Menu
حضارة

إسرائيل واستراتيجيات تجزئة السودان

شمعون بيرس- سيلفاكير مارديت

اعداد الدراسة: اماني الطويل

تلخيص: جابر جابر

[هذا النص هو تلخيص لدراسة للباحثة المصرية أماني الطويل بعنوان “إسرائيل واستراتيجيات تجزئة السودان ”، تم نشرها في كتاب “انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص” لمجموعة مؤلفين. والكاتبة تعمل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية]

 

يعد السودان قطر ًا ممثلاً للقارة الإفريقية بأكملها، من حيث الضخامة والتنوع العرقي والديني، كما من ناحية امتلاك الثروات والموارد، ومن حيث امتلاك التنوع المنتج للانقسامات على أساس عرقي/ديني أو كليهما. وبالتوازي مع هذا فقد ساهم الاستعمار في تعزيز الانقسام، وأدت سوكليات نخب دولة الاستقلال السوداني منذ العام 1956 إلى تكريس هذا الانقسام المنتج للصراعات المسلحة عوضًا عن توظيف التنوع باعتباره مصدر ثراء. وبذلك كان السودان كما العديد من الدول الأفريقية بلدًا منتجًا للقلاقل غير قابض على مقدراته، ومفتوحًا على فرص كبيرة للأدوار الإقليمية والدولية أيضًا، التي تسعى وراء الموارد والنفوذ دعما لمصالحها. وقد كانت إسرائيل في طليعة الدول التي سعت بدأب ومثابرة تراكمية للتأثير في المعادلة السودانية، وخصوصًا بعد مؤتمر  باندونع (1) عام 1955 حين جاءت توصيات المؤتمر لتدين إسرائيل كقوة احتلال وتؤشر إلى إمكانية تأثير كتلة باندونغ في مجريات الصراع العربي-الإسرائيلي في ضوء الكتلة الهائلة التي يمتلكها المنتدى.

لم يدرك المشروع القومي العربي الذي انطلق من مصر في خمسينيات القرن الماضي طبيعة الانقسامات في السودان، فلم يتم التعامل مع حساسيات الأقليات غير العربية على الأراضي العربية، بل تعامل مع السودان على أنه كتلة واحدة.

وقد تركزت التفاعلات العربية مع السودان على المركز دون الهامش، ولم تسع الأطراف العربية وخصوصًا مصر إلى توسيع دائرة المصالح لتشمل السودان كله وذلك لسببين، الأول هو الإدراك المتأخر للتنوع السوداني، والثاني هو ممارسة المركز في السودان ومنذ الاستقلال نوعًا من الابتزاز لمصر عن الطريق التهديد بالورقة المائية، ومن الأدلة على ذلك التهديد السوداني لمصر بقطع مياه نهر النيل في العام 1991 على خلفية التباين في الموقف من حرب الكويت . وكذلك الموقف السوداني الرافض لأي تعامل مصري مع حركة العدل والمساواة. ونتيجة لرفض النخب السودانية التعامل مع التنوع على قاعدة المواطنة المتساوية بسبب انحيازات أيديولوجية وعرقية وثقافية سَهُل على إسرائيل اختراق السودان. عناصر السياسة الإسرائيلية تجاه السودان من الأمور التي تحتل الأولوية القصوى في الدولة الإسرائيلية في تعاملها الأمني مع الدول العربية موضوع المياه، وكذلك موضوع تحجيم عناصر القوة في المحيط العربي، والاهتمام بترتيب منظومة علاقات استراتيجية مع دول التخوم مثل تشاد، الصومال، وأثيوبيا لتكون مهددًا للأمن القومي العربي.

                   

ويقوم البعض غير مبالغين بتفسير مقولة “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل” تفسيًرا مائيًا، وذلك للأهمية القصوى التي تتمتع بها المسالة المائية وخصوصًا بسبب احتلال إسرائيل لإقليم صحراوي وشبه جاف في الجنوب، وشبه ممطر في الشمال، لذا كانت المسألة المائية محل اهتمام أساسي لدى الحركة الصهيونية منذ تأسيسها. ففي تقرير بريطاني صادر في العام 1875 كانت تتم دراسة إمكانية استجلاب المياه من شمال فلسطين إلى جنوبها. في أعقاب حرب العام 1967 قالت غولدا مائير “إن التحالف مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة: النيل والفرات سيكونان في قبضتنا”. بل إن اسحاق شامير قد صرّح في العام 1991 بأنه على استعداد لتوقيع معاهدة حظر أسلحة الدمار الشامل والقبول بتفتيش المنشآت النووية الإسرائيلية مقابل اشتراك إسرائيل في اتفاقيات لإعادة توزيع المياه في المنطقة. لذا كانت السودان محط أنظار السياسة الخارجية الإسرائيلية كمصدر محتمل لمياه النيل. ومن أجل تحقيق القدرة على اختراق الجبهة الداخلية السودانية، اعتمدت إسرائيل مبدأ “شد الأطراف”،ويعني هذا المبدأ في جوهره خلق حالة شلل لأي كيان مصنّف إسرائيليًا في مراتب التهديد الاستراتيجي. ويترتب على ذلك خلق مصالح متمايزة بين مركز الخصم وأطرافه، خصوصًا مع وجود تباينات دينية و/أو عرقية بين المركز والطرف. وتترجم ذلك بمحاولات الوصول إلى الجماعات غير العربية أو بعض الأقليات الدينية في الوطن العربي، مثل الأكراد في شمال العراق، الدروز في جبل لبنان، والانفصاليين في جنوب السودان. وهنا حقق هذا المبدأ نجاحًا تامًا عبر عدد من المراحل. في المرحلة الأولى، استهدفت إسرائيل التفاعل مع السودان قبل انفصاله عن مصر. وقد ثبت وجود علاقات سودانية إسرائيلية بعد تأسيس إسرائيل مباشرة عبر علاقات تجارية لاستيراد الأبقار والقطن منذ مطلع 1950. وفي المرحلة الثانية، بدأت إسرائيل عام 1953 دعم معسكر استقلال السودان عن مصر، هادفة إلى تحجيم فرص إضافة أرصدة جديدة إلى قوة الدولة المصرية. فأقدم البريطانيون على توفير قنوات اتصال بين “حزب الأمة” وإسرائيل حيث التقى كل من الصادق المهدي ومحمد أحمد عمر بالسكرتير الأول للسفارة الإسرائيلية في لندن، موردخاي غازيت، وانصبت المطالب في اللقاء على تقديم مساعدة إسرائيلية لحزب الأمة من أجل الحصول على الاستقلال، واستمرت هذه العلاقة مع حزب الأمة حتى حصول الانقلاب الذي وصل بموجبه الفريق إبراهيم عبود إلى الحكم. ثم انتقلت إسرائيل في المرحلة الثالثة إلى محاولة التفاعل مع الانفصاليين السودانيين بعقد مقارنات تفيد بأن الجماعات الأثنية في السودان تتعرض لاضطهاد كذاك الذي تعرض له اليهود عبر التاريخ. وبعد فشل الإسرائيليين في الاتصال بالقيادات في الشمال، توجهت الأنظار نحو الجنوب وخصوصًا بعد الدعم السوداني لمصر عقب العدوان الثلاثي عليها، وخلال حرب العام 1967. وقد كانت أثيوبيا مدخلًا لهذا التدخل الإسرائيلي بداية عن طريق تقديم الدعم “الإنساني” للاجئين الفارين من الحرب في الجنوب السوداني عقب اندلاع المناوشات بين الجنوب والشمال وخصوصًا بعد العام 1958، إذ كان الكثير من الجنوبيين يفرون بأرواحهم نحو أثيوبيا. وقد كان لسياسة إبراهيم عبود دورها القوي في زيادة هذه المناوشات إثر ممارساته العنيفة إزاء الجنوب ومحاولته فرضة الأسلمة والتعريب في مواجهة جهود التبشير التي كانت تقوم بها كنائس عالمية. وكانت الاتصالات تتم مع عناصر تمثل زعامة قبائل جنوب السودان، وقد بدأت إسرائيل بتدريب عناصر من الجيش الشعبي في الحرب التي شنتها حركة “أنيانيا 1″ و”أنيانيا 2” (2) اعتبارًا من منتصف الستينيات وجرى التدريب على