Menu
حضارة

فستان أمي وشريط الذكريات

تصميم ليلى السيد حسين

ليلى السيد حسين

"لكل أمهات العالم. لكل الأمهات اللواتي ما زلن في رحم أمهاتهنّ، لكل الأمهات اللواتي رحلن وتحوّلن إلى نجمات تضئن الكون، أو إلى غابات خضراء. لكل الأمهات السابقات، والآتيات. إليهن كلّ شيء."

صورة:

أمّي تقبّلني قبل النوم فأشمّ رائحة الشاي الأخضر التي تنبعث من وجهها، فأدرك أنّ للخدين رائحة، وأن أحلام الليل لا تكون أحلاماً معتبرة إلا إن لفّتها رائحة الشاي الأخضر.

صورة:
أمّي تسقي الزرع على شرفة الصالون. أمي مقتنعة اقتناعاً تاماً أنّها تملك حديقة كبيرة وخضراء على الشرفة التي لا تتعدّى مساحتها الستة أمتار مربعة. أمي تربي أملاً أن تكبر النباتات نصف الميتة. أرى أمي كل يوم على الشرفة، فأرى غابات شاسعة، أغرق في الأخضر وأدرك التالي: أمّي علمتني أن لا وجود للمستحيل.

صورة:
أمي تضع كحلتها السوداء بعناية، فأودّ لو أمسي رجلاً كي أشتري لها وردة حمراء تليق بسواد عينيها.
صورة:
أمي في قميص أسود شفاف مطرّز بخيط ذهبي. يظهر جسدها بحياء من خلف القميص، ترقص أمي والجدران تدوخ، تقع فوق رؤوس الناس. أين ذاك القميص الآن؟ وإن لبسته هل سأرقص كما أمي؟ هل ستدوخ الجدران أم تنتحب؟

صورة:
أمي تلبس جينز دنيم أزرق وجاكيت جلد حمراء قصيرة، تضع يدها في جيوب الجاكيت وتنظر إلى عدسة الكاميرا من خلف النظارات. تلوح نظرات حزن جميل. يأسرني هذا الوجه، أين نظارات أمي اليوم؟ كيف ألبس وجه أمي كي أمسي أجمل؟

صورة:
أمي عند حكيم الرئة، يُعلمها بأن خلايا الرئتين تموت تدريجياً، وبأنها غير قابلة للتجزؤ من جديد، أبتسم وأدرك أن لأعضاء أمي قدرة غير عادية على خلق البساتين الخضراء بعد كل موت. تظهر أمامي رئتين كبيرتين فيهما زنبق كثيف، أطفو في الزنبق وأنام.

صورة:
أمّي توضّب غرفتي، فتوضّب أحلامي. تفصل اللباس الشتوي عن اللباس الصيفي. هنا الألوان الحارة، هنا الألوان القاتمة، هنا المعاطف، هنا لباس النوم. أمي توضّب غرفتي، فتفصّل أحلامي الناقصة، وتعطيني سبباً

إضافياً كي أحلم كلما فتحت خزانتي.

صورة:
أمي تغلق نافذة المطبخ كي تحمي البيت من الهواء البارد. أمي تسمع أسناني تصطكّ فتحضّر لي دفئاً في صحن أبيض. يداها تخلطان الرمان والقمح الساخن والجوز. أمي تطعمني الدفء، فأحب الشتاء. أمي تطعمني الدفء، فتمسي سماء الشتاء قاتمة حمراء كالرمان.

صورة
أمي تدخل كي تستحمّ، تخرج ملتفّة بروبٍ زهري، أدخل الحمام كي أغرق في رائحتها، يخجل الصابون فيذيب نفسه في ماء جسدها.

صورة:
أمي تحضر لنا طعامنا وأيامنا. تضع قلبها على الطاولة، تضع آمالها على يمين قلبها، تضع أحلامها على شمال قلبها. أمي لا تعرف إلّا أن تعطي.

صورة:
أمي تحيّك لأخي شالاً من صوف، تأخذ الخيط تلو الآخر. خيط حب من هنا، خيط دفء من هناك، خيط خوفٍ على ابنها من هنا. أمي تحيّك شالاً، أمي تحيّك حياة.

صورة:
أمي تُخرج صورها القديمة من الدرج. أرى شريط حياتها أمامي. لو كنت جدتي لخيطّت فستاناً يكبر مع أمي، لكنت رفضت استبداله طوال مراحل عمرها. لو كنت جدتي لأخذت أضيف على الفستان قماش العمر كله. لكان كبر الفستان معها. قماش فرح، قماش حب جديد، قماش صداقة جديدة، قماش عظم يكبر، أو شامة تختفي. لو خيّطت جدتي فستاناً يكبر مع أمي، لما كنت الآن بحاجة للبحث في صورها، لكنت لبست الفستان وشاهدت شريط حياتها. لو كنت جدتي لما تركتُ أمي تكبر دون أن أدوّن تاريخها في فستان.

المصدر: شباب السفير