Menu
حضارة

عن حسين البرغوثي..

حسين البرغوثي

براء عيّاش

عن الحساب الشخصي لـ "براء عيّاش" على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"

انتهيت الليلة من الكتاب الذي سيسمح لي باستبدال كلمة "معظم" ب"كل" عندما أجيب عن سؤال: ماذا قرأت لحسين البرغوثي؟ رحلتي مع حسين استمرت لثلاث سنوات، لم اتعمّد خلالها قراءة كلّ أعماله، كانت كتبه تأتيني وحدها في الوقت المناسب، بعض الكُتّاب القراءة لهم تكون رحلة بكل ما تحملها هذه الكلمة من معنى؛ ضياع، التقاء، فرحة العثور على شيء ما مجهول لا نعرفه ولكنّنا نُحسّ بحاجتنا له منذ أمدٍ بعيد، هذا الشيء الذي تكلّم عنه حسين عندما وصف صديقه بلال؛ فلسطيني يدرس في العراق ويعيش مع فتاة جميلة، تركّ كل شيء وذهب لينضم إلى الثورة في الأردن بحثاً عن ذات الشيء المجهول الذي يشدّه من بعيد، هُزم في أيلول، ومن ثُم طُرد من لبنان، وتعرّف عليه حسين عندما كان بلال يتسكّع بلا هدفٍ في هنغاريا، حيث كان حسين يدرس هناك، يدرس؟ ليس بالوصف الدقيق، كان ضائعاً جدّاً، ضياع وصفه بدقة في روايته "الضفة الثالثة لنهر الأردن" حيث كان يعيش مجنوناً، مشّرداً، بشكلٍ يجعل ضياعه في الضوء الأزرق مجرّد مزحة لا أكثر. في لقائه الأول مع بلال يقوم الأخير بطرق باب منزلٍ لا يعرفون أصحابه فتسألهم فتاة عن الطّارق، فيجيب بلال بالعربية: ولو.. بلال يا أختي.

جلست مع صديق قبل فترة فقال عن كتابات حسين أنها ليست أكثر من تأمّلات إغريقية..الخ، كُنت أريد أن أدافع عن حسين والأدب الذي يقدّمه ويضيف إليه الكثير، لكنّني تراجعت؛ علاقتي مع حسين كانت شخصية بالأساس، أي أنني لم أُعجب بكتاباتٍ أدبية كما يحدث عندما اقرأ للرافعي، بل عندما تقرأ لحسين، أنت تقرأ حسين، وكم كان يستهويني ذلك. أن ألامس تغيّرات حسين وتقلّباته والتشابه الكبير بين ما يحدث معه وما يحدث معي، عن الجنون الحقيقي وتجربته الصادقة وعودته غير المكتملة في سأكون بين اللوز، عن الشخص الذي "أبصر أكثر من اللازم" فأضاع الطريق.

في نفس الجلسة مع الصديق تطرقنا لغسّان كنفاني وخضنا ذات النقاش، واكتشفت نفس الشيء أيضاً، غسان أدين له بالكثير؛ فهو من الأشخاص الذين شكّلوا شخصيتي، طريقة تعبيري، أجابوا عن أسئلة، أعادوا ترتيب أخرى، وتركوا أثراً عميقاً يربطني بهم، وهذا الأثر يكتمل في طريقة رحيلهم، عن أشخاص رحلوا "بدري"، ربّما لم يرحلوا مُبكراً، بل كانت تلك اللحظة المُثلى. يُمكنني أن اقرأ في النقد الأدبي وأدافع عن أدب غسّان وحول كتاباته وكيف نُصنّفها، لكن هذا فحسب لكي اُثبت علاقتي الشخصية به، وبذلك لا فائدة من البحث، الأمر اعمق، أقدم، وأكثر تجذّراً، أنظر داخلي فأجد ما فعله غسّان، وهذا يكفيني.

هذا الأمر يفسّر بالنسبة لي تعلّق الناس بأحلام مستغانمي على سبيل المثال، القارئ يتعلّق بالكاتب الذي يُشبهه، والمعظم يتماها مع أحلام وما تقدّمه، فهم يسبحون على سطح الحياة، بينما حسين الذي أرهقت الحياة عقله فألّف كتاب "سقوط الجدار السابع" في محاولة منه لفهم الحياة، هذا النوع من الأشخاص لن يفهمه إلا من يشبهه، ولا يُمكنك قراءته قراءة أدبية، فلن تفهم منه شيئاً. تخيّل أن يقوم أحد الأشخاص البلهاء من اتباع التنمية الشرية والحياة الحلوة بالقراءة لميلان كونديرا؟ شيء لا يُمكن أن يحدث، وإن حدث لن يفهموا منه شيئاً. وهذا يُفسّر أيضاً سبب انتشار قصائد معيّنة لدرويش، تلك التي يفهمها غالبية الناس، أما ما تبقّى من القصائد فلا يعرفون مقطعاً منها.

أنا شخص مسكين وليست لدي معارك كُبرى اقاتل في سبيلها، لذلك أجد معركتي مع بعض الحمير الذين يقرؤون لحسين وغسان لتجد تعليقهم عليها ب ماذا هذا الهراء؟ هُراء؟ في زمنٍ آخر كنت سأعمل كقاتل متسلسل أقوم بتعقّب هؤلاء الأشخاص وقتلهم الواحد تلو الآخر.

- أنا أعتقد أن هناك مبالغة بأهمية علي شريعتي
- شريعتي مهم غصب عنّك، وإلا بتنطخ في إجريك، كليهما. كليهما صح؟ مش كلاهما؟ 
- اه اه مزبوط كليهما
-الحمدلله .. اخر شيء بدنا نعمله انو نطخ حدا بخطأ لغوي.