Menu
حضارة

التاجر حين يمتشق سيفاً

عامر محسن

حين قرّر ابن سعود، في أواخر عشرينيات القرن الماضي، حلّ «جيش الإخوان» وانهاء الحركة الوهابية المسلّحة ــــ واغتيال قادتها وسجنهم ــــ، فهو كان يأخذ قراراً واعياً بالقطع مع مرحلة التوسّع العسكري والالتفات الى بناء الدولة في الداخل.

حين قضى الملك على الجناح المسلّح في الحركة الوهابية، وهو كان مؤلّفاً من عقائديين «مهاجرين»، على استعداد للقتال بشكلٍ دائم وفي أي مكان، فقد كان يعلم أنّه يتنازل، طوعاً، عن امكانية التدخل المباشر في الإقليم، أو استكمال الغزوات الخارجية، أو حتى الدفاع عن النفس في وجه قوة كبرى. صار الإعتماد على الحماية البريطانية (وبعدها اميركا) هو أساس «السياسة الدفاعية»، فيما الجيش والقوى المسلّحة موجّهة أساساً الى الداخل؛ ومن درس بنية «الجيش» السعودي الحديث، وهو مكوّن فعلياً من عدّة جيوش توازن بعضها بعضاً، يعرف انّه مصمّم لحماية النظام والعائلة المالكة ومنع الانقلابات، لا ليشكّل وحدة قتال فعّالة.

منذ عهد «الإخوان» وكوفياتهم البيضاء، وغزواتهم التي كانت ترعب العراق والشام، تغيّر الكثير في السعودية: صار البلد مملكة وظهر البترول، ترسّخت سلطة النخبة النجدية وضعفت الطبقات التجارية القديمة في الحجاز وغيره، وفارق أهل الجزيرة البداوة والسلاح وأصبحوا أكثر المجتمعات مدينية ــــ وانضباطاً وطاعة لحكامه ــــ في المنطقة. أدوات النظام السعودي في الخارج، منذ الخمسينيات، اقتصرت على النفوذ المالي وشراء الحلفاء، والحروب بالوكالة أو تحت جناح قوةٍ غربية ــــ وقد برع ابناء سعود في هذا الإطار، واستدام حكمهم، وأرهقوا خصومهم. غير أنّ أحداً من الملوك السعوديين لم تكن لديه أوهامٌ حول قدرة جيشه، أو طموحاتٍ بأمجاد عسكرية وحملات خارجية، الى اليوم؛ والنتيجة تبدو مأسوية ومضحكة في آن.

أحد المثقفين الذين ينطقون باسم النظام السعودي وأحد وجوهه في الغرب، نواف عبيد، وهو ممن ينظّرون لهذه الاستراتيجية التدخلية، يبدو أنّه قد قرأ عن خطّة «شليفين» (التي وضعتها القيادة الالمانية لاحتمال الحرب ضد فرنسا وروسيا في وقتٍ واحد) مؤخّراً، فصار يستعملها كتشبيه لمقاربة السياسة العسكرية السعودية في كل مناسبة، وبالعربية والانكليزية. لا نعرف مدى الحكمة من استيحاء الاستراتيجية العسكرية الالمانية خلال الحربين العالميتين مثالاً، ولكننا نعرف أن خطّة «شليفين» كانت تقوم على إخراج فرنسا من الحرب في أقصر وقتٍ ممكن، ثمّ تعبئة الموارد الألمانية للتفرّغ للجبهة الروسية (التي كانت تعتبر الأصعب، نظراً للحجم الجغرافي والديمغرافي للبلد، وقدرته على خوض حربٍ طويلة)، فأين «فرنسا» واين «روسيا» في هذا السيناريو؟ هل الحرب السعودية «الخاطفة» هي تلك التي تجري في اليمن، منذ سنة وأكثر؟ أم أنهم يعتقدون أن حملةً لقواتهم في سوريا والعراق ستكون سريعةً وسهلة؟

في الموضوع اللبناني، كانت لعبيد نظرية بسيطة: استئصال «حزب الله» (لأن الجيش السعودي أقوى وأقدر من الجيش الاسرائيلي). لا نعرف إن كانت المسألة «تمويهاً» أو محاولة لصرف الإهتمام عن هزائم في أماكن أخرى، ولكن الرياض قد قررت، على ما يبدو، أن تترك النزاعات التي أشعلتها في سوريا والعراق، وأن تتناسى الحرب التي وصلت الى أرضها في عسير ونجران، وأن تركّز على كسب لبنان؛ وهو بلدٌ، على قلّة أهميته، يعرف أبناؤه قبل الأجانب أنه غير قابلٍ للحكم أو للهيمنة، وقد يئست القوى اللبنانية نفسها من فكرة الإنفراد بالمُلك فيه أو حكمه وفق برنامج (اذ يكفي أن تصعد قوة سياسية أو طائفية حتى تتكتّل باقي الطوائف ضدها، وتمنعها من ممارسة الحكم؛ وما أن تقرر طائفة «رئيسية» مقاطعة النظام حتى يتجمّد عمله فورا).

ولكن، قبل لبنان والخطط العسكرية السعودية لإحتلال المشرق وايران، قد يكون في حرب اليمن ــــ أوّل «حرب خارجية» للسعودية منذ الثلاثينيات ــــ نموذجاً مفيداً لفهم اداء السعودية وقدراتها في الحرب، وحالةً واقعية مادّية، أصدق من شعارات الإعلام ومقالات التهديد. بعد سنةٍ من الحرب وخمسين ألف غارة، اين صار المشروع السعودي في اليمن؟ أهمّ ما في الوثائقي الذي بثّته قناة «بي بي سي» مؤخّراً عن تعز لم يكن توثيق اشتراك «القاعدة» في القتال الى جانب «التحالف» و»المقاومة»، فهذا معروفٌ منذ زمن؛ «الفضيحة» الحقيقية كانت في الصورة التي نقلتها الكاميرا عن المعسكر السعودي: تجمّع لجنودٍ سودانيين في معسكر، قربهم مقاتلون من «القاعدة»، وفي مكان آخر عناصر حزب الإصلاح، يأمرهم ويحاضر فيهم ضباط خليجيون.

حتّى نفهم طبيعة عمل السعودية وحربها في اليمن، قد يفيد استعراض عام للجبهات: اضافة الى تعز، حيث يختلط مقاتلو التحالف مع المرتزقة الأجانب والقاعدة والإصلاح، نجد أنه في الشمال الغربي، عند ميناء ميدي على الحدود السعودية، يقود القوات الموالية لـ «التحالف» اللواء علي محسن (الأخ غير الشقيق لعلي عبد الله صالح، وأحد أبرز رموز النظام السابق، وقد تم تعيينه أخيراً نائباً لقائد القوات المسلحة). وفي مأرب هاشم الأحمر، سليل العائلة التي تمثل، تاريخياً، مصالح السعودية في البلد. بينما، في باب المندب وذُباب، القوات اماراتية ترفدها عناصر أجنبية من شركات أمنية خاصة ووحدات تتبع لهادي تسمّي نفسها «الجيش الوطني»، من بينها لواء أسمى نفسه «لواء زايد» (تخيّلوا الذلّ!). أمّا في الجنوب، فقد أتمت «القاعدة» سيطرتها على زنجبار، عاصمة أبين، وعلى عاصمة لحج، وأضحت ــــ مع حضرموت والمكلّا ــــ تهيمن على أكثر «اليمن الجنوبي» وساحله وتنتظر، ببساطة، خروج الخليجيين حتى تمسك بعدن.

مشكلة السعوديين هي أنّ نقاط قوّتهم التاريخية، التي سمحت لهم بالهيمنة على الإعلام وشراء النخب وإشعال الحروب وإدارتها، لا قيمة لها في الحرب المباشرة. مشكلتهم هي أن جنودهم ووكلاءهم، من الحدود السعودية الى لبنان وسوريا واليمن، يخضعون جميعاً لمعادلة صاغها تشي غيفارا عام 1958 خلال الثورة الكوبية، وهي تقول: «إن جندي العدو الذي أمامنا … هو الشريك الأصغر للطاغية. هو الرجل الذي ينال القطعة الأخيرة من الفتات التي خلّفها طابورٌ طويلٌ من المستفيدين، يبدأ بوول ستريت وينتهي عنده. هو على استعداد للدفاع عن امتيازاته، ولكنه مستعد للدفاع عنها فقط بدرجة أهميتها بالنسبة اليه: راتبه وتقاعده قد يستحقّان بعض المعاناة وبعض الخطر، ولكنهما لا يستحقّان، في أي حالة من الحالات، أن يبذل حياته من أجلهما. وحين تصير حياته هي ثمن الحفاظ على هذه المكاسب، يصبح من الأفضل له أن يتخلى عنها».