Menu
حضارة

الموسيقى أو حين تتسع الزنزانة لأمتارٍ من حرية

اندي دوفرين

محمود أبو ندى

في أحد مشاهد فيلم "The Shawshank Redemption"، يُشغِّل السجين أندي دوفرين اسطوانة فونوغراف "زواج فيغارو" الشهيرة، إحدى روائع موزارت. يترجل نزلاء عنابر السجن من أسرّتهم ولهوهم بخشوع ليترصدوا صوت الموسيقى المتسلل بخفة من مكبرات الصوت إلى آذانهم المشتاقة والمذهولة.

كلحن ريفي هادئ تسبح الموسيقى في الهواء الرطب والآذان. المشهد مبهر، يشبه تلك البحة التي تنفلت بعفوية من حنجرة أم كلثوم متسلقةً حبالها الصوتية في أوجِ سلطنتها، وهي تردد: "كان لك معايا..."، متسربةً تحت جلدِ كل من سمعها. بدت الدقائق وكأنّها سماء رحبة صافية لا تخاف منافسة أي اتساعات أخرى لها، ككّل الأعياد والكرنفالات والضحكات المندفعة من قلوب الصغار.
دقائق من حرية، من موسيقى، كلفت أندي أسبوعين في السجن الانفرادي. بعد خروجه من الانفرادي ولوم أصدقائه له على فعلته، وهل يستحق فعل سماع مقطوعة موسيقية قضاء أسبوعين في زنزانة انفرادية؟ في خضم ذلك المشهد يدور الحوار الآتي بين أندي وصديقه ريد:
- "
هذا هو جمال الموسيقى، لن يستطيعوا أن يأخذوها منك، ألم تشعروا أبداً بمثل هذا الإحساس تجاه الموسيقى؟."

"-حسناً، كنت أعزف هارمونيكا عندما كنت شاباً، وبالرغم من ذلك فقدت الاهتمام بها، لم تعد تعني لي كثيراً بعد أن أتيت إلى هنا."

"-هنا الحاجة لها أشد، تحتاجها حتى لا تنسى".
- "
أنسى ماذا؟."

"-حتى لا تنسى بأن هناك أماكن في العالم ليست متصلدة، أن هناك شيئاً داخلك لا يستطيعون الوصول إليه، لا يستطيعون لمسه، شيء لك وحدك".
- "
عمَّ تتحدث؟".
- "
الأمل".
- "
الأمل شيء خطير، الأمل قد يقود المرء للجنون، ليس من فائدة للأمل داخل السجن، من الأفضل لك أن تنساه".

***

"الليلة يا سمرة يا سمارة
لا أنا كنت برا ولا مهاجر
أنا اللي جايلك من باكر
قلبي ولا البحر الهادر    
عيني ولا الجمرة الليلة"
تبدأ الحكاية (والتي هي على ذمة حفيدة زكي مراد)، في سجن الواحات المصري، خلال ستينيات القرن المنصرم، حيث كان السجناء من المعتقلين السياسيين، من مختلف الانتماءات والتوجهات السياسية، يتعرضون لمعاملة قاسية من قبل الحراس.
قرر موسيقيون منهم ابتكار أسلوب جديد لصناعة أمتار من الحرية في زنزانة تطبق عليهم من كل حدب وصوب، صناعة فرح، لم يتسنَّ لهم ذلك إلّا من خلال الموسيقى. كانت ليلة السجن تلك هي ليلة ميلاد المحامي زكي مراد، فكتب الشاعر فؤاد حداد قصيدة احتفالية بعيد ميلاد رفيق الزنزانة، كان هذا مطلع قصيدة "الليلة يا سمرا" (والتي قام بغنائها بعد ذلك محمد منير)، وتولى أحمد منيب مهمة التلحين، بوضع اللحن لها بلا آلات ومن خلال ضبط الإيقاع بما يقع تحت أيديهم بالزنزانة من صلب، للضرب عليه والغناء بشكل جماعي كسامر بسيط أوكلت مهمته للمطرب محمد حمام، الذي كتب بصوته رسالة لمن هم خلف الباب الموصد، بأن الموجودين هنا ما زالوا قادرين على صناعة أمتار "ألحان" حرية.

***

"في السجن ألفت وكتبت وعبرت واستطعت أن أهزم اليأس بالموسيقى، كانت النوتات هي الأمل وهي التي أتلمسها مع كل نغمة تخرج مني من دون آلة موسيقية ويخرج عبقها بطعم الحرية".
هكذا يبدأ مجيد مرهون الموسيقار والمناضل البحرين ي حديثه عن معنى الموسيقى في سنوات سجنه الطويلة في عهد استعمار بلاده وحتى خروجه في بداية التسعينيات.
بعد السماح له بالقراءة والكتابة والالتحاق بزنزانة جماعية بعد سنوات من الحبس الانفرادي، تلقف مجيد هذا البعث الجديد بكل ما في خياله من موسيقى، ترنم بها في غرفته، وحيداً بدأ بتأليف المقطوعات والتخطيط لكل آلة، ومتى تبدأ وأين تنتهي كل هذا على الورق من دون أن يمسك بأي منها، وكان رفيق الزنزانة الدكتور عبد الهادي خلف الذي كانت زوجته تعمل بمعهد موسيقي في دولة السويد، وتمكن عن طريقها من إيصالها للموسيقي السويدي سفن يفافيد ساندستروم، حيث أولى لما وصله من أعمال مجيد مرهون الموسيقية اهتماماً كبيراً، وعمل على تنفيذها مع انبهاره بفكرة أن يتم تلحين مقطوعات من دون أي تطبيق عملي. ولم يكن مجيد ليغفل الجانب الثوري في مقاومته القهر بالموسيقى، فقد أتم في وقت لاحق مع رفيقه الذي لحق به للمعتقل الشاعر أحمد الشملان نشيداً كانا قد صاغاه فيما سبق لرفع الحماسة بين المقاومين للمستعمر، يقول مطلع النشيد:
"
طريقنا أنت تدري
شوك وعر عسير
موت على جانبيه لكنّنا سنسير".
وبعد التحاق أحمد الشملان به في المعتقل أتم كتابة القصيدة، وقام مجيد بتأليف لحن جديد لها من دون أي تنفيذ إلا بالترديد السماعي بينه وبين رفقائه، لتصبح بعد ذلك "طريقنا أنت تدري" أحد أهم الأناشيد الثورية في تاريخ البحرين والعالم العربي بأكمله.

***

المشاهد السابقة ليست حديثاً عن الأمل على منوال بؤس ثنائية الحب والحرب، إنما عن الخلاص على طريقة أندي، ورفاق زنازين الواحات، ومجيد. عن تجربة إنسانية تعرف المستحيل، تتحسّس قسمات وجهه القاسية ولكنّها تنظر باسمةً باستهزاء ولا تخاف، إنها تعرف الدرب جيداً. بالموسيقى والحلم أضافت هذه التجربة صوتاً آخر إلى أغنية الحرية. لكن هل تستحق أن تأخذ هذه الأغنية حناجرنا؟ يا فؤاد ويا رفاقه كل هذا الحزن المسمى الحرية ما الحل؟ يا مجيد!

المصدر: شباب السفير