على مدار الساعة
أخبار » آراء

جواز مرور للحقيقة

05 كانون ثاني / مارس 2016
النايف
النايف

جواز مرور للحقيقة، هكذا أرادها عمر عندما لم يجد شيئاً يندفع به لقتال أعدائه وأعداء شعبه، سوى الشهادة.

امتشق عمر شهادته وتقدم الصفوف جاعلاً من جسده متراساً بوجه عصابات التنسيق الأمني ومافيا الفساد المالي والإداري، عمر يا سادة أشعل النار في خرابنا ومدننا التي حولناها لمقابر يكسوها الصمت، علّه يقينا شر التلوث بعدما خاف أن يتسلل لنا العفن بعد أن أحاطت بنا قوارض وقاذورات المرحلة.

اختار أن يسبح ضد التيار، أراد أن يكون مقامه في مواجهة تلك الخيانات، فرغم معرفته بأحوال السفارات الفلسطينية حول العالم لجأ لسفارة فلسطين ببلغاريا علّه بدمائه يكشف المستور ويهزّ الوعي الفلسطيني، وهو ينشد شهادة تكون ربيعاً للمقاومة في فلسطين، وطوق نجاة للجاليات الفلسطينية حول العالم من مرتزقة ارتهنوا مقومات الشعب الفلسطيني ومقدراته، وأخذوا سفاراته التي جاءت بتضحيات الشهداء رهينةً ليحوّلوها أوكاراً تطارد المناضلين وتقدّم الحماية والرعاية لكل ديدان الأرض من مطبعين وتجار ومشبوهين.

أراد النايف أن يغسل بدمائه ساحات تلك السفارات من دنس العابثين والمنسقين، أراد أن يكسر سلاسل التنسيق الأمني متداخلاً في أوكارهم أكثر، ليرد على تلك الجرائم والخيبات التي جلبها رموز الفساد والتنسيق في ممثليات فلسطين بعدما ارتهنها هؤلاء لأجندتهم ورغباتهم وشهواتهم.

على مدار أكثر من سبعين يوم وعمر ممسك بمبادئه وقيمه، رافضاً إلا أن يكون حراً ومناضلاً كما عهدناه، ورغم الهوان الذي وصل له حالنا ونحن نبرر سلوك هذا السفير أو ذاك من طاقم السفارة تجاهه، بقي ممسكاً ومصراً على إدانتنا بنفس الهدف الذي امتشق سكينه لأجله في العام 1986م، ألا وهو حرية وسيادة الوطن.

رفض الهرب أو التهريب، وكل محاولات الانتقاص من عدالة قضيته، أشعل النار في ضميرنا الوطني بعدما حولناه لمقابر من الصمت علّه يعيد لنا الوعي بعدما فقدناه لسنوات طويلة، علّنا نسمي الأمور بمسمياتها كي لا نعطي هؤلاء جواز مرور لجريمة جديدة بحق الوطن والمواطن، ونكف عن ممارسة النفاق السياسي، هذا السلوك الذي لم ولن يجلب لنا سوى مزيداً من النكسات والفجائع، وأفسد حياتنا السياسية، فلا مبرر لتسمية خيانة فلسطين ومناضليها بمسميات أخرى مهما كانت مبررات ذلك، فالتنسيق الأمني خيانة وتسليم المقاتلين خيانة، وتبادل المعلومات مع العدو خيانة والتجرؤ على دماء المناضلين خيانة، وإفشاء أسرار المقاومة خيانة، لا يمكن لأي مبررات أو اتفاقات ومعتقدات سياسية أن تغير مسمياتها، فمهما حاولت تجزئة القضية وتحويلها لمجموعة قضايا لن تستطيعوا الهرب.

على يد من كانت الجريمة على يد مجرمين من الأخوة أو مجرمين من الأعداء لن تستطيعوا تسويق جرائمكم بحق الشهيد عمر بتسميات أخرى غير الجريمة، فلا التقصير ولا الصمت ولا الإهمال والتبرير سيعفيكم من جرمكم المشهود، بل كلها أدلة كافية لإدانتكم بل لإدانتنا جميعاً، نعم فقد أرادها عمر، أن يجعل من شهادته رمزاً للحقيقة، فليس هناك من أنصاف حلول ولا وجود لأنصاف خيانة أو نصف جريمة، كما لا وجود للوسطية بين النضال والخيانة، وعلينا أن نغادر حساباتنا الخاطئة، جميعنا كنا صغاراً أمام دماء النايف، أمام هامة عمر، واقفاً عرفناه، مقاتلاً غادر الوطن، ألقى في وجهنا عجزنا، لك المجد يا قدّيس الشهداء ولنا عار العجز والصمت ما لم نعلّق للعدو وأعوانه أعواد المشانق.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

محمود الراس

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر