على مدار الساعة
أخبار » آراء

خياران أمام الفلسطينيين

24 آذار / أبريل 2016

حسناً فلندع الثوابت و الشعارات و الخطب و الرومانسية جانباً، لنقرأ المسائل بلا أية خلفية ايديولوجية.

أستطيعُ الزعم بأن خيارين فلسطينيين لا ثالث لهما، إلا استخدام أسلحة الدمار الشامل التي لا نمتلك أيا منها، خياران يبرزان الآن بجلاء، الأول هو التسليم و الخضوع الكامل لسلطة الصهيونية على كامل أرض فلسطين التاريخية، و الثاني إيجاد مخرج للمأزق الفلسطيني القاتل.

لقد سقطت خطة دليلة، و لم تستطع قص شعر شمشون، و بالتالي فشل الرهان المُر على أوسلو، لا بل إن الذكاء الصهيوني أودى من خلال الاتفاقات غير المتكافئة بقوةِ جزءٍ كبير من فاعلية المقاومة ذاتها، حتى التي ترفض الاتفاق و لم تشارك بحرف واحد منه،بينما فشلت عبقرية التفاوض الفلسطينية في جني الاستقلال المجتزأ " المرحلي"، فكانت المسيرة الضبابية منذ العام 1994 ، بل منذ 1982 ، الذي شكل نقطة بدء التراجع التراكمي في المشروع الوطني الفلسطيني ، إثر الخروج المذل و الخاطئ من بيروت، و الذي تم علاجه بالأغاني الحماسية التعويضية، التي تطالب بأن يشهد العالم على بطولاتنا ، و على خيباتنا الكبرى أيضاً.

قيل أثناء قدوم أوسلو بأننا سنضع موطئ قدم على أرض فلسطين، و هذا جيد عموماً من حيث الفكرة، لكن الثمن كان فادحاً، بفعل استكماله في لحظة ضعفنا الراهنة آنذاك، لا بفعل قوتنا السابقة المؤثرة، و بالتالي و ضعنا موطئ قدم لكن في الهواء، لأننا وصلنا موطن الضعف.

سيخرج من يقول لك الآن: إذن نحن من  تأخر!،

لا، لم نتأخر، بل على العكس كان يجب أن نصبر حتى نجتاز مرحلة التشتت و الوهن التي سادت في الثمانينات و التسعينات، لنكتسب فترة استراحة المحارب المشروعة، لا أن نستعجل القلق على المصير بفعل الخوف من التلاشي في المنافي، وهو ما يبدو اليوم واضحاً من تبعات ذلك كله، أعني الواقع الهزيل المستمر منذ أكثر من عشرين عاماً، الذي كادت تطيح بفحواه و بناه و كينونته الانتفاضة عام 2000 لولا المتغيرات الدولية المفتعلة،

 من يصدق بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جاءت كفعل مصيري مستميت لإنقاذ وجود الكيان الصهيوني؟، فكانت مسرحية بن لادن، ومن يصدق بأن دعم المشروع الإسلاموي الظلامي في فلسطين و المنطقة و تقويته جاءت لسحق وجود منظمة التحرير بالكامل بعد إضعافها إثر هزيمة 1982 البطولية و استكمالها بالانشقاقات المدعومة دولياً و إقليمياً، وماكينا المحاصرة و التضييق المنظم، و حرب نبيه بري بالاتفاق مع أوري لوبراني للقضاء على ما تبقى من رمق في المخيمات ؟،

لا أحد يريد فهم ذلك، لأن الجميع يغطي وجهه بكلتي يديه خوفاً من الحقيقة، حقيقة الضعف و ما يتبعها.

أُنتج عن ذلك كله ترتيبٌ سياسي دولي و إقليمي و إسرائيلي، فتمت صناعة الظروف المناسبة لعقد مباحثات اوسلو في الخفاء، و قد تم التمهيد لها بمسرحية مدريد، حيث باتت الفرصة مناسبة لسحق الوجود الفلسطيني في الكويت، و للإطاحة بالعراق، من خلال تجويعه و حصاره بوصفه المؤثر الأكبر على الكيان الهزيل، و الداعم غير المشروط للقضية الفلسطينية بفعل احتياجات الدكتاتورية المتميزة آنذاك.

من يستطيع من الفلسطينيين إيراد فائدة سياسية أو اقتصادية واحدة اليوم تم جنيها من الاتفاقات" باستثناء الفوائد الطفيفة" التي دفع ثمنها غالياً مضاعفاً..

و لكن ماذا عن الاحتلال ؟، ببساطة فقد تخلص من عبء كونه احتلالاً، و كسب شرعية دولية أكثر، تغطي كونه يجمع كل ما منعه القانون الدولي و الشرعية، و مبادئ السلم العالمي و إعلانات حقوق الإنسان، و بدل الهيمنة عبر استهلاك مقدرات عسكرية و اقتصادية، أضحى أول احتلال مباشر في التاريخ تصعب تسميته، ذلك أن للفلسطينيين سلطة ووزراء و أجهزة أمنية و مؤسسات، و كان القصد من المؤسسات الاستعاضة الشكلية عن مؤسسات  منظمة التحرير" الثورية" المغدورة، مؤسسات على مقاس الاحتلال.

باتت المؤسسات الاحتلالية تحت عناوين فلسطينية، و عندما أدرك الراحل عرفات ذلك و قرر الخروج منه عبر الاستفادة من الانتفاضة تم حصاره و اغتياله و قبله أبو علي مصطفى، و تم سحق الانتفاضة، بينما ساعدت إسرائيل في كل ذلك نشاطات المقاومة الاستعراضية التي نفذت الرغبة بعسكرة الانتفاضة، بل و بتشويه صورتها بمن خلال العمليات التي قام بها أبطال فدائيون شجعان بلا شك، لكنهم استغلوا لغايات أخرى كانت في ترتيبات فصائلهم مع الخارج .

بالمقابل أمعنت القيادة الرسمية في الترهل الفكري و العملي، لتتشبث بمبدأ التفاوض و كأنه قرآن منزل، و ما يتبعه طبعا من تنسيق أمني و ركوع اقتصادي استهلاكي، و تحطيم وهدر للمكتسبات التي تم دفع ثمنها بأكثر من سبعمائة ألف شهيد و ملايين الجرحى و الأسرى.

هل هناك من يستطيع إعطاء سبب واحد للتمسك بأوسلو و العلاقات و الالتزامات الناتجة عنه، و هل من يستطيع الحديث عن أيٍ من قضايا المستقبل الآن؟.

... الخيار الثاني هو إيجاد مخرج، مخرج حقيقي ، لا وهمي يرتل كل يوم الدعوة لإنهاء الانقسام، فلا حماس مستعدة لذلك بفعل نضالها الدؤوب من أجل تحقيق الانقسام كشرط لقبولها وبقائها برمته، و لا فتح الغائبة عن أجندة قادتها الملتزمين بثوابت و لاءات مفادها: لا لوقف التفاوض و التنسيق و الذهاب إلى الهلاك، أيُّ بناء للوحدة إذن و بين من؟.

 هل يجرؤ أحد على القول بأنها مستحيلة و أنه لا حل إلا بسحق طرفي سلطتي الحكم الذاتي، سلطتي التقاسمية العصاباتية، هاتان السلطتان المتآمرتان عن وعي و تخطيط مسبق على المستقبل الفلسطيني، أي حمق هذا الذي لم ير و يفهم بأن حماس خططت أو خُطط لها قبل أن تنطلق حتى ، لايجاد لحظة للاستيلاء على قطاع غزة و استكمال تحطيم المنظمة، أو أن يرى تيار فتح المفاوض الأبدي يحمل قضيته بغير شارع أوسلو، كلاهما يقوم بمهمته!.

لم يبق إذن إلا القوى الهزيلة التي تُكنى بالعلمانية أو اليسارية، و التي لن يسمح لها بسهولة بالخروج من هزالها، لكنها قادرة إن تواجدت الإرادة بالالتحام مع الشعب مباشرة، وهو بالمناسبة ينتظرها على الباب ، لا المراهنة مع فصائل السلطة في رام الله أو غزة المحتلتين بوكالة من المحامي الدولي و الإقليمي، و اللتان ستجاهدان باسم الله و الوطن و الشهداء ضد أي " وحدة" ذلك أن الانقسام و التشتيت مهمتها وسر وجودها و الرضا عنها!.

في زمن ينزل الشبان في الضفة على أرض المواجهة بكل كرامة و وعي متجدد لا يوصف، لم يبق إذن سوى الفصيلين اللذين يندبان الحظ و الزمن لتبرير السكونية، و بكل وضوح الجبهة الشعبية أولاً و الديموقراطية ، هما القادرتان على كسب نبض الشارع، خاصة الشعبية لما تحظى به من ثقة و احترام تاريخيين واسعي الطيف، لكنها لا تستغل" بالمعنى الإيجابي لا الانتهازي" ذلك فعلياً ، و تطور بنيتها و أدواتها، و تعيد ترتيب الثوابت دون خطابية ، يبدو هذا هو الأمل الوحيد وطنياً، و هو ما تدركه حكومة الاحتلال و توابعها، لهذا فإن من يراهن على أن وقف الحصص المالية لن يتبعه إجراءات أخرى فهو واهم، فقد جرى الأمر بضغط إسرائيلي لتجفيف منابع النهوض الفلسطيني القادم،و هو ما لا يستطيع الرئيس التصريح به، و هذا سر الغموض الذي رافقه.

بقي أن نسأل القوى و الشخصيات المنظمة و المستقلة التي يعول عليها للنهوض الوطني ، ماذا أنتم فاعلون؟

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

وليد عبد الرحيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر