Menu
حضارة

هل تشهد الديمقراطية تراجعا على مستوى العالم؟

عرض: هاني عبد الخالق

خصص العدد الأخير (يناير 2015) من مجلة Journal of democracy  الموضوع الرئيسي لمناقشة إحدى القضايا التي أثارت جدلا مؤخرا والمتعلقة بالسؤال الرئيسى: هل شهد العالم مؤخرا فترة تراجع أو «ركود» ديمقراطي؟

ونعرض هنا لدراستين إحداهما تنفى حدوث مثل هذا التراجع، وترى أنه مجرد «أسطورة» تعود جذورها إلى فترة ما بعد الحرب الباردة خلال التسعينيات، والتفاؤل المفرط الذى صاحب ظهور «ديمقراطيات» جديدة كانت فى الأصل دولا تعانى من السلطوية والاستبداد لفترات طويلة.

بينما تحاول الدراسة الأخرى أن تثبت أن الديمقراطية فى العالم قد تراجعت بالفعل، وأن على المجتمع الدولى الوقوف فى مواجهة هذه الحالة من التراجع الديمقراطى الذى أصاب العديد من الدول، ومن بينها الدول الغربية المفترض أنها راسخة ديمقراطيا.

 

الدراسة الأولى: أسطورة «الركود الديمقراطى»

الكاتبان: ستيفن ليفيتسكى ولوكان واى

يعتقد الكاتبان أن هناك رؤية غير صائبة وغير واقعية بشأن وجود حالة من التراجع الديمقراطى عالميا، خاصة فى العشر سنوات الأولى من القرن الحادى والعشرين. كما يعتقدان أن هناك عوامل عديدة أدت إلى مثل هذه الرؤية، من أهمها، كما يقول الكاتبان، النظرة شديدة التفاؤل بشأن التقدم الديمقراطى الذى كان من المتوقع أن تحققه بعض الدول التى كانت قد تخلصت من نظم حكم استبدادية، وصنفت من قبل مؤسسات مراقبة الديمقراطية العالمية، مثل فريدوم هاوس، على أنها أصبحت دولا ديمقراطية، كليا أو جزئيا، بعد أن استطاعت أن تجرى انتخابات توصف بأنها ديمقراطية.

ويقول الكاتبان: «ظهر مؤخرا ما يشبه الإجماع على أن العالم سقط فى مرحلة «ركود ديمقراطى»، وهو ما دفع بعض المراقبين والمدافعين عن الديمقراطية إلى وصف العقد الأخير بأنه فترة تراجع، أو تدهور، أو انحدار ديمقراطى،  والذى وقعت فيه دول ديمقراطية جديدة ضحية لـ ‹عودة قوية للاستبداد›. حتى إن مقالا كتبه جوشوا كورلانتزك يحمل عنوان ‹ التراجع العظيم للديمقراطية› ــ على سبيل المثال يزعم أن الحرية العالمية قد انهارت».

يقول الكاتبان إنه فى أعقاب لحظة من التفاؤل خلال انتفاضات الربيع العربى أيضا، حذرت مؤسسة فريدوم هاوس فى عام 2012  مما وصفته بـ «تراجع» ديمقراطى،  وحذرت فى عام 2013 ، من  عودة ظهور النظم الاستبدادية. وهذه صورة يصفها الكاتبان بأنها متشائمة، وليست صورة دقيقة.

فليس هناك دليل قوى على أن الديمقراطية تتهاوى، وأن «وحش الاستبداد العالمى» قد عاد مجددا، على حد وصف الكاتبين. فقد ظلت حالة الديمقراطية العالمية «مستقرة» خلال العقد الماضى،  وقد تحسنت بشكل بارز مقارنة بفترة التسعينيات.

ويرى الكاتبان أن فكرة الركود الديمقراطى تعود جذورها إلى فهم خاطئ للأحداث فى بداية التسعينيات. فالتفاؤل المفرط الذى ساد التحليلات التى كانت تتناول عمليات التحول والانتقال فى أعقاب الحرب الباردة ولدت مجموعة من التوقعات غير الواقعية، والتى عندما لم تتحقق أدت إلى انتشار فكرة أن الديمقراطية تتراجع.

