على مدار الساعة
أخبار » آراء

المسيح الفلسطيني، مرة أخرى حول مقتل النايف

19 تشرين أول / مارس 2016
12790958_223530147998735_8526805522383199006_n
12790958_223530147998735_8526805522383199006_n

من ينظر بعمق في الصور التي التقطت للشهيد عمر النايف بُعيد تضرجه بالدم، يدرك مستوى الخسة و النذالة التي اتسم بها الفاعلُ في هذه الجريمة، و يستشعر ذلك الحقدَ المريضَ المعبأ بالتشوه الحقد النازي الصهيوني المريض، و الذي يعد محركاً شيطانياً يدفع بإنسانٍ مركب العقيدة لقتل إنسان آخر بهذه الطريقة الوحشية الكيدية، حتى و إن كان عدواً !

إن الفاعل- و الذي سيُكشف إن عاجلاً أم آجلا - هو شخص مريض تربى على القيم النازية الصهيونية التلمودية، و قد انتزعت منه صفات الإنسان السوي، ليستطيع كما يبدو ضرب المغدور بكتلةٍ أو آلة حادة على منطقة الوجه، مركزاً على العينين و الأنف، بحيث تتضح سمة الرغبة المريضة بالتعذيب، لا مجرد التخلص من عدو..

يستطيع الموسادُ، خاصةً في بلد مثل بلغاريا، حيث يعتبر محظياً هناك، أن يستخدم كواتم الصوت مثلاً لتنفيذ عملية الاغتيال بطريقة عادية، بل و سلسة، هي طلقةٌ واحدة و تنتهي المسألة، علماً بأن الفاعل من المستحيل أن يتجرأ على عمر المعروف بشجاعته و إقدامه المعروفين دون أن يكون مسلحاً " أو مسلحين" بمسدسات، و على الأغلب ذات كواتم صوتية، و هذا يبدو منطقياً من حيث إمكانية الفعل طبعاً لا المشروعية .

 لكن الاحتمالات المختلفة واردة هنا، فإما إن يكون الفاعلون قد غافلوا الضحية أثناء نومها، أو أن يكونوا قد تكالبوا عليه مستغلين عنصر المفاجأة، و لا أحد يعلم حتى الآن، فلربما يكون قد تم وضع مخدر له أو مرخي للعضلات في الشاي أو الماء أو الطعام مثلاً، ربما يكون ذلك قد حدث، من يدري ؟!.

أستذكر هنا بعض العمليات الفدائية الفلسطينية ، ذلك الشاب المناضل الذي فجر نفسه في حافلة أثناء الانتفاضة، و ما إن كاد يفعل حتى صعدت طفلة يهودية مع أمها إلى الحافلة فغير اتجاه عمليته و نزل ، ثم فجر نفسه بجنود على المحطة واقفين، و هكذا عشرات العمليات الفدائية، هذا هو الفارق الأخلاقي بين أن تكون مناضلاً فلسطينياً، أو أن تكون عميلاً صهيونياً.

من يعرف عمر النايف يدرك أن شخصاً واحداً و بأداة الجريمة المستخدمة التي يدل  أثرها على وجه الضحية أنها ربما كتلة حديد أو كعب مسدس أو ما شابه، لن يستطيع النيل منه، فالرجل يتمتع بالذكاء و الخبرة و سرعة البديهة و الشجاعة في آن معاً، إنه من القلائل خلال الصراع الذين برعوا في عملية الهروب من براثن مخابرات النازية منذ عقود خلتْ...

السفير الفلسطيني في صوفيا السيد أحمد المذبوح ،كما تشي تصريحات الشهود و تصريحات عمر نفسه، رفض مراراً تركيب كاميرات أو وضع حراسات داخل السفارة، كما أبدى تأففه المتكرر من وجود المناضل الطريد في السفارة، التي لجأ إليها عقب استنفاذه لإمكانية الاحتماء من الموساد و مخابرات النازية الصهيونية التي طالبت بلغاريا مراراً بتسليمه ، مع علمه لمدى النفوذ الصهيوني في بلغاريا، و ارتخاء أو غباء أو تواطؤ ذوي القربى.

بعيد اشتداد جدية الحملة لاعتقاله، تلقى النايف نصيحة من أحد مسئولي الأمن الفلسطيني الخارجي " أمن السفارات"، و قيل إن اسمه " ممدوح" بأن يأويه في بيته الشخصي باعتباره ذا حصانة دبلوماسية، و بات عنده ليلةً، ثم تبين أن بيت المذكور لا تشمله الحصانة الدبلوماسية ،و بالتالي قابل للاقتحام من قبل الشرطة البلغارية، فغادر برفقته ، و انتقل للاحتماء داخل السفارة الفلسطينية باعتبارها بحسب القوانين و الأعراف الدولية و الدبلوماسية أرضاً فلسطينية.

... داخل السفارة ذاق عمر النايف مرارة الشعور بكونه شخصاً غير مرغوب فيه، حتى من قبل السفير نفسه حيث قام مراراً هو و  بعض موظفي السفارة بالضغط عليه لدفعه للخروج، مما سيتيح للأمن البلغاري اعتقاله و تسليمه للموساد كأي مجرم !.

ليلة اغتياله كان يتحدث مع زوجته حتى الثالثة صباحاً، و في الثامنة دخل موظف إلى السفارة ليجد المغدور مضرجاً بدمه و كان لا زال حياً ، فأبلغ السفير، لكن الإسعاف لم يصل إلا في الثانية عشرة و النصف، هذا ما حدث في صوفيا و ليس في غابات إفريقيا ، أي أن الإسعاف حضر بعد أربع ساعات و ثلاثين دقيقة و لم يتم استحضار طبيب خلالها أيضاً!

فارق الشهيد المغدور عمر النايف الحياة داخل سيارة الإسعاف، فهل كان تأخير الإسعاف اعتقالاً للشهيد حتى يفارق الحياة؟

الأسئلة كثيرة، و الأحداث التي جرت قبل الجريمة و أثناءها و بعدها مثيرة و تفتح ملفات كثيرة تتعلق بالفساد و أحوال السفارات خاصة من ناحية الاختراقات الأمنية، و هو ما التقطه القائد الشجاع أحمد سعدات بذكاء ، حيث طالب بتنظيف السفارات من الفساد و العملاء،

من ناحية أهم، و الملفت للانتباه حقاً أن الهم الأول لوزير الخارجية الفلسطيني كان التعتيم على أية إشارة لدور أو مسؤولية السفارة و بالتالي الخارجية و قد تدخل في ذلك بشكل مباشر ، حتى أنه عند صياغة التقرير النهائي تدخل السيد رياض المالكي وزير الخارجية مباشرة مع وكيل وزارته، ومارس ضغطاَ من أجل تغيير أو حجب نتائج لجنة التحقيق المتعلقة بمسؤولية السفير و السفارة و ما بينهما، الأمر الذي أدى إلى رفض الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و معها عائلة الشهيد المغدور، و إنهاء أعمال اللجنة دون التوصل لنتائج، ثم تم البحث عن لجنة مهنية و تمت الاتصالات على أعلى المستويات بين الشعبية و الرئيس و الخارجية من أجل محاولة تحقيق العدالة في هذه القضية.

الشعبية بدورها تصر من خلال تصريحات سعدات و نائبه أبو أحمد فؤاد و قياداتها الأخرى على أنها لن تتنازل عن فضح كل المخبوء أمام الشعب الفلسطيني و أحرار العالم، كما و محاسبة كل من قام أو تعاون في هذه الجريمة الخسيسة مهما بلغ شأنه، بالإضافة إلى تعهدها بالرد على النازية الصهيونية.

من المنطقي و احتراماً للشعب الفلسطيني و نضالاته و للأعراف أن يستقيل أو يقال وزير الخارجية بعد محاولته حجب معلومات عن حقيقة جريمة اغتيال مناضل من رعاياه، و أن يحال إلى التحقيق بتهمة تحريف و محاولة إخفاء معلومات حول جريمة جنائية و سياسية و دبلوماسية في آن معاً ، و أن يُستدعى معه بالطبع السفير في بلغاريا و أفراد السفارة.

السؤال الذي يبقى بمنتهى المرارة، أ يُعقل أن يكون القاتلُ فلسطينياً، إن كان كذلك فهذا يعني الكثير ؟ !.

 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

وليد عبد الرحيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر