Menu
حضارة

أدب وثقافة الخلاف

بوابة الهدف الإخبارية

maxresdefault

في ثورة عمرها الحقيقي أكثر من 60 سنة، لا يمكن لأي أحد ان يتخيل عدم وجود ثقافة ومعايير او ضوابط ناظمة للعلاقة بين مكونتها، فطبيعة الاجسام والمؤسسات تفرض تطوير معاييرها ولوائحها ونظمها ونمط تعاملها، بعد كل تحد او ازمة تمر بها، بما يضمن عدم تكرار هذه الازمة، ونزع مسبباتها واغلاق الثغرات التي ادت اليها.

لكن في الحالة الفلسطينية، تغيب هذه المعايير، او يجري تغييبها، لحساب العديد من الجوانب والنزعات الفردانية، والفئوية او الجهوية، او المزاجية، هذا هو واقع الحال وليس علينا ان نخجل من وصفه او الحديث عنه، فما يستوجب الخجل هو وجود هذا الواقع واستمراره بدون معالجة.

الازمات المتكررة كأنها نسخ كربونية بين قوى الثورة، لم يكن سببها الحقيقي هو انتقاد أحد الفصائل لمواقف وسياسات فصيل آخر، بل عدم نجاحنا حتى اليوم في تشكيل وحماية منظومة القيم التي يجب ان تحكم هذه العلاقة، فحتى هذه اللحظة لا زال يصنف النقد كاعتداء، والخلاف كمشاجرة والالتقاء كزواج كاثوليكي لا يجب ان يشوبه اي فراق في اي موقف سياسي، لكن حقيقة السياسة تقول ان كل هذا خاطئ، وليس خاطئ فحسب بل كارثي ايضا.

 فمن يقف في موقع او يجلس على كرسي المسؤولية عليه ان يفهم انه اقر ضمنيا باستعداده لمناقشة سياساته، وانتقادها من قبل كل الفرقاء والحلفاء السياسيين، بما في ذلك أقرب الحلفاء، أو ألد الفرقاء، ومن يدير المؤسسات الوطنية عليه ان يدرك ان هذه المؤسسات هي اولا ملك عام وحصيلة تضحيات مشتركة وليست ملكاً خاصاً، ومن يدير الموقف السياسي عليه ان يدرك الفارق بين التقرير فيه والذي يجب أن يكون في كل الأحوال نتاج بحث وتقرير في المؤسسات الوطنية الموحدة، وبين الإدارة لتنفيذ الموقف المقرر خاصة وأن تبعات ذلك ستقع على الجميع، لذلك بالذات فان من حق الجميع نقد كيفية ادارة المؤسسة، وكيفية ادارة الموقف، فجميعنا سندفع الثمن، وقد خبرنا ذلك.

اما ادواتنا في الاشتباك السياسي فحدث ولا حرج، فمن بيانات التهديد التي لا يملك اصحابها صولة ولا جولة في وجه المحتل الغادر، الى وصلات التشهير والشتائم، الى خلط القضايا وتجاوز نقطة الخلاف الاساسية باتجاه التصويب على الشخوص لا تناول القضايا، هذا واكثر.
رغم طوفان التسخين الذي يجتاح المشهد الفلسطيني خصوصا في العلاقة بين كبريات فصائل منظمة التحرير مؤخرا، فإن الوقت مناسب تماما لنستذكر ان المؤسسات ناهيك عن الدول والمشاريع الكبرى تبنى على قواعد واضحة.
ليس اولها الاعتراف الجمعي بالشراكة في المؤسسات الوطنية، وبجماعية هيئات اتخاذ القرار، وبالرفض المطلق والواضح للفردية وتجريمها، هذا ناهيك عن تحلي الجميع دون اي استثناء بأدب وثقافة الاختلاف، بما يضمن عدم اساءة هذا الاختلاف بشكل اكبر لواقع شعبنا المأساوي.

اما عن منطق التهديد والتهويل فلا رد له او عليه، الا دعوة اصحابه للانطلاق في تنفيذ تهديداتهم، فهذه ساحة قتالهم الحقيقي، إذا ما غابت عن عيونهم دبابات الاحتلال وجنوده ومستوطنيه، واعتداءاتهم اليومية على ابناء شعبنا.