسوقهم للمحاكم الثورية.

مرة أخرى أجهزوا وانقلبوا على انتفاضة الأقصى، وعوضوها بشئ لا ملامح له مطلقاً؛ بل ازدادوا تشوهاً عن ذاك الذي سبقه، فكانت الانتخابات بديلاً عن الاستمرار بالانتفاضة حتى جلاء الاحتلال، واستبدلنا أحلام ووصايا الشهداء بكراس التشريعي، وحكومات تصارع عليها النواب خارج أبواب مجلسهم، فتقاسموا البلاد وحلوا بالعباد.

بصوت هادر غائر كجرحنا كان يشرح الوالد قضية ولده وعذاباته عن كتلة بشرية تجاوزت حدود وقدرة الوحدة السكنية التي يقطنها، متحدثاً بألم محملاً القيادة أوجاع جيل مضى ومأساة وأحلام جيل قادم، خرجنا تطاردنا الأسئلة كأشباح ليل، وجنون الأزقة المقفرة .. متى سيُقبض على قتلة هذا الجيل؟!

  • على هامش زيارة وفد قيادي لعدد من الأسر في محافظة خان يونس 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

محمود الراس

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر