على مدار الساعة
أخبار » آراء

دائرة العبودية المستمرة

05 كانون ثاني / مارس 2016

نقطة البدء في التاريخ الإنساني كله كانت خاطئة، ذلك أن الإنسان بدأ رحلته الحياتية بصراعه مع الأشياء التي من حوله، محاولاً الاستحواذ على الحصة الكبرى من المكتسبات عبر هزيمتها لا التوافق معها، من هنا انطلقت رغبة أسطورة البدء ، فكانت باكورةُ أعمالها قتلُ قابيل لهابيل، ثم تم خلق الآلهة لاستمداد القوة من أجعل صناعة السلطة، فإن وصل الفرد إليها بتوفيق و دعم من الآلهة ادعى الانتساب إليها ذاتها، بحكم انشغال المنتصر بتعظيم ذاته أو سعي المهزوم لاكتساب القوة ، و أحياناً يكون نصفَ إله و نصفَ بشر و ربما نصف حصان أو تيس.

إنه لمن السهل طرح أسئلة فلسفية حول الكون، مصدره و مآله، لكن الصعوبة تكمن في الإجابة، فالأغبياء كلهم طرحوا مثل هذه الأسئلة و الأذكياء لم يجيبوا عنها، على الرغم من أن بعض الأسئلة تحمل في طيتها صيغةً جوابية، و للبحث عن إجابات سهلة وُلدت المعتقداتُ الراسخة التي تريح السؤال في سريره، وهو ما آل بالإنسان إلى عدم استخدام ملياري خلية في دماغه، فتخلص من عناء التفكير، حتى العلماء الذين تبجحوا باكتشاف الملياري خلية هذه أراحوا أنفسهم من البحث في كيفية استخدامها.

هي ذاتُ طريقة الخروج، لكن من باب آخر نحو الغيب ، خروج هاربٌ من أسر ذاك السؤال الكوني المستمر، المتعب و المخيف، الذي تحول مع الزمن إلى ممنوع، ليس بسبب رجال الدين فحسب، بل رغبة من السلطة السياسية و الاقتصلدية بالإبقاء على سكونية الواقع.

المسألة ذاتها في كل مرة، عقلٌ كسول و حريةٌ منقوصة - بل وهمية - تُنتج فكرةَ الرغبة باستعباد الآخر لتعويض غياب انعتاقها، حتى عند الذات المقموعة لا القامعة وحدها، التي لا تسعى للحرية بقدر سعيها للحلول مكان سالب هذه الحرية حالَ الانتصار عليه، هو نوع من تبادل الأدوار بين العين و المخرز.

على مستوىً أكثر واقعيةً، من فكَّر ذات يوم بأنه قد يكون دجاجة؟ لا أحد يجرؤ على ذلك، فالدجاجة لديها ديك، الديك  يضاجعها ثم ينتهي من العملية ، تذهب هي لغسل صحون البيض ، أما الديك فيقف على مكان عالٍ مفتخراً بفحولته صائحاً بصوت المنتصر، هكذا نشأ فن الخطابة و فكرةُ القيادة و السلطة، ديكٌ خطيبٌ مفوه يصرخ و الجمهور دجاج ينتظر انتهاءه ليذهب إلى غسل الصحون ، هكذا أيضاً أصبح هناك جنود مطيعون، عمال و فلاحون، موظفون و تابعون، سادة و عبيد، منتج و مستهلك، قادةٌ ورعاع.

يأتي ديكٌ أقوى فيهزم الديكَ السابق و تبقى الدجاجات دجاجات في كلتا الحالتين.

الديك المهزوم يبحث عن آخر أضعفَ منه ليستأثر بما لديه، فيظهر المهزوم بمظهر المطالب بالعدالة و المساواة، العدالة التي لطالما انتهكها هو ذاته عندما كان في وضع المستأثر بالقوة، القوة التي هي بحسب التركيبة البشرية الفاسدة تكمن في بؤرتين، السلاح و المال.

من هنا يصبح تبادل أدوار و مواقع الظالم و المظلوم مجردَ انتقال لشكل السيد ، لا سحق لفكرة أو واقع العبودية، فصيغة التدجين واحدة.

في فرنسا و روسيا و الولايات المتحدة حدثت أكبر ثورات التحرر، ما الذي جرى بعدها ، هنا عاد الشيوعي ليصحح شكل الدكتاتور الجديد، المال في أميركا صار هو السيد المسلط على رقاب الدافعين لثمن الحرية،  بونابرت سعى لامبراطورية و حققها لفترة زمنية لولا هزيمته في عكا التي رضيت بدورها بشكل عبودية للعثماني ثم الانكليزي و رفضت الامبراطور الفج، وهنا أذكر الثورة الفلسطينية المعاصرة التي نهجت نفس الطريق فتحول الثوار الحقيقيون فيها إلى عبيد للسلطة، و لا أحد من هؤلاء الذين ضحوا قادرٌ على الاعتراف بالتدجين، الاعترافِ بأنه ليس سوى دجاجة، هذا ما سيحدث في الوطن العربي سواء انتصرت ثوراته أو فشلت، لأن الحال ذاته، فالعبد القنوع لا يُنتج حريةً بل تحسينَ شكل و شروط تعاطي السيد.

بالنسبة للسيد الجديد، و لتقوية الحجة السلطوية الواهية يجب البحث عن مصادر تأثير، مصدر مادي و آخر روحي غيبي، المادي هو القوة و القوة إما عضلية أو اقتصادية أو ما شابه، و الروحي هو عبارة عن غيبيات و كهنة في المعبد الذي يموله السيد المهيمن أو أتباعه، هو الأمر ذاته كما من قبلُ و قبلَ القبل..

مع كل هذا ، يتكرر المشهد اليومي، كلَّ يوم يقتل قابيلُ هابيلَ ثم يدفنه و يبكي عليه، لكنه لم يعد بحاجة للغراب كي يعلمه طريقة الدفن فقد ألفها الآن أكثر من مشيته ذاتها.

ليست هذه دعوة للسكون، بل للخروج من قن الدجاج، هي محاولة للبحث في تصحيحٍ ما لنقطة البدء، نقطة قتل قابيل لهابيل المستمرة، بحثاً عن شكل عبودية أكثر معاصرةً.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

وليد عبد الرحيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر