Menu
حضارة

فيروز خيمتنا الأخيرة

fairouz

زينب هشام (نقلا عن فيسبوك)

وأنا صغيرة كنت أعيش في أسرة متشددة لا تسمح بالغناء أن يدخل أبوابها. ومازلت. لكنّ المفاهيم تغيّرت، وأصبحتُ أملك باباً أغلقه لأسمع ما أريد. فيما مضى كنت أُمسك والدي وهو يستمع لفيروز، وأقول ما الفرق؟ فيروز تغنّي أيضاً والغناء حرام. لم أدرك يومها أن صوت فيروز سقط سهواً من ملاك في السماء ليصدح بهذا الخراب الكبير الذي يسمى أرض !
كرهتُ فيروز فيما مضى، كثيراً. كنتُ لا أطيق أن أسمع صوتها. كنت أقتنع بجمال الكلمات لكن ليس بصوتها، أبحث عن أغانيها بصوت آخر لأسمعها. قبل عام وقليل، تغيّرت نظرتي لها بسبب شخص ما، أراني فيروز التي كنت لا أراها، لأرى فيها شيء كنتُ أفتقده ولا أشعر، لأعرف معنى أن يبدأ الصباح بصوتها..

قالت لي صديقة أن صوتي يشبه "الزعتر البريّ" لم أفهم يومها، كيف لصوت أن يشبه الزعتر؟ ما وجه الشبه؟ اكتشفت اليوم أن صوت فيروز يشبه رمّانة من رمانات الجنّة، لماذا رمانة؟ لا أعرف، ربّما لأن كل ما غنّته يفرط مشاعرنا ك حَبّ الرمان، لنراها تُغنَّى بهذا النقاء، بهذا الوضوح، بدون خجل، بدون أن يلعب كبريائها أيّ دورحين تقول" وأنا أركض وراك مدلّك إيديي.. وإندهلك انطرني حبيبي وما تسمَعْ"

نحنُ نحبّ فيروز لأنها تستطيع أن تقول كلّ شيء نخفيه، كلّ شيء لا نملك تلك البساطة التي تمتلكها لنقوله. نحنُ نخجل، نكابر، ونقول أننا لا نشتاق، لتأتي هي وتكسر كلّ هذه الأوهام وتغنّي"إشتقتلك إشتقتلي بعرف مش رح بتقلي طيب أنا عم قلك إشتقتلك!" بهذه البساطة..

فيروز هي قلقنا حين تقول"وبخاف تودّعني وتفلّ وما ترجع"، هي يقينُنَا الموجع"ما رح ترجع بعرف إنّن غيّروك يا حبيبي وعذّبوني وعذبوك"، هي هُروبنا "اتركني شوف الإشيا وما تفكّرني فيك"، هي حيرتنا "إذا رجعت بجنّ وإن تركتك بشقى.. لا قدرانة فِلّ ولا قدرانة ابقى"، هي أمانينا "يا ريتك هَوْن حبيبي وليل"، هي ذكرياتنا "ما بنسى شو بكينا وصلّينا تا تضلك معنا"، هي مرسالنا "قلّو عيونو مِش فجأة بينتسو.. ضحكات عيونو ثابتين ما بينقصو"، هي ندائنا "يا همّ العُمر يا دمع الزّهر.. يا مواسم العصافير"، هي تناقضنا "تَعَا ولا تِجي.. واكزُب عليّي.. الكِزبة مش خطِيّي وعِدني إنّو راح تِجي وتَعَا ولا تِجِي"، هي تعبنا "أضنيتني يكفي بقى يرحم أبوك"، هي وحدتنا بعد الاصدقاء "قولك بعد الرفقة والعمر العتيق.. نوقع متل ورقة كل من عَ طريق!"، هي بلادتنا "تعشق عليّ إعشق.. ما بتعشق ما تعشق.. مش فارقة معاي"، فيروز قلّة حيلتنا من النسيان حين غنّت "بعدك على بالي.. على بااالي"

فيروز خيمتنا الأخيرة، فيروز وجهُ أمّي.