Menu
حضارة

رضوى عاشور: الكاتبة والناقدة.. أيقونة للمقاومة

رضوى عاشور

إيهاب السيد أحمد

بالتأكيد، ظاهرة تستلفت الانتباه وتثير التأمل والتساؤل حول كل هذا الفيض من الحضور والمحبة والاستدعاء رغم الرحيل والغياب منذ قرابة العام ونصف، احتشدت صفحات موقع التواصل الاجتماعي الأشهر "فيس بوك"، منذ أمس الخميس، بصور شخصية لها ومقولات مجتزأة من رواياتها وصفحات وأجزاء من أعمالها، ما زال الحضور عارمًا وما زالت المودة راسخة، وما زال الأثر ممتدًّا.

70 عامًا على ميلاد الكاتبة المصرية؛ المبدعة والناقدة والأكاديمية، رضوى عاشور (1946-2014) التي استحقت بلا جدال مكانة خاصة ومتفردة في نفوس محبيها؛ من تلامذتها وقرائها ومتابعيها، بما تركته من سيرة "أطول من عمر"، وكتب صارت من أهم ما أخرجته المكتبة العربية؛ نقدًا وإبداعًا وسيرة، في العقود الأخيرة، وأخيرًا بنضال إنساني وقومي ووطني صار مضرب الأمثال.

تنوعت كتابات رضوى عاشور بين الدراسات النقدية والإبداع الأدبي، وراوحت بين التدريس الجامعي والعمل التطوعي العام، كانت من أبرز وجوه حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، وعُرف عنها جرأتها وشجاعتها في الدفاع عن الحريات والتعبير والرأي، وكانت تمثل "نموذجًا ناصعًا" للأستاذة الجامعية القديرة، التي تحنو على طلابها وطالباتها بغير تدليل ولا إسراف، تحرص على غرس القيم والتقاليد الجامعية العريقة في نفوس هؤلاء، بدءًا من احترام قيمة الحرية واستقلال الجامعة والبحث العلمي، مرورًا بقيمة التفكير النقدي والإعلاء من فعل المساءلة والنقد والمراجعة وعدم التسليم بأي فرضيات سابقة إلا تحت مجهر الفحص والدرس العلمي السليم، وليس انتهاء بقيمة الأستاذ الجامعي الذي لا يغادر قاعة الدرس إلا مع خروج النفس الأخير، يحتضن طلابه ويرشدهم ويأخذ بأيديهم، وما كانت رضوى عاشور طيلة حياتها إلا تجسيدًا وتحقيقًا يسير على قدمين لهذا النموذج النادر (هل نقول المنقرض؟!).

من روايتها الأولى "حجر دافئ" إلى آخر أعمالها، وعبر رواياتها وأعمالها القصصية الأخرى، يتصل عالم رضوى عاشور الإبداعي الذي يزاوج بين ما هو فردي/ذاتي، والاحتفاء بما هو جمعي/جماعي عام. ويربط بين الوقائع الصغرى والكبرى في حيوات الشخصيات القصصية والروائية وبين ما يوازيها من وقائع في فترات زمنية متعددة محددة ومرجعية، وتاريخية أيضًا كما في عملها الروائي الكبير "ثلاثية غرناطة".

وقد ينهض التناول، في هذا العالم، على منحى شبه توثيقي ينطلق من حقائق متعارفة ليعيد رؤيتها من زاوية جديدة (كما في "قطعة من أوروبا") أو قد ينأى عن هذا المنحى، ولكنه يبلور -في الحالتين- "حقيقته" الخاصة. كذلك تتجاور في هذا العالم تجارب متباينة، تقترن بأماكن شتى، خيالية وغير خيالية، وتتجلى أبعاد مغامرة سردية خاصة؛ تفيد من حقائق التاريخ ودراساته وتحلق بعيدًا عنهما، في آن، وتقع في مجال ممتد؛ بين أعمال تجوب -بحرية-مساحات شاسعة من الأماكن والأزمنة، وأعمال مختزلة، مكثفة ومركزة، تلتقط لحظات خاطفة وتتعمق جانبا منها وفيها (كما في بعض قصص "رأيت النخل").

والعودة إلى التاريخ هاجس ملح في المشروع الإبداعي لرضوى‏، ليس بهدف استعادة الماضي‏، أو إسقاط هموم الحاضر عليه‏، أو تحويل الماضي إلى أقنعة معاصرة لإنطاق المسكوت عنه من الخطاب المقموع سياسيًّا‏، وإنما هو تجسيد إبداعي لرغبة معرفية‏، تبدأ من مقصد اكتشاف الأصل الذي يحتوي أصل الداء‏، وإعادة ترتيب الوقائع بما يؤدي إلى فهم منطقها والمنحى الذي اتخذته في تتابعها داخل سياقاتها المتعددة.

