Menu
حضارة

"القيق".. بطولة تعيد طرح السؤال السياسي

علي جرادات

مضى 92 يوماً على إضرابه المفتوح عن الطعام. باتت روحه معلقة بخيط رفيع بين الحياة والموت. لكن المعتقل الإداري محمد القيق، بإرادة فولاذية، وعنفوان نادر، ما زال صامداً، ثابتاً على موقفه، "الحرية أو الشهادة". إننا أمام مناضل يصنع بطولة تتاخم الأسطورة. مناضل، كأنه جيش في رجل، يخوض معركته حتى آخر نبض ليهزم "دولة" احتلال فاشية، ما يعيد طرح السؤال السياسي : لماذا يلجأ القيق، ومناضلون آخرون في سجون الاحتلال وميادين الانتفاضة إلى الشكل الفردي للمقاومة؟!! إذا ما أردنا الحقيقة فلنقل: مع خفوت الانتفاضة "الثانية"، وعودة المفاوضات كخيار لإدارة الصراع مع الاحتلال، وتدحرج الخلافات الداخلية إلى هاوية انقسام وتقاسم "السلطة"، تراجعت، بدرجة كبيرة، الأشكال الجماعية المنظَّمة الموحَّدة لمقاومة الاحتلال، وتقدمت أشكالها العفوية، المناطقية، الفصائلية، والفردية.
 
   لكن ثمة كُثر ينسون أو يتناسون هذه الحقيقة، ويتسلحون ببداهة أن النضال الجماعي المنظَّم الموحَّد أجدى، لا لتجاوز السبب الفعلي لتراجعه، ولكن لتوجيه النقد، ضمنا أو صراحة، لصناع البطولات الفردية، المنظم منها وغير المنظم، في ميادين الانتفاضة وسجون الاحتلال. وكأن صناع هذه البطولات السبب، لا النتيجة، لتراجع النضال الجماعي المنظم والموحد!!! أو كأنهم ليسوا شباناً وشابات انبروا لمقاومة الاحتلال وبطشه المتصاعد لحدود الفاشية الصريحة، بعدما فقدوا الثقة بوعود إعادة توحيد الصف الوطني على اسس وطنية وديمقراطية، كشرط لا مناص منه، لتطوير الكفاح الشعبي الميداني إلى خيار سياسي بقيادة وأهداف وطنية موحدة ومحددة.
 
   بذلك، وعليه، لا يجوز أن يُنتقد صناع هذه البطولات، لأنهم تقدموا الصفوف، قبل انفجار الانتفاضة المستمرة، وبعد اندلاعها، لاجتراح خيار بديل على طريقة مَن يحفر الصخر بالأظفر، ويتجاوز "تشاؤم العقل" بـ"تفاؤل الإرادة"، كي يجعل الصعب سهلاً، والحلم إنجازاً، والخيال واقعاً، والقول فعلاً، والأمنية حقيقة، والاستثناء قاعدة. إن المناضلين الذين يسطرون هذه البطولات، هم، بمعزل عن سنهم، حزبهم، وفكرهم، نماذج فلسطينية تحتذى، بوصفهم الفعل الذي يصنع المنابر، والطلائع، وحراس القيم الوطنية، الذين يستلهمون، قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم، خبرة، ودروس، تجربة شعبنا النضالية المديدة، منذ بدء الغزوة الصهيونية، ونشوء الحركة الوطنية الفلسطينية في عشرينيات القرن الماضي. وبإصرارهم على نيل "الحرية أو الشهادة"، إنما "يحاصرون حصارهم"، نموذجهم في ذلك جدهم الشيخ الشهيد القائد عز الدين القسام، حين رفض، في العام 1935، الاستسلام للحصار، وصاح في رفاقه: "أن موتوا شهداء"، وجدهم القائد الوطني الشهيد عبد القادر الحسيني، حين رفض، في العام 1948، أوامر وقْف القتال، وواصل، رغم اختلال ميزان القوى وخذلان الرجعيات العربية، معركة القسطل البطولية حتى استشهد، واثقاً بشعبه، حيث قال ما أصبح نبوءة: "سيقاتل الشعب الفلسطيني، جيلاً بعد جيل، حتى تحرير فلسطين".
 
   وبقدر ما يتعلق الأمر بالبطولات الفردية داخل السجون، فلنقل: لئن كان من التعسف اختزال البطولة الجماعية للأسرى الفلسطينيين في بطولة أفراد، فإن الانصاف يقتضي التنويه بصناع بطولات نادرة، ذلك منذ تسابق، في العام 1929، الأسرى محمد جمجوم، عطا الزير، وفؤاد حجازي على حبل المشنقة. وعلى درب هؤلاء الأجداد والقادة العظام، سار، في مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة، مناضلون وقادة أسرى استثنائيين كثر، نذكر منهم، ( للتدليل لا الحصر)، الشهيد القائد الأسير عبد القادر أبو الفحم الذي رفض، في العام 1970، رغم جراحه المميتة، رجاء زملائه بعدم مشاركتهم إضرابهم المفتوح عن الطعام، بالقول:"لا تأخذوا كل الشرف...أعطوني نصيبي منه"، ليكون أول شهداء الإضرابات المفتوحة عن الطعام في سجون الاحتلال. والشهيد القائد الأسير محمد الخواجا الذي رفض، في العام 1976، مساومة: علاج جرح معدته مقابل الاعتراف في أقبية التحقيق، وظل صامداً حتى استشهد. والشهيد القائد عمر القاسم الذي اقتادوه من سجنه، في العام 1974، ليطلب من رفاقه، مجموعة "عملية ترشيحا" الفدائية، إلقاء سلاحهم، لكنه خاطبهم بالقول: "أيها الرفاق نفذوا ما جئتم من أجله"، فعاقبه قادة الاحتلال بحذف اسمه من قائمة المُحررين في صفقة تبادل الأسرى، عام 1985، ليبقى في السجن، حتى قضى شهيداً في العام 1989. والشهيد القائد الأسير إبراهيم الراعي الذي رفض، في العام 1982، الإفراج عنه بطلب من "روابط القرى" حيث تقدم صفوف زملائه المُفرج عنهم، وخاطب وسائل الإعلام الإسرائيلية المنتظرة عند بوابات السجن، بالقول: "من ناحيتي لا يشرفني الإفراج عني بطلب من حركة سياسية مرتبطة بالاحتلال.... منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا....أعيدوني إلى السجن"، فأعادوه، ليغتالوه لاحقاً، في العام 1988، داخل أقبية التحقيق.
 
   وفي السنوات الأخيرة، سطر كل من خضر عدنان، سامر العيساوي، محمد عليان، نضال أبو عكر، وغسان زواهرة، بطولات نادرة، وهزموا، بأمعائهم الخاوية، وانتزع كل واحد منهم حريته. وعلى درب هؤلاء جميعاً، يسير الأسير البطل محمد القيق، ببطولة نادرة، تكاد تعانق عنان السماء. هذا يعني أن فاشية تنكيل الاحتلال بالأسير محمد القيق، إنما تفتح ملف الأسرى، كقضية متعددة الأوجه، وتاريخ نضالي مديد، وبطولة وطنية أسطورية، ومعاناة انسانية مريرة، وهموماً متشعبة يصعب حصرها، ما يجعل كل تضامنٍ مع الأسير محمد القيق، ناقصاً، إن هو لم يندرج في إطار إعادة تأصيل قضية الأسرى، بوصفهم نتيجة حتمية، وضريبة لا مناص منها، ورمز شامخ، لقضية شعبنا ونضاله الوطني لاسترداد حقوقه في الحرية والاستقلال والعودة، ما يعني أن تحريرهم، أو انتزاع معاملتهم كأسرى حرب، أو حتى تحسين شروط اعتقالهم، مسألة نضالية، توجب التحرك الوطني، بصورة إستراتيجية لا تكتيكية، دائمة لا موسمية، واعية مخططة مبادرة، لا ردة فعل على تصعيد التنكيل بهم جميعاً، أو بواحد منهم، كما يحصل اليوم، مع المناضل البطل محمد القيق، بشكل يفوق كل تصور، ويتجاوز كل حدود.
 
   ويعني، أيضاً، أن الأسرى ليسوا فرعاً ملحقاً بأصله الحركة الوطنية الفلسطينية، بل فرع شريك له حقوق، استحقاقات، ومقتضيات وطنية، يتوجب تلبيتها، بالوسائل والمعاني كافة. إذ لئن كان من التعسف اختزال ملحمة النضال الوطني الفلسطيني في تجربة الحركة الوطنية الأسيرة، فإن من غير الانصاف نسيان أو تناسي خصوصية، وفرادة، تجربة الأسرى، وطليعية دورهم، وجوهرية مساهمتهم، في الكفاح الوطني. فالأسرى يحتلون خندقاً متقدماً للمقاومة، والدفاع عنها، ثقافة وبنية وخياراً، ويخوضون اشتباكاً دائماً، يومياً، مباشراً، وتفصيلياً، مع أكثر أجهزة الاحتلال، الأمنية والإدارية، فاشية وسادية وعنصرية. اشتباك في جوفه ما لا يُحصى من صور المعاناة والبطولة الحسية، لا يعيها، فما بالك أن يتحسسها، إلا الذين ذاقوها لسنوات أو لعقود، وظلوا أنقياء جامحين مقتحمين شامخين، صارت بطولاتهم- قبل كلماتهم- محركاً لجماهير شعبنا في الوطن والشتات.