Menu
حضارة

اللباس المحتشم

ريما كتانة نزال

ماذا ارتدت فتاة الخليل لينهال رجل من الشارع عليها بالضرب، هل خرجت الفتاة بملابس النوم أو ملابس السباحة؟!

والسؤال الأكثر إلحاحاً، ما هي القناعات التي عششت في رأس الرجل التي شرَّعت له وبررت له فكرياً الإقدام على ضرب الفتاة؟!

مهما كان شكل اللباس الذي ارتدته الفتاة، فليس من حق الرجل المساس بالمرأة مهما كانت معتقداته حول لباسها، لان ما ترتديه حق شخصي لها يكفله القانون، علاوة على أن الأصل في الموضوع، حريتها كما حريته في ارتداء ما يرغب به.

بداية، الخبر شيء.. وردود الفعل شيء آخر، حيث حَفلت المواقع الإلكترونية التي نشرت الخبر، بردود فعل أشنع من فعل الضرب التي تؤيِّد الرجل وتبرر له الاعتداء، وحمَّلت الفتاة وملابسها المسؤولية عن الاعتداء.

وجدير بالذكر أن الإعلام لعب دوراً سلبياً عندما قلل من حجم الاعتداء، واختار التركيز على توصيف الأذى الجسدي بالخفيف.. بمعنى أنه من وجهة نظر كأن شيئاً لم يقع، دون أن يكلف نفسه البحث في الأذى النفسي والمعنوي الجسيم الذي لحق بالفتاة وكسر كبريائها الذي لن يُجبَر بسهولة، إضافة إلى انعكاسات وتبعات ونتائج تصرف المعتدي عليها وعلى علاقتها بأهلها وردود فعلهم.

الحادثة شاذة، إقدام رجل على الاعتداء على فتاة بالضرب دون أن تربطه بها صلة القرابة، وبما يوحي بأنه يعتبر النساء ملكية عامة للذكور عامة، وتمتعهم بحق الولاية عليها وتصويبها كما يرتؤون.

الحادثة الشائنة تصبح مفهومة إنْ وُضعت في سياق ما تشهده المنطقة من أعمال قتل تجري على أساس: الهوية والدين والطائفة والمذهب والعرق.. أو قتل الآخر المختلِف، وصولاً إلى القتل على أساس الجنس، الذي يمكن أن يجتمع فيه جميع المواصفات السابقة التي تبرر القتل.

إنها سابقة في المجتمع الفلسطيني، لكن الأكيد أنها وقعت في زمن انتشار فكر «داعش» وأخواتها، وفرضها مسلكيات ونظم متخلِّفة في المناطق التي تسيطر عليها، حيث تخص النساء بنظم خاصة تنطلق من رؤية متخلفة وجاهلية، تحكم بها سيطرتها ووصايتها وتفرض ثقافة القطيع، تبعية وإلحاق وتطويع، فرض اللباس والمسلكيات..

والقائمة تطول في قواعد القهر والإكراه: الاغتصاب الفردي والجماعي والاتجار بالنساء وفتح «أسواق السبي» والإكراه على تغيير الدين والزواج، ومؤخراً أبدعت «داعش» في استخدام المرأة لقمع المرأة عبر تشكيلها كتائب «العضّاضات» لعقاب الممتنعات عن اللباس المفروض، وكل هذا يجري تحت اسم «تقويم الإعوجاج» باليد كأقوى أنواع الإيمان، لتشريع وتبرير ثقافة العنف والضرب بالحائط بكل قيم الحرية، وبما يُشيِّئ المرأة وينزع عنها إنسانيتها كملكية عامة من حق الجميع التدخل في شؤونها.

المناخ العام في المنطقة يختنق برائحة التحريض على العنف، فقد تحول الخطاب السياسي والديني إلى بندقية تقتل، وأصبحت الثقافة تدعو إلى القتل، تشرِّع وتحرِّض على الخلاص من الآخر، وتمسك بيدها القنابل والمتفجرات والمقاصل والبلطات.

فلسطين رغم خصوصيتها الوطنية، ليست بمنأى عن التطورات الاجتماعية في الإقليم، حيث العالم لم يتحول إلى قرية صغيرة فقط، بل تحوَّلت القرية الصغيرة إلى عالَم مفتوحة أبوابه أمام تبني تناقضات العالم وتوجهاته الثقافية والسياسية.

والمجتمع الفلسطيني مكشوف على تبني المقاربة الطائفية والمذهبية والأيديولوجية للصراع، فـ «داعش» ليس فقط تنظيماً مسلحاً يسعى للحكم بالقوة، بل فكر ورؤية استقطابية، ووصفة تخترق الحدود في كل مكان، تنطلق من الإيمان في فرز العالم إلى نحن والآخر، وتبرمج أتباعها على أخذ ما يريدون بالقوة فلا مكان للحوار عندهم إلا بالدم، إنهم مخلوقات غرائزية تعيش في العصر الحجري، ترغب في رؤية العالم دون تنوع أو تفاصيل، واحتقار المرأة ودونيتها واحدة من ركائزها الاجتماعية وأحد مواضيع الانتقام العسكري.

حادثة ضرب صبية الخليل وغيرها من الحوادث التي تمس ركائز المجتمع التعددي والديمقراطي الذي نريد، تطرح الأسئلة الثقافية على المجتمع وأحزابه وقواه، سؤال أي مجتمع ننساق إليه؟ وأي هوية ثقافية نتبنى؟ وكيف نمنع أن تتحول الثقافة العامة إلى أداة للقتل؟ وكيف نحمي مجتمعنا ونشرِّع عملية التغيير نحو تأسيس المجتمع المدني القائم على القانون والحقوق؟

والسؤال «المحرج» الذي لا بد من طرحه: هل هناك من يسمع ويعمل على التغيير من بين القوى السياسية والاجتماعية؟ وهل ستبقى هذه القوى في  خانة تبني المبادئ على الورق فقط؟! سؤال برسم الإجابة عليه من المعنيين، على أن يسبقه اتخاذ قرار حاسم: وقف الادّعاء ومكاشفة الذات إن كان لدى أحد الإجابة على سؤال التغيير بعيداً عن التلطي خلف الخطاب النظري المريح! قبل أن نواجه كل يوم قضية اعتداء بالضرب أو القتل وبما يشيع الفوضى والخراب..لا سمح الله.