ولا ينفصل مشروع رضوى عاشور النقدي، ‏‏بوصفها ناقدة متميزة‏، عن مشروعها الإبداعي، فالتجاوب متصل بين خطاب "مقاومة التبعية" الذي تنبني عليه كتاباتها النقدية‏ (‏سواء في الطريق إلى الخيمة الأخرى‏-1977، والتابع ينهض‏:‏ الرواية في غرب إفريقيا‏-1980، وصيادو الذاكرة‏:‏ مقالات في النقد الأدبي‏-2001)‏ والخطاب نفسه الذي يتجسد إبداعيًّا في رواياتها المتتابعة‏، وبخاصة‏:‏ "سراج"‏-1992، و"ثلاثية غرناطة" ‏1994-1995، و"أطياف"‏-1999.‏

من دراساتها النقدية "البحث عن نظرية للأدب.. دراسات للكتابات النقدية الأفرو أمريكية"، وهي رسالتها للدكتوراه، والطريق إلى الخيمة الأخرى دراسة في أعمال غسان كنفاني " 1977، وجبران وبليك 1978، وهي في الأصل الرسالة التي قدمتها لجامعة القاهرة لنيل درجة الماجستير. و"التابع ينهض: الرواية في غرب إفريقيا" 1980، و"في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة" 2001، بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات المتفرقة التي كتبتها ونشرت في دوريات مختلفة، عربية وإنجليزية.

في 2009 خرجت رضوى عاشور على طلابها ببحثها القيم "الشدياق والحداثة الممكنة" الذي يقع في 148 صفحة من القطع المتوسط. في هذا الكتاب تتناول رضوى عاشور بالبحث والدراسة الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث "الساق على الساق فيما هو الفارياق" 1855 للرائد الأديب واللغوي والصحفي والمترجم أحمد فارس الشدياق 1805-1887 يطرح الكتاب السؤال: "لماذا أُسقط إنجاز الشدياق وقد أنتج النص الأدبي الأغنى والأقوى في الأدب العربي في القرن التاسع عشر؟".. ثم يجتهد في الإجابة عبر قراءة نقدية مستفيضة تستكشف النص وعلاقته بزمانه.

ويبدو أن رضوى عاشور قد قررت أن تنحو نحوًا مغايرًا في دراستها للإشكالية الأبرز في تاريخ الرواية العربية الحديث: (نشأة الرواية العربية)، أو (فجر الرواية العربية)، ولم تنطلق مما اعتبره البعض "مسلمات" أو "حقائق لا يعاد النظر فيها"، ومنها مثلا الانصياع للمقولة التي أرساها المرحوم يحيى حقي في كتابه "فجر القصة المصرية"، من أول رواية عربية بالمعنى الفني هي رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، وهي المقولة التي تابعه فيها كثيرون، من مؤرخي الأدب العربي الحديث.

رضوى عاشور، ناقدة مرموقة وكاتبة مصرية مبدعة من الطبقة الأولى، كانت تشغل منصب أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، ولدت في القاهرة عام 1946، درست اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية الآداب جامعة القاهرة، وبعد حصولها على شهادة الماجستير في الأدب المقارن، من الجامعة نفسها، انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نالت شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس العام 1975، بأطروحة حول الأدب الأفرو أمريكي.

من أعمال رضوى عاشور الإبداعية: "حجر دافئ" (رواية 1985)، و"رأيت النخل" (مجموعة قصصية 1987)، و"خديجة وسوسن" (رواية 1989)، و"سراج" (رواية 1992)، و"ثلاثية غرناطة"، ثلاثية روائية: "غرناطة" (1994)، و"مريمة والرحيل" (1995)، و"أطياف" (رواية 1999)، و"تقارير السيدة راء" (نصوص قصصية 2001)، و"قطعة من أوروبا" (رواية 2003). و"الطنطورية" (رواية 2011).

فضلًا عن كتابها المبكر، الذي يمكن أن ينتمي إلى أدب الرحلة وأدب السيرة معًا: "الرحلة: أيام طالبة مصرية في أمريكا" (1983). وقد تضمنت بعض المختارات القصصية من الأدب العربي نصوصا قصصية لرضوى عاشور، ومن هذه المختارات: "القصة النسائية العربية" (إعداد يمنى العيد 1999)، و"رائحتي شهية كالنعناع" - بالعربية والسويدية، اختيار "هنري دياب" (1002). كذلك شاركت رضوى عاشور في تحرير بعض الأعمال المهمة، منها: "ذاكرة المستقبل: موسوعة الكاتبة العربية 1873 ـ 1999" (2004).

صدر لها عن دار الشروق وحدها 6 روايات هي "ثلاثية غرناطة" 2001، "تقارير السيدة راء" 2001، و"قطعة من أوروبا" 2003، و"سراج" 2008، و"أطياف" 2008، و"فرج" 2008. بالإضافة إلى كتابها الأخير الصادر في 2013 بعنوان "أثقل من رضوى: مقاطع من سيرة ذاتية". وحاليًّا تستعد دار الشروق لطرح أعمالها الكاملة؛ الإبداعية والنقدية، في طبعة جديدة.