Menu
حضارة

عن جغرافيا الموت

treekid

سنان أنطون

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 29-3-2016

حسب أحد الأمثال السائرة باللغة الإنكليزيّة فإنّ الموت هو «المُساوي (أو المُعادِل) العظيم». تنعدم المساواة في الحياة التي يعيشها البشر. فهم يولدون في طبقات وشرائح اجتماعيّة ومناطق تتفاوت في أوضاعها، وفي إمكاناتها الماديّة، وترفها أو عدمه. الحدود، بين كل هذه، وبعضها غير مرئية، ليست ثابتة ولا مستحيلة العبور، بالطبع. فهناك من يخترقها ويتجاوزها حين تكون الظروف مواتيّة. لكن السواد الأعظم يظل محكوماً بذلك التفاوت البنيوي الذي يحدد الآفاق ويعيد إنتاج اللا مساواة ويرسّخها. ثم يأتي الموت الذي يفترض أنه سيمحو كل هذه الفوارق ويجعل البشر سواسية أمامه. وكأن في ذلك عزاءً ما. ألم يقل طرفة بن العبد: «أرى الموت لا يرعى على ذي جلالة/وإن كان في الدنيا عزيزاً بمقعد»؟

لكن هنالك فرقا بين حتميّة الموت وبين افتراض أن البشر سواسية أمامه. كلا، ليسوا سواسيّة، وما كانوا أبداً. فهو يُبْكِرُ حين يتعلّق الأمر بالكثيرين منهم، ويتأخّر على غيرهم (الطغاة مثلاً!). وليس البشر سواسية في كميّة الحزن الذي يستدعيه موتهم ويستحقه. كثيرون هم أولئك الذين يموتون بصمت، خارج المراثي، وبعيداً عنها. لأنها لا تتسع لهم ولأن فضاء المراثي والفجيعة الجمعيّة والرسميّة محجوز لموتى الدرجة الأولى. فموتهم حدث عاديّ وعابر، لأن حياتهم، هي الأخرى، عاديّة وعابرة. على عكس موتى الدرجة الأولى الذين كانت حياتهم «استثنائية» وبذلك يكون موتهم هو الآخر استثنائياً وجديراً بالفجيعة الجمعيّة والحداد الرسمي. ليس القصد مما تقدّم هجاء الموت أو نقده، بل الإشارة إلى التراتبيّة التي تحدّد وتؤطر مسبقاً معنى وأهميّة موت إنسان ما، وكيفيّة التعامل مع موته ورد الفعل اللائق. وهذه التراتبيّة من صنع البشر، بالطبع، تهيكلها أيديولوجياتهم ويعيد إنتاجها لا وعيهم الجمعي. بالإمكان ملاحظة عمل هذه التراتبيّة المنتظم بوضوح في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بعد كل هجوم إرهابي في أي مكان على هذا الكوكب. فالهجمات التي تشن في مدن الشمال (بروكسل أو باريس، مثلاً)، تُفسَّر في الفقه الليبرالي السائد على أنّها هجمات ضد الإنسانيّة والحضارة والحريّة. وتُقابل بالحداد الجمعي العفوي الذي يناسب حجم المصاب وبحملات التماهي الرمزي مع المدينة أو البلد. كما نتعرّف على أسماء ووجوه الضحايا ونقرأ عن تفاصيل حيواتهم الغنية التي عاشوها، لكي نشعر بفداحة موتهم.
أما مدن الجنوب، فإن الهجمات الإرهابية التي تفتك بمواطنيها لا ترقى إلى مصاف الهجمات الكبرى ضد «الإنسانيّة»، مهما كانت وحشيتها ومهما سال من دم. ومن الصعب، في معظم الأحيان، أن نتعرّف على أسماء الضحايا، فهم ليسوا أفراداً، بل كتل وجماعات في أحسن الأحوال. موتهم عاديّ وعابر، بل متوقّع.
لا يقتصر الاقتناع بهذه التراتبيّة وترويجها على أولئك الذين تحتل أعراقهم أو بلدانهم أو ثقافتهم قمتها، والذين يحتكرون سلطة تحديد معنى وقيمة الحياة والموت. فهي فعّالة في لاوعي الكثيرين من الذين لا يسمح لهم منطقها حتى بمرتبة وسطى.

في الأيام القليلة التي مضت فتك الإرهاب بالعشرات من الأبرياء في ملعب لكرة القدم في محافظة بابل في العراق، وبمثلهم أو أكثر في متنزه في لاهور في باكستان، وبفضل التراتبيّة السائدة عالميّاً، تم تحديد كمية الحزن الكافية والمناسبة لحيوات عابرة كهذه.