Menu
حضارة

كم ثمنك اليوم؟

عامر محسن

المسؤول الحقيقي عن «الإشكال» القائم اليوم بين لبنان و السعودية هو سعد الحريري. بعيداً عن الحجج الواهية والإدعاء بأن الغضب السعودي سببه تصويتٌ على قرارٍ بلا معنى في ما كان يسمّى بـ «جامعة الدول العربية» (والخارجية اللبنانية امتنعت عن التصويت، ولم تقف حتى ضد القرار!)، فإن المشكلة الفعليّة لدى السعوديين، وهم يعبّرون عنها بوضوح عبر الإعلام والنخب، هي ما يمكن أن نسمّيه بلغة الأعمال والإقتصاد «مشكلة عائد على الإستثمار».

هم يقولون: لقد دفعنا في لبنان، على مدى السنين، الكثير من المال السياسي؛ مليارات الدولار أُنفقت في بلدٍ صغير يتّسع كلّه في ناحية من نواحي القاهرة. ولم نحصد، مقابل كلّ هذا الإستثمار، الّا تراجعاً للنفوذ السعودي وضعفاً متزايداً للفريق الذي يمثّلنا (وهي شكوى فيها، صراحةً، الكثير من الوجاهة). بمعنى آخر، لو كان لدى سعد الحريري، والمعسكر السعودي في لبنان، الحدّ الأدنى من الحصافة السياسية، والقدرة على بناء النفوذ وكسب الأصدقاء وإقامة الأحلاف، أو حتّى غريزة بقاء سليمة ــــ وهي تولد معك، ولا تحتاج الى موهبة وذكاء ــــ لما كنّا نقف هنا اليوم.
هي، اذاً، مشكلة محصورةٌ بين النظام السعودي ووكلائه في لبنان، الذين تلقّوا سخاءه وفشلوا في تمثيل مصالحه، ولا علاقة لنا بها؛ ولكن أن يُطلب منّا، نحن من لم يجنّدنا المشروع السعودي، ونراه موجّهاً ضدّ كل ما هو جيّد على أرضنا، ولا يحبنا ولا نحبّه، أن نطيّب خاطرهم لأنهم فشلوا في شرائنا واستعبادنا فهذا، ببساطة، يجافي المنطق. إن كان النظام السعودي يعتبر أنّ تدخّله السياسي في لبنان ــــ من نوع تمويل الحرب الأهلية وإطالة أمدها، وشراء الإنتخابات أيام السلم، ورشوة السياسيين والنخب، والوقوف خلف كلّ مشروعٍ أميركي مرّ على البلد ــــ يستوجب من الشعب اللبناني عامّةً شكراً ووفاءً، فهو يأخذ، بهذا، الخطوة الأولى على طريق الضلال. ونظرية أن المساعدات والهبات والقروض تنضوي على عقدٍ غير مكتوب مع مواطني البلد المتلقّي بـ «الإمتنان الجماعي» والرضوخ السياسي، فهذا لا يستوي الّا في العالم النرجسي الذي يسكنونه (وأكثر هذه الهبات يُعلن عنه، ونستعجل في وضع لافتات الشكر في شوارعنا، ولا تصل؛ منذ أن التزمت الرياض ــــ في لحظة كرمٍ نادرة عام 1993 ــــ بدفع ما يقارب النصف مليار دولار لدعم الجنوب اللبناني خلال حرب إسرائيلية عليه. وما زلنا، بالمناسبة، ننتظرها). حكومتنا اللبنانية، بصراحة، قد بنت تقليداً عريقاً بتسوّل المساعدات من كلّ من يدفع، من «يو اس ايد» الى الدولة اليابانية؛ ولو صار لزاماً علينا أن نسلّم سياستنا الخارجية الى كلّ من منّ علينا يوماً بهبةٍ أو قرض، وأن نطيع تعاليمه، فهذا ــــ حسابياً ومنطقياً ــــ مستحيل التحقيق.
هناك مشكلة جوهرية في الطريقة التي يقارب بها النظام السعودي ورجاله المسألة اللبنانية. منطقهم يقوم، كلّه، على معادلة بسيطة تتكرّر: دفعنا مالاً ولم نحصل على هيمنة («وفاء»، «ولاء»، «شكر»، أو أي تورية أخرى). هذه النظرة المادية البحتة الى العلاقة قد تنطبق على تعامل هؤلاء مع موظّفيهم وخدمهم، ولكن لا مكان لها في العلاقات الدولية. في السياسة وفي التعامل بين الدّول، «الوقوف الى جانب لبنان» و»احتضانه» يُقاس في المواقف الحاسمة والمفصلية، كما حين اجتاحت اسرائيل لبنان ودمّرت عاصمته عام 1982، أو خلال حرب 2006، حين كان المسؤولون السعوديون (للمرّة الأولى علناً) الى الجانب الاسرائيلي في حربٍ ضد مقاومة عربية؛ وقد فتحت الرياض، هي وإعلامها ووكلاؤها المحليون، حرباً على المقاومة مستمرّة من يومها. حياة أبنائنا وقضايانا الكبرى هي أهمّ، بما لا يُقاس، من مئة مليون دولار أو وديعةٍ في المصرف المركزي؛ ومن يساندنا في هذه المفاصل التاريخية هو من يستحقّ الشكر والوفاء، ونتذكّر من خان وتآمر.
ما نحاول قوله، باختصار، هو أننا لا نملك أوهاماً حول «السيادة اللبنانية»، أو استقلالية النخب الحاكمة ووطنيتها، وقدرتها على بناء سياسة خارجية حقيقية، أو ــــ حتى ــــ أن تدافع عن المواطنين اللبنانيين في الخارج، وأن تحفظ كراماتهم وحقوقهم وتحميهم من التمييز الطائفي (تخيّلوا لو أن بلداً قرّر أن يميّز ضد الأميركيين السود). بل أنّ وزيراً لبنانياً كنهاد المشنوق يزايد على السعوديين في اجراءاتهم، ويقول إنّ قرار سحب هبة الجيش اللبناني «جاء متأخراً» (أن يقف وزيرٌ مع حكومةٍ أجنبية ضد حكومته وجيشه، اين يحصل مثل هذا؟). ولكنّ هذا «النأي بالنفس»، الذي لا يعجب آل سعود، هو أقصى ما يمكن أن يتوقّعوه من حكومتنا في الميدان العملي. تاريخياً، كان اليمين الرجعي في لبنان هو من يروّج لسياسات «النأي بالنفس» عن قضايا المنطقة، والحياد في موضوع فلسطين؛ واليوم صارت «القوات اللبنانية» على رأس من يطالب بأن يحارب لبنان، تحت قيادة السعودية، على جبهات «العروبة» ــــ وهم يعرفون جيّداً أن هذا لن يحصل.
من الطّبيعي أن يحيي المستفيدون من المال السعودي، اليوم، كرنفال الجثو أمام المملكة والمدائح وفروض الطاعة، ونحن لا نلومهم، فهم يحاربون من أجل رواتبهم ورزقهم؛ أقصى ما يمكن أن نطلبه منهم هو الكفّ عن التكلّم باسم الشعب اللبناني. لو كان لبنان بلداً حقيقياً، وله سياسة وطنية تخضع للعقلانية والمبادىء والمصلحة العامة، لما كان هناك «نأي بالنفس». هذا صحيح. لبنان كان سيتّخذ مواقف حقيقية من الدول التي دعمت، بكلّ شراسة واستخفاف بحياتنا، حروباً اسرائيلية قتلت عشرات الآلاف من أبنائه (وأوّلها الولايات المتحدة)؛ لبنان كان سيقف، فعلاً ورسميًاً، مع اخوانه في سوريا والعراق وفلسطين، كما يجب، ويصير صوتاً لهم في الخارج وقوّة لهم في المنطقة؛ ولبنان، بتركيبته الداخلية وتاريخه، كان مرشّحاً مثالياً لأن يصبح أوّل الدول التي تحظر الوهابية بقانون. هذا ايضاً لن يحصل، وقد قبلنا بقدرنا وبحدود نظامنا السياسي، وتعلّمنا أن ندافع عن أنفسنا بوسائل أخرى. كلّ ما نتمنّاه على النظام السعودي، طالما أنّه يقارب الأمر من زاوية ماليّة، هو أن يفهم قيمة ما اشتراه: بيانات تزلّف من حكومة عاجزة، مهرجانات مديح ولافتات، ورجالات وكتّاب ونخب دُفع ثمنهم وهم اليوم يؤدّون مقابل ما دُفع. ما خلا ذلك من مطالب، كأن يقف لبنان ضد مقاومته، أو أن نصطفّ مع السعودية في حروبها الظالمة، أو أن نكفّ عن توصيفهم كما هم وإدانتهم على ما يفعلون، فهي أمورٌ لا تُشرى بالمال، ولم يبعها لهم أحد.