Menu
حضارة

مي المصري.. وثلاثة آلاف ليلة

إبراهيم نصرالله

إبراهيم نصرالله

لا نستطيع الآن إلا أن نقول إن للسينما الفلسطينية تاريخاً طويلاً، وليس بالضرورة أن نذهب بعيداً لتتبع خطوات البدايات قبل النكبة، يوم كانت الصحف تنشر إعلانات تدعو الفلسطينيين للمساهمة في تأسيس شركة وطنية للإنتاج السينمائي عام 1937، وتحفزهم على ذلك بتلك الجملة: بادر إلى دعم اقتصادك الوطني بالمساهمة في رأس مال الشركة. ولكننا سنمضي مباشرة نحو سينما الثمانينيات وما بعدها، مع ظهور أفلام لافتة، استطاعت أن تحقق انجازات كبيرة فلسطينياً وعربياً وعالمياً؛ وإن كان التطور ليس السمة الأساس لتجارب المخرجين الفلسطينيين، فبعضهم واصل، وبعضهم خذل بداياته، وبعضهم ظل يراوح بين عمل جيد وعمل ضعيف.

تجربة المخرجة الفلسطينية مي المصري، ظلت واحدة من التجارب الكبيرة، فقد أكدت طوال الوقت، أنها قادرة على تقديم الجديد المدهش بفنية عالية وحساسية إنسانية ذات مذاق خاص، وليس ذلك بغريب، فأعمال مي المصري استطاعت أن تحقق المعادلة الصعبة دائماً، فبالقدر الذي كانت تحصد جوائز المهرجانات وإعجاب النقاد السينمائيين والمثقفين، كانت تحقق النجاح نفسه على صعيد جمهور السينما، أو حتى ذلك الجمهور الذي يأتي إلى السينما مدفوعاً بقضية كبيرة تعبر عنها أفلامها، الجمهور الذي كان يخرج من العرض وقد رأى، دائماً، شيئاً مغايراً.

في كل مرة اقتربت فيها من الأطفال، كانت مي المصري المخرجة الأكثر عمقاً وقدرة على الغوص في عالمهم من بين المخرجين العرب.

ولعل ما يثير الإعجاب هي تلك العذوبة التي تملأ وجوه شخصيات أفلامها، هذه العذوبة التي تعودنا أن تتلاشى، أو تفر هاربة ما أن تقترب الكاميرا منها. وهذا ما سنلمسه في فيلمها الروائي الأول (ثلاثة آلاف ليلة) الذي يشكل إضافة للأفلام الفلسطينية، ولسينما السجون بشكل عام.

كل مرة ذهبت فيها مي المصري إلى الطفولة انصهرت فيها، كاشفة أسرارها الصغيرة وهموم القلوب الطفلة التي لم نُصْغِ إليها بوضوح حتى في حياتنا اليومية، وهي في ذلك تتجاوز موضوع فيلمها الذي هو فلسطين وأطفالها، لتعبر وطن الطفولة الشاسع، وتقودنا في أحلامه وخيالاته وهواجس تفتحه وحجم غناه، كاسرةً تلك الفكرة الساذجة التي يحملها الكبار عن الصغار وهم يتعاملون معهم باعتبارهم لا يعرفون، أو لا يدركون، وليس ثمة فرق بيننا في العالم العربي حين نطلق عليهم في بعض بلادنا اسم (الصغار) أو (الجُهَّال، أو (الجهلة) أو (العيال) أو (البزورة)…!

قدمت مي المصري وبخاصة في ثلاثيتها : أطفال جبل النار، أطفال شاتيلا، أحلام المنفى، المساحة الأكثر طيبة وشفافية وأصالة في القلب البشري. ولذا كان من السهل علينا أن ندرك أن نجاح أفلامها في الوصول إلى قلوب البشر حيثما عرضت، قائم في هذه البراعة الفذة في إقامة الجسور بين ما هو وطني وما هو إنساني، وما هو خاص وما هو عام، وما هو محلي بكل ما تعنيه الكلمة، إلى ما هو عالمي، متجاوزة برهافة فنها حذر العالم في تعامله مع القضية الفلسطينية، هذه القضية التي أصيبت بقسوة الدعاية المضادة القوية المسيطرة. وهي بذلك لا تعيد الاعتبار إلى براءة افتقدناها، أو قضية تشاغلنا عنها، رغم كل ما يقال حول كونها قضيتنا الأولى، بل تعيد البراءة للعين البشرية والضمير البشري اللذين يرزحان في ليلهما الطويل.

لا أحد يستطيع أن يتعامى أمام هذه التجربة، كما لا يستطيع أحد المرور بها كما لو لم تكن حين يشاهدها، وقبل هذا كله، لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك الفن الرفيع الذي يحتضن فكرة مي المصري عن هذا العالم، والطريقة التي تعبّر فيها عنها حين تتخذ الطفولة لغة، وهذا ما سنراه في رمزية وجود الطفل وقوتها في فيلمها الروائي الأول.

ليس ثمة ما هو أصعب من عالم الطفولة؛ يعرف المخرجون ذلك، فالأفلام العربية التي قدَّمت الأطفال في بطولة مطلقة قليلة للغاية، ولذا تتحول مي المصري هنا إلى سفيرة لجمال هذه القضية وهي تحقق أفلامها مؤمنة أن القضايا الكبيرة يلزمها مستويات فنية عالية للتعبير عنها، وربما من هذه النقطة بالذات تغدو مطالبة بما هو أكثر باستمرار.

إن الحديث عن مي المصري مناسبة نادرة لكي يتحدث المرء بكل قلبه عن الإبداع في أرقى أشكاله وعن المبدعين وعطائهم، وعن الفن في أرقى صوره.

لم تخذل مي المصري إنسانيتها، ولذلك لم تخذل فنّها، ولم تخذل فنّها، لذلك لم تخذل قضيتها.

لقد استطاعت مي المصري أن تقدم مشروعًا فذًا لعلاقة الفيلم الوثائقي بالدرامي، على مستوى البناء وعلى مستوى الحكاية وعلى مستوى الشخصيات والرؤيا.

وكلما كنا نشاهد فيلما وثائقيا لها كنا نتساءل، ونسألها، متى ستقدم لنا فيلمها الروائي الأول.

لقد انتظرنا فيلمها (ثلاثة آلاف ليلة) كثيراً، وها هي قد أنجزته.
ثلاثة آلاف ليلة فيلم ناصع يعدنا بثلاثة آلاف شمس، نحن بحاجة إليها، وفلسطين بحاجة إليها، بتاريخها وشهدائها وأسراها وأسيراتها وأطفالها ونسائها وشبابها ورجالها. بحاجة نحن لكل هذه الشموس اليوم، وغداً، بحاجة لثلاثة آلاف شمس في هذا الواقع الفلسطيني والعربي المظلم، الذي ازدادت حلكة لياليه في السنوات الماضية، حيث لم يعد هنالك قلب واحد من قلوبنا إلا وأصيب بشظية من هذا الظلام.
وبعد:
خارجَ كلِّ الكلام
خارج كلّ الصفحاتِ المزنرةِ بالجيوش
بعد سبعِ ميتاتٍ
- وحتى – مئةِ مذبحة
سيخفقُ القلبُ كاملاً.. كلما سمِعَ:
(موطني.. موطني)

القدس العربي