Menu
حضارة

انتهى كلّ شيء

-

المقداد جميل

عزيزي زياد، لقد انتهى كلّ شيءٍ الآن. القهوة التي كنا نمرُّ من أمامها أطفالًا متجهين إلى مدرستنا، لم تعُد موجودة. أزالوا كلّ شيء. حتى الوطن، الآن يريدون إحراقه. لم يعُد لنا مكانٌ نلتقي بِهِ عند عودَتِك. ويبدو إليّ أنهُ لن يعودَ لكَ مكانٌ ترجِع إليهِ في الأساس.

من السهل عليكَ الآن أن تقول للآخرين أنك تحب وطنكَ الذي تركته قبل ثلاثة عشر عامًا، في بوست عبر فيسبوك. سيصفق لك الجميع على جمال انتمائك وشعورك، أمّا أنتَ أقصى اهتمامك في تلك اللحظة عملك الذي ينتظرك بعد ساعتين.

الحقيقة أن الوطن لم يعُد له أي وجود، إنه يحترِق الآن، كعجلات السيارات التي كُنا نُشعلها صباح كلّ يومٍ دراسيّ يسقط فيه شهيد، كتعبير عن الحداد. كلّ الأيام حداد الآن، أما الصباحات العادية فهي المختلفة. 

الغرفة التي كنا نجلسُ فيها كلّ مساءٍ في بيتنا، لم تعُد موجودة. إحدى الطائرات الحربية أصرّت أن تجعلَ صاروخًا يجلسُ في ذات المكان الذي كنا فيه. الجدران جلست أيضًا، لا بد أنها تعِبت من حكاياتنا المملّة التي كنا نرويها في طفولتنا على مسمعها.

ألعابنا التي كنا نصفّها على الطاولة، الجنود والدبابات الصغيرة في يدينا، التي نقاتل فيها، أصبحت اليوم حقيقة. الجنود يقاتِلون في الخارج، والطائرات فوقنا، كأن الزمن أصرّ عليها أن تكبُرَ مِثلنا.

حتى السيّدة العجوز التي كنا نزورها أثناء عودتنا من المدرسة، تجلسُ كلّ يومٍ متكِئة على عتبة دارِها القديمة، نرمي السلام وتعطينا حبات الكعك التي صنعتها. لم تعد موجودة، قُتلت عندما رمت الطائرة عليها السلام وأعطتها بعضًا من قذائفها ليلة الثامن من يوليو.

حقًا، لم يعد هناك مكانٌ تعود إليه، الجميع عاد للمدرسة. أجبرتهم الصواريخ بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من ترك المقاعد الدراسية، أن يعودوا إليها، لكن هذه المرة ليطلبوا المأوى لا العِلم.

ما تبقى من الوطن، قرروا حرقه، وإشعال نار خلافاتهم الداخلية فيه. لم يكتفوا أبدًا أن يحرقوا صندوق البريد الذي وُضِعت رسالتك الأخيرة فيه. إنما أرادوا لها أن تكون البداية، بداية النهاية.

كلّ شيء انتهى يا زياد، وحتى إن عُدَت يومًا، لن تجد شيئًا. لا القهوة التي اتفقنا في طفولتنا، وعند وداعك الأخير قبل رحيلك أن نجلس يومًا ما فيها لنحقق رغبات الطفولة القديمة، ولا الغرفة التي حَفِظت ألعابنا وذكرياتنا ومشاغبات الطفلين البريئين، اللذين لم يعرفا من الحرب سوى صورة محمد الدرة، مرميًا في حضن والده.