Menu
حضارة

البيكاتشو ينتصر على الحضارة الغربية

بيكاتشو

رامي خريس

عن الحساب الشخصي لـ "رامي خريس" على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"

أقام في البيت الذي أسكن فيه خلال العام الماضي شابٌ ماليزيّ يافع. اسمه "جي" (لا تسألني لماذا وكيف)، طويل القامة، ويعلّق على صدره صليبا يؤكّد لمن يراه أنّ صاحبه ينتمي للمجموعة العرقيّة الصينيّة التي تقطن ماليزيا إلى جانب المسلمين "المالاو" والهندوس، والتي يعتنقُ غالبيّة أعضائها البوذيّة أو المسيحيّة. جاء "جي" إلى لندن للحصول على دبلومٍ مهنيّ في المحاسبة قبل أن يعود للعمل في أحد بنوك كوالالمبور
المسار الذي أخذه في مطلع شبابه هو ذات المسار الذي يسلكه غالبيّة أقرانه المُنتمين للمجموعة الصينيّة في ماليزيا والتي تشكّل عماد الطبقة العليا التي يتعلّم أبناؤها الإنجليزيّة منذ الصغر ليكونوا مؤهلين للدخول إلى الجامعات الغربيّة لتحصيل المعرفة والخبرة التي تضمن استحواذهم على المواقع المرموقة في قطاعات التجارة والمال في بلادهم حين يعودون.

ما كان يلفتني في هذا الشاب هو الطابع الطقوسي شديد الصرامة الذي كان إيقاع حياته يسير عليه هنا، والذي كان معزولا بالمعنى الحرفي للكلمة عن عالم لندن الضخم والهائج. لم يستقبل جي طوال إقامته في المنزل أي ضيوف، ولم أره ولو لمرّة واحدة ذاهبا في سهرة هنا أو مشوارٍ هُناك، وكانت المسافة التي يتحرّك بها فعليا، -إذا ما استثنينا روحاته وغدواته الإجباريّة إلى معهده-، تمتدّ على كوريدور ضيّق يبلغُ طوله متران بين غرفته الصغيرة والمطبخ.

كانت طقوس "جي" في زنزانته الأثيرة تسير على ساعة دقيقة. يُمكنك أن تتنبأ بالضبط بموعد استيقاظه وبموعد عودته من معهده وبموعد دخوله إلى المطبخ مساء لإعداد وجبة العشاء الكبيرة التي أصبحت تعرف أنّها ستستغرق منه في كلّ مرّة ساعتين بالتمام والكمال. وبالإضافة لهذه الطقوس التي كانت ترتبط بشكلٍ أساسيّ بعالم الطبخ والمطبخ، كان طقس مشاهدة البرامج التلفزيونيّة المُختلفة عبر "اليوتيوب" يُهيمن بالكامل على حياة هذا الشاب، وأستطيع أن أجزم أنّه استهلك وقتا في مشاهدتها أكثر ممّا استهلك في الدراسة لدبلوم المُحاسبة
كان يحرص على حضور برامج تلفزيونيّة كوميديّة أثناء إعداد وجبة العشاء، وكانت قهقهاته التي يطلق لها العنان تصل غرفتي مع رائحة الدهون طوال ساعتين. في المساء كان "جي" يُتابع حلقات من مسلسل رومانسيّ صيني أو فيلم "أكشن" آسيوي. أمّا في أيّام العطل، فقد كنت تراه جالسا على مقعد المطبخ أمام بار خشبي وضع عليه كمبيوتره المحمول وهو مأخوذ بكامل حواسه لمشاهدة أفلام الكارتون وعلى وجهه ابتسامة طفوليّة صافية تُصيبك بالحيرة وتأخذك إلى عالم بعيد وغريب وأنت تفكّر بأسرار النفس البشريّة ومعنى العيش وتتساءل في قريرة نفسك عن المغزى الحقيقي لمتع الحياة وتسلياتها.

في كلّ مرّة شاركتُ فيها السكن مع آسيويّين استطعت أن أرى كيف يُهيمن كلّ ما هو "مرئي" على حياتهم. إنّهم يقضون أوقاتا طويلة أمام التلفزيون ويتفاعلون معه بشكلٍ بالغ الحيويّة، ويبدون اهتماما شديدا بألعاب الفيديو، حتّى أن بلدانا مثل كوريا الجنوبيّة تنظّم بطولات منافسة في هذا المضمار، أمّا الأجهزة الكفيّة المُختلفة التي تستخدم لأغراض الدردشة والتعليم والاستماع للموسيقى والتصوير فهي منتشرة لديهم على نطاق واسع وأشعر دائما حين أراهم يعبثون فيها بتركيزٍ عالٍ أنّ الوشائج التي تشدّهم إليها تتجاوز وظيفتها التقنيّة التي أعرفها، وأنّ هناك علاقة حسيّة أكثر عمقا تربطهم بهذه الأجهزة. بل إنّني أذكر نفسي بالقول أنّه حتّى البصمة الآسيويّة على العالم جاءت من الطريق المرئي، فقد دخل جيلنا عالم المرئيات من خلال تلفزيونات "سوني" و"توشيبا" و"إل جي" و"سامسونغ" قبل كلّ شيء.

الغريب أنّني كلّما أتذكر قصّة جي أستحضرُ المفارقة المثيرة فيها: يُنظر إلى التلفزيون دائما ومن قبل الكثيرين على أنّه أداة "تغريب" لهدم المجتمعات وغسل العقول وبث الأفكار النتنة، لكنّه في حالة صديقنا جي كان بمثابة ميكانيزم دفاعي. فقد شغله التلفزيون عن العالم الخارجي بكلّ ما فيه، وأبقاه على إقامة لا واعية من خلال خطّ إنترنت سريع بوطنه الأم، ومنعه عن استغلال أوقات فراغه في مسالك الشهوات والخطيئة. لقد كانت قصته تجسيدا حيّا لانتصار البيكاتشو على الحضارة الغربيّة بكلّ انحلالها ورذائلها.