لكن يرى الكاتبان أنه بالرغم من الأوضاع العالمية غير المرغوب فيها، والتى تزداد حدتها فى السنوات الأخيرة، لا تزال الدول الديمقراطية الجديدة قوية بشكل كبير.

وقام الباحثان بدراسة ومقارنة النتائج التى نشرتها أربع مؤسسات دولية معنية بمراقبة حالة الديمقراطية، وهى مؤسسة فريدوم هاوس، ومؤسسة بوليتى Polity، ووحدة معلومات الإيكونوميست، ومؤشر برتلسمان للديمقراطية.

ويقول الباحثان للتدليل على وجهة نظرهما إن مؤشرات الديمقراطية لهذه المؤسسات الأربع تشير إلى أنه فى الفترة من 2000 إلى 2013 ظلت حالة الديمقراطية كما هى،  أو ربما ارتفعت خلال هذه الفترة.

ويقول الكاتبان إنه إذا نظرنا إلى العدد الإجمالى للديمقراطيات فى العالم، فسنرى أن البيانات تشير إلى  حالة من الاستقرار وليس التراجع. وتشير بيانات كل من فريدوم هاوس وبوليتى إلى أن هناك زيادة فى عدد الدول الديمقراطية منذ عام 2000، ولكن بالنظر إلى الفترة من 2005 إلى 2013، نرى تراجعا ضئيلا جدا.

ويستشهد الكاتبان بالقول: «بينما كانت هناك 23 دولة شهدت تحسنا كبيرا فى مؤشر فريدوم هاوس فى الفترة من 1999 إلى 2013، شهدت 8 دول فقط تراجعا ملحوظا. وحتى فى الفترة ما بين 2005 و 2013، زاد عدد الحالات التى شهدت تحسنا (10 حالات) عن التى شهدت تراجعا (8 حالات). أضف إلى ذلك، أن غالبية حالات التراجع الملحوظ تلك، حدثت ليس فى دول ديمقراطية، ولكن فى أنظمة كانت استبدادية بالفعل، مثل جمهورية أفريقيا الوسطى، وجامبيا، وغينيا-بيساو، والأردن.»

وفيما يتعلق ب تركيا ، يقول الكاتبان إن البلد التى توصف أحيانا بأنها تمثل حالة «انهيار ديمقراطى» قد شهدت تحولا من نظام (مدني- عسكري) يوصف بالخليط hybridإلى نظام آخر. وبالرغم من أن حكومة حزب العدالة والتنمية أظهرت ميولا سلطوية واضحة، كان النظام الذى يسبقها، والذى كان يتميز بتأثير واسع للجيش، وفرض قيود على الأحزاب الكردية والإسلامية، وقمع للإعلام، كان لا يوصف بالديمقراطية مطلقا.

وحتى إذا صنفنا كل هذه الحالات على أنها تمثل انهيارا ديمقراطيا، وعلى الرغم من أن أغلب هذه الدول كانت تعد حالات يطلق عليها «حالات حدودية» borderlinecases(أى تقع فى مساحة وسط ما بين الوصف بأنها ديمقراطية وغير ديمقراطية)، مثل بوليفيا، والإكوادور، والمجر، والفلبين، فإن حالات التراجع الديمقراطى هذه تقابلها حالات تقدم ديمقراطى أخرى. فقد دخلت ثمانى دول، من بينها البرازيل، وكرواتيا، وغانا، والسنغال، وصربيا، فى تصنيف الدول «الحرة» لدى مؤسسة فريدوم هاوس فى العقد الأول من القرن الحالى،  ولا تزال هذه الدول تقع ضمن هذا التصنيف حتى اليوم.

وبالرغم من إمكانية تحديد حالات لتراجع الديمقراطية فى عدد من الدول، مثل تايلاند، وفنزويلا، وربما فى المجر، إلا أن المزاعم بأن هناك تراجعا ديمقراطياً على مستوى العالم لا أساس لها من الصحة على المستوى العملى.

ويؤكد الكاتبان على أن الخطأ فى التصور بشأن ما حدث فى فترة التسعينيات تشكل جزئيا بسبب النجاح الذى حققه التحول الديمقراطى فى دول «الموجة الثالثة» للديمقراطية فى الفترة ما بين 1974 و1989. ففى دول جنوبى أوروبا، مثل اليونان، وإسبانيا، والبرتغال، ودول وسط أوروبا، أدت الأزمات التى وقعت فى تلك الدول التسلطية آنذاك إلى حدوث موجة من التحول الديمقراطى .

فقد أدى الانفتاح الذى وقع فى هذ الدول السلطوية إلى خروجها من سيطرة الصفوة فى تلك النظم، وتطورها إلى مرحلة الانتقال الكامل. فحينما سقطت النظم السلطوية، حلت محلها فى الغالب نظم ديمقراطية فى هذه الدول. 

وبالنظر إلى الماضى،  نجد أنه من الواضح أن عمليات الانتقال الديمقراطى فى أوائل الموجة الثالثة كانت تختلف تماما عنها فى أواخر هذه الموجة فى أفريقيا والاتحاد السوفيتى،  على سبيل المثال. فالانتقال فى دول جنوبى أوروبا، وأمريكا الجنوبية، ووسط أوروبا، حدث تحت ظروف كانت تفضل نجاح عملية التحول الديمقراطى،  بما فى ذلك المستويات العالية للتنمية، وقوة الحركات المدنية، وحركات المعارضة، وفعالية مؤسسات الدولة، والعلاقات الواسعة مع الغرب.

ويقول الكاتبان إن المراقبين وصلوا إلى تعميم من خلال هذه الحالات وحددوا درسين خاطئين على الأقل من الدروس التى شكلت الطريقة التى فسروا بها عمليات الانتقال فى فترة التسعينيات.

الدرس الأول، هو أن المراقبين بدأوا فى الربط بين انهيار الأنظمة السلطوية وحدوث التحول الديمقراطى  فسقوط ديكتاتورية ما قد يسفر عنه العديد من النتائج، بداية من تثبيت الديمقراطية، مثل ما حدث فى بولندا ما بعد 1989، ومرورا بالتكريس لنظام سلطوى جديد، مثل ما حدث فى إيران ما بعد 1979، وانتهاءً بانهيار الدولة و الفوضى، مثل ليبيا ما بعد 2011.

أما الدرس الثانى،  الذى استنبطه المراقبون بشكل خاطئ أيضا، هو أن كل عمليات الانفتاح التى حدثت فى الدول التسلطية كان يفترض أن تمثل انطلاقة نحو عملية التحول التى سوف تفضى فى النهاية إلى الديمقراطية.

وقد تجاهلت هذه التوقعات حقيقة أن الدول الأتوقراطية قد تقوم ببعض الإصلاحات الشكلية التى تهدف إلى حل بعض الأزمات قصيرة المدى، أو إلى الاستجابة لضغوط دولية قوية، لكنها فى نهاية المطاف سوف تواصل سيطرتها من خلال قوة الجيش أو الشرطة، وقوة مصادر الدخل الرئيسية لإعادة السيطرة على السلطة بمجرد انتهاء مثل هذه الأزمات.

ويضرب الكاتبان مثلا لهذا الدرس الثانى من خلال ما حدث فى الاتحاد السوفيتى بعد انهيار الشيوعية. فقد أدى انهيار الأخيرة، وسقوط سور برلين إلى ظهور مفهوم يفيد بأن الديمقراطية الليبرالية هى البديل الوحيد، وبأن كل الطرق يبدو أنها تؤدى إلى الديمقراطية، وهو ما جعل المراقبين يبدأون فى تفسير كل الأزمات التى تمر بها مثل هذه الدول على أنها مقدمة للتحول الديمقراطى. 

ويشير الباحثان إلى أن العديد من حالات انهيار الدول تؤدى فى الغالب إلى العنف وعدم الاستقرار، ولا تؤدى إلى التحول الديمقراطى  كما أن العديد من حالات الانفتاح السياسى كانت فى الحقيقة لحظات تمثل مرحلة ضعف غير مسبوق للنظام السلطوى الحاكم، ولم تكن بسبب ضغوط مجتمعية من أجل الديمقراطية، ولكنها كانت بسبب وقوع تلك الأنظمة فى أزمة مالية حادة، وضعف عام للدولة، أو تهديدات خارجية.

فبحلول العقد الأول من القرن الحالى،  أدت عوامل تحقيق النمو الاقتصادى،  وإعادة بناء الدولة، ووجود بيئة دولية متسامحة أو متهاونة، إلى تراجع مستوى ضعف واضطراب تلك النظم السلطوية الذى كان يميز كثيرا من دول أفريقيا، ودول الاتحاد السوفيتى السابق، ودول آسيوية أخرى، خلال بداية فترة ما بعد الحرب الباردة.

وبالتالى، فإن التحول من أنظمة سلطوية ضعيفة أو غير مستقرة إلى أنظمة سلطوية أيضا لكنها أكثر استقرارا يُرى غالبا على أنه حالات فشل ديمقراطى،  ويؤخذ أيضا كدليل على ذلك «الركود» الديمقراطى،  لكن ذلك ينطوى على رؤية مضللة، كما يقول الكاتبان.

وفى نهاية الدراسة، يرى الكاتبان أن الديمقراطية تظهر أنها «عصية» على التراجع، وتظهر تحديا واضحا للظروف التى يمر بها العالم. ويقول الباحثان: «عندما أطلقت مجلة JournalofDemocracyعام 1990، كانت هناك 38 دولة من الدول النامية ودول ما بعد سقوط الشيوعية، صنفت من قبل مؤسسة فريدوم هاوس على أنها «حرة». وفى عام 2014، وصل هذا العدد إلى 60 دولة.

وبهذا تكون الدول التى ظهرت فى أمريكا الجنوبية، ووسط أوروبا قد عاشت ما يقرب من ربع قرن من الزمن أو أكثر، ويرى الكاتبان أن هذه الدول نجت من أزمات اقتصادية عاصفة، ومرت بمراحل إصلاح اقتصادى جذرى

وخلال العقد الماضى،  كانت هناك العديد من التطورات العالمية التى مثلت تهديدا للديمقراطيات الجديدة، وتضمن ذلك الأزمة المالية العالمية فى الفترة ما بعد 2008 فى الدول الغربية، وتأرجع نفوذ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى،  وازدياد قوة الصين وروسيا، وزيادة عوامل الثقة الذاتية لدى كل منهما، ومع ذلك كان عدد الدول التى شهدت تراجعا ديمقراطيا قليلا للغاية.

وبالتالى، يمكن وصف حالة الديمقراطية فى العقد الماضى بأنها كانت عصية على التراجع، وكانت تتميز بمقاومة عوامل الانهيار الديمقراطى،  وهو ما يتطلب دراسة مستفيضة من وجهة نظر الكاتبين.

الدراسة الثانية: مواجهة التراجع الديمقراطي

المؤلف: لارى دايموند

يقول دايموند إن عام 2014 كان يمثل الذكرى الأربعين للثورة البرتغالية التى دشنت ما وصفه المفكر صمويل هنتنجتون بـ «الموجة الثالثة» للتحول الديمقراطى العالمى

وعندما بدأت هذه الموجة الثالثة للديمقراطية عام 1974، كانت هناك فقط 30  % من دول العالم المستقلة هى التى تفى بمعايير الديمقراطية الانتخابية، كما يقول الكاتب. فى ذلك الوقت، كانت هناك فقط 46 دولة ديمقراطية فى العالم، وكانت معظم هذه الدول هى دول الغرب الليبرالى الثرية، بالإضافة إلى بعض الدول التى كانت تعد جزرا صغيرة، وكانت قبل ذلك مستعمرات بريطانية.

كما كانت هناك ديمقراطيات أخرى نامية، مثل الهند، وسريلانكا، وكوستاريكا، وكولومبيا، وفنزويلا، وإسرائيل، وتركيا.

ويرى دايموند أن الاتجاه الإيجابى الذى كان سائدا فى تلك العقود الثلاثة كان يوازيه توسع ملحوظ وثابت فى مستويات الحرية (مثل الحقوق السياسية، والحريات المدنية، كما تقيسها منظمة فريدوم هاوس كل عام).

ثم تحسن الوضع تدريجيا فى فترة السبعينيات والثمانينيات. وفى غضون 25 عاما من بين تلك الأعوام البالغ عددها 32 عاما– فى الفترة ما بين عامى 1974 و2005 - تحسن متوسط مستويات الحرية فى العالم أيضا.

لكن فى عام 2006، أصبح توسع الحرية والديمقراطية فى العالم فى وضع جمود طويل، فلم يكن هناك توسع فى عدد الدول الديمقراطية الانتخابية، الذى تأرجح ما بين 114 و 119 دولة (أى بنسبة 60  % تقريبا من دول العالم).

كما تراجع عدد كل من الديمقراطيات الليبرالية والانتخابية بعد عام 2006 بشكل عام، ومنذ ذلك العام أيضا تراجع متوسط مستوى الحرية فى العالم بشكل طفيف ليصل إلى 3.30 نقطة.(على مقياس من 1 إلى 7 نقاط، حيث النقطة 1 تمثل الدول الأكثر حرية، والنقطة 7 تمثل الدول الأكثر قمعية).

ويقول دايموند إن العقد الماضى يمكن النظر إليه على أنه يمثل فترة أولية لتراجع الديمقراطية، ولإثبات ذلك نحتاج إلى فحص عوامل عدم الاستقرار والركود فى الدول الديمقراطية، بالإضافة إلى التراجع المتزايد للديمقراطية فيما يعرف بـ «المنطقة الرمادية»، كما يصفها أستاذ العلوم السياسية، توماس كاروثرز، وهو التعريف الذى يتحدى التصنيف المبسط للفارق ما بين الدول التى يمكن أن توصف بأنها ديمقراطية أو غير ديمقراطية.

ويرى دايموند أن من المفارقات الحتمية فى حقل البحوث السياسية أن الازدهار فى دراسات الديمقراطية المقارنة قد صاحبه اختلافات جوهرية فى الآراء بشأن كيفية تعريف وقياس الديمقراطية.

ويتحدث المؤلف عن أربعة أسباب أو عوامل تدلل على ذلك التراجع فى الديمقراطية، و تدعو للقلق أيضا، وهى:

1 - هناك معدل واضح ومتسارع للانهيار الديمقراطى:

2 - جودة الديمقراطية أو استقرارها يتراجعان فى عدد من الدول المهمة التى تمثل أسواقا صاعدة، والتى يلقبها دايموند بـ «الدول المتأرجحة». 

3 - تعمق السلطوية أو الاستبداد، بما فى ذلك فى بعض الدول الكبيرة والمهة من الناحية الاستراتيجية.

4 - الأداء الضعيف للدول الراسخة ديمقراطيا، مثل الولايات المتحدة، وغياب الإرادة والثقة فى الذات فى دعم الديمقراطية بشكل أكثر فاعلية فى الخارج.

ويعتمد المؤلف بشكل أساسى على البيانات والمعلومات التى تصدرها مؤسسة فريدوم هاوس للتدليل على تراجع الحقوق السياسية والحريات المدنية على مستوى العالم، خاصة فى الفترة من 2005 وحتى 2014.

ويطرح المؤلف فكرة  مفادها أن الفشل فى كبح جماح الحكومات والنظم الفاسدة والمتعطشة للسلطة، وعودة النظم السلطوية القمعية للظهور على المسرح العالمى مجددا، وتراجع دور الولايات المتحدة واهتزاز ثقتها فى ذاتها، كلها من العوامل التى أدت إلى ذلك «الركود» الديمقراطى

إن المكونات الرئيسية للديمقراطية، كما يقول دايموند، تتنوع على مقياس أفقى ذى طرفين، ومن بين أهم هذه المكونات حرية التعدد الحزبى،  ووصول المعارضة إلى وسائل الإعلام، وتمويل الحملات الانتخابية، وعدم الحرمان من الحق فى التصويت، ونزاهة وحيادية هيئات إدارة الانتخابات، والمدى الذى تتاح فيه للفائزين بأصوات الناخبين السلطة الفعلية للحكم.

وذلك التنوع يقابله أيضا تنوع فى الأبعاد الأخرى لجودة الديمقراطية، مثل الحريات المدنية، وحكم القانون، والسيطرة على الفساد، وقوة مؤسسات المجتمع المدنى،  وغيرها من الأبعاد.

لكن تبقى أيضا هناك إشكالية فى تصنيف تلك الدول التى تقع فى «المنطقة الرمادية»، حيث هناك بعض النظم الانتخابية ذات التعددية الحزبية التى لا تفى بوضوح بمتطلبات الديمقراطية، والبعض الآخر منها لديه عيوب خطيرة، لكنه مع ذلك لا تنتفى عنه صفة الديمقراطية بالكلية.

ويقول الكاتب إن هناك تحديا منهجيا فى تعقب تلك الانهيارات فى الديمقراطية يتلخص فى تحديد تاريخ أو موعد دقيق لحدوث ذلك الفشل الديمقراطى الذى نتج عن عملية تدهور منتظم،  وفعلى فى الحقوق السياسية، والحريات المدنية، وحكم القانون.

ويضرب دايموند مثالا لذلك، ويقول إنه لا يوجد عالم سياسى جاد يمكنه أن يعتبر روسيا اليوم مثلا دولة ديمقراطية، لكن كثيرين كانوا يعتقدون أنها كانت ديمقراطية انتخابية تحت حكم الرئيس السابق بوريس يلتسن.

وإذا استطعنا أن نحدد عام 1993 كبداية لتلك الديمقراطية فى روسيا، كما تقر ذلك مؤسسة فريدوم هاوس، فمتى بالضبط يمكننا أن نحدد نهاية تلك الديمقراطية. وبينما تعتبر فريدوم هاوس عام 2005 هو بداية ذلك التاريخ لروسيا، يقول دايموند : «لكننى أعتقد أن النظام السياسى الروسى تراجع خلف الحد الأدنى للشروط االتى يحتاجها أى نظام ديمقراطى انتخابى خلال عام 2000، والذى شهد تزويرا انتخابيا قدم لبوتين فوزا مشكوكا فى صحته من الجولة الأولى، وما تلى ذلك من تراجع فى التعددية السياسية.»

وبالنسبة لتركيا، يرى الكاتب أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يقوض الديمقراطية التعددية والحرية فى البلاد بشكل تدريجى فى السنوات القليلة الأخيرة. لكنه يرى أيضا أن الاتجاهات السياسية فى تركيا أصبح يصعب تمييزها بسبب أن بعض التغيرات التى أجراها الحزب الحاكم جعلت تركيا أكثر ديمقراطية من خلال إزاحة الجيش عن المشهد السياسى،  وصعوبة حظر الأحزاب السياسية التى تسيىء إلى مكونات «الدولة العميقة» التى ترتبط بالإرث العلمانى لكمال أتاتورك.

لكن الحزب الحاكم بسط سيطرته السياسية بشكل تدريجى،  وزاد من نفوذه على السلطة القضائية ونظم الإدارة، وألقى القبض على الصحفيين، وعمل على تخويف المعارضين فى الصحف والمؤسسات الأكاديمية، هذا بالإضافة إلى تركز السلطة فى يد الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، كل هذه الأمور تدعو للقلق على وضع الديمقراطية فى تركيا.

ويرى دايموند أن هناك عددا من الأنظمة التى شهدت تراجعا كبيرا فى النزاهة الانتخابية والتعددية الحزبية والمساحة المدنية المتاحة للمعارضة، وذلك نتيجة لأن  السلطة التفيذية التى تستغل صلاحياتها تعمد إلى تركيز السلطة فى يدها، فضلا عن توسيع نفوذ وسيطرة الحزب الحاكم.

وأكثر الأمثلة المعروفة فى ذلك الشأن منذ عام 1999 هى روسيا،وأربع دول من أمريكا اللاتينية، وهى فنزويلا، ونيكاراجوا، وبوليفيا، والإكوادور.

وفى قائمة تضم 25 دولة شهدت تراجعا ديمقراطيا منذ عام 2000، يقول دايموند إن 18 دولة من بين هذه الدول تراجعت ديمقراطيا بعد عام 2005.

وكان التراجع فى ثمانية دول من هذه القائمة نتيجة للتدخل العسكرى المباشر، وفى حالتين فقط (هما نيبال ومدغشقر) كان التراجع بسبب إزاحة الحكام المنتخبين من قبل قوى معارضة أخرى.

وكان التراجع واضحا  أيضا فى أربع دول أخرى من بين دول هذه القائمة، وجاء فى صورة تزوير واسع فى الانتخابات، أو إجراء تعديلات أحادية الجانب على القوانين الخاصة بإدارة العملية الإنتخابية، والتى دفعت أحزاب المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات فى بنجلاديش.

وكانت هناك تسع حالات أخرى أيضا فى هذه القائمة تمثل سوء استغلال السلطة، وخنق الديمقراطية بالتدريج من خلال السلطة المنتخبة.

ويقول دايموند: «بعيدا عن الفشل الديمقراطى،  هناك أيضا اتجاه لتراجع الحريات فى عدد من الدول والمناطق منذ عام 2005. وتشير النتائج التى عرضتها مؤسسة فريدوم هاوس إلى أن كلا من الأعوام الثمانية المتتالية من عام 2006 إلى 2013، تراجعت دول أكثر فى الحريات مقارنة بالدول التى تحسنت».

ويؤكد دايموند على أن دول أفريقيا تراجعت فى مستوى الحريات بشكل ملحوظ، وقال إنه إذا قارنا نقاط الحرية فى نهاية 2005 ، نهاية 2013، فسوف نرى أن 29 دولة من بين الدول الـ 49 الواقعة جنوب الصحراء الكبرى (أى نحو 60  % منها) تراجعت فى مستوى الحريات، مقابل تحسن 15 دولة فقط (أى نحو 30  %).

كما شهدت 20 دولة أخرى فى المنطقة تراجعا فى الحقوق السياسية، أو فى الحريات المدنية، أو فى كل منهما.

ويرى دايموند أن المدافعين عن حقوق الإنسان فى الصين، ونشطاء المجتمع المدنى يتعرضون لاعتداءات وانتهاكات متزايدة.

ويعتقد دايموند أن تراجع الديمقراطية خلال السنوات الثمانى الماضية يعود فى جزء منه إلى لجوء الأنظمة السلطوية لعدد من الطرق والآليات، ومن أبرزها سن القوانين التى تجرم تدفق التمويل والمساعدات الدولية لدعم الأحزاب  والحركات الديمقراطية، ووسائل الإعلام المستقلة، ومؤسسات مراقبة الانتخابات، ومؤسسات المجتمع المدنى، بالإضافة إلى الحد من قدرة منظمات المجتمع المدنى على العمل بحرية وفرض قيود عليها.

كما يرى دايموند أن هناك تراجعا أيضا حتى فى دول الديمقراطية الغربية الراسخة، خاصة الولايات المتحدة. ويضرب مثالا على ذلك بعدم قدرة الكونجرس ـ على سبيل المثال ـ على تمرير قانون الموازنة، وواقعة الإغلاق العام للمصالح الحكومية عام 2013، وهى أمثلة تعطى دلالة على وجود استقطاب متزايد وجمود سياسى أيضا.

كما أن تراجع أعداد الناخبين، وغياب الشفافية فى الإنفاق على الحملات الانتخابية، وظهور دور المال السياسى فى تمويل تلك الحملات، يعد دليلا آخر على أن الوضع الديمقراطى ليس على ما يرام.

هذا بالإضافة لوجود إدراك دولى لتراجع دور الولايات المتحدة فى دعم الديمقراطية فى الخارج، ولم يعد ذلك أولوية فى السياسة الخارجية الأمريكية.

ويختتم دايموند دراسته بالقول إن الصورة ليست قاتمة بالكامل، حيث أننا لم نشهد «موجة ارتدادية ثالثة» عن الديمقراطية. كما أنه ليست هناك نظم ديكتاتورية فى العالم تظهر استقرارا واضحا على المدى البعيد.

كما أن عوامل مثل التقدم الاقتصادى،  والتنمية، والعولمة، وثورة المعلومات،  تعد وسائل مهمة لتقويض كل أشكال التسلط، ولتمكين الشعوب والأفراد.

ويعتقد الكاتب أنه فى غضون العقدين القادمين، سوف يكون الاتجاه السائد نحو الحرية والمساءلة، والحقوق السياسية من أهم التحديات التى ستقف أمام الحكم فى الصين، وفيتنام، وإيران، والعالم العربى،  ويرى دايموند أن الديمقراطية يمكن أن نراها فى الأفق فى العديد من الدول، وأنه لا يجب أن نفقد الأمل.

 

نقلاً عن: جريدة العرب