فنون الحرب والقتال في أثيوبيا وأوغندا وكينيا، وكانت أثيوبيا أكبر قاعدة لإيصال الأسلحة إلى جنوب السودان بدءًا من 1962. وبعد العام 1965 تطور الدعم ليشمل انتقال ضباط من القوات الخاصة الإسرائيلية -لواء غولاني والمظليين- لتدريب العناصر السودانية الجنوبية. وخلال عقد السبعينيات، استمر تدفق الأسلحة على الجيش الشعبي لجنوب السودان (3) وتلك الشحنات كانت أسلحة روسية “غنمتها” إسرائيل في حرب 1967. كذلك أنشأت إسرائيل مدرسة لضباط المشاة في منطقة “ونجي كابول” لتخريج الكوادر العسكرية لقيادة فصائل المتمردين، وكذلك استقدمت مجموعات عسكرية من الجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان لتلقي تدريبات عسكرية في إسرائيل ومن بينهم جون قرنق. واستمر هذا الدعم في الثمانينيات، خصوصًا بعد انهيار معاهدة أديس أبابا، ولكنه تراجع في التسعينيات بسبب حالة المصالحة والوفاق التي سادت العلاقات الأثيوبية-السودانية وتخلي الجانبين عن دعم الحركات المناوئة للجانب الآخر. أزمة دارفور واستغلال الانقسام المرحلة الأكثر تأثيرًا ربما كانت أزمة دارفور التي اعتمدت فيها إسرائيل مبدأ الإحاطة والعزلة المطبق لزيادة نفوذها في جنوب السودان. ويسعى هذا المبدأ إلى خلق كيانات قومية متباعدة من حيث مدركاتها الفكرية والأيدلوجية مثل الدائرة الأفريقية في مواجهة الدائرة العربية. وتشكل الحالة السودانية نموذجًا واضحًا لتطبيق هذا المبدأ، حيث تم احتواء السودان وعزله من خلال استغلال انقساماته ومحاولات تفجيرها من الداخل. وتم تصوير الصراع في دارفور على أنه صراع هوياتي: الأفريقانية في مواجهة العروبة. عانى إقليم دارفور تهميشًا سياسيًا واقتصاديًا منذ نشأة الدولة، كما أنه كان آخر الأقاليم انضمامًا للسودان، ومنذ العام 1961 والأقليم يشهد حركات تمرد على الحكومة المركزية، وفي مايو 2000 أصدرت حركة العدل والمساواة (4) ما عرف بالكتاب الأسود اتهمت فيه المركز بممارسة العنصرية ضد غرب السودان، وصنفت فيه الصراع عرقيًا. وقد أقدمت الحكومة السودانية بعملية عسكرية اتسمت بالعنف والاتساع في دارفور في محاولة لفرض هيبة الدولة بعد تنفيذ حركة تحرير السودان هجومًا على مطار مدينة الفاشر. استغلت إسرائيل النتائج المأساوية للعملية على المستوى الإنساني للفت أنظار العالم. عن هذا الاستغلال، يقول آفي ديختر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق: “إن تدخلنا في إنتاج وتصعيد البؤرة الجديدة في دارفور كان ضروريًا، وإن ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود ينبغي ألّا يتوقف، لأن تلك الجهود كانت بمثابة المداخل والمقدمات التي أرست منطلقاتنا الاستراتيجية بأن سودان ضعيفًا ومجزأ وهشًا أفضل من سودان قوي وموحد وفاعل”. “أصبح من المتعذر الآن الحديث عن تحول السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التي يطلق عليها اسم دول المواجهة مع إسرائيل” – وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق وختم ديختر كلامه قائلًا: “استراتيجيتنا التي ترجمت على جنوب السودان سابقًا وفي غربه حاليًا استطاعت أن تغير مجرى الأوضاع في السودان نحو التأزم والتدهور والانقسام، وأصبح من المتعذر الآن الحديث عن تحول السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التي يطلق عليها اسم دول المواجهة مع إسرائيل”. أما سياسات إسرائيل إزاء دارفور فقد فجرت عبر ثلاث خطوات فرعية: تصنيف الصراع في دارفور، ثم تفعيل التصنيفات الإسرائيلية عبر منظمات المجتمع المدني وجماعات الضغط والسعي إلى نشرها حول العالم عبر منصات إنسانية واخلاقية، وأخيرًا تقديم الدعم المباشر للجماعات المسلحة في دارفور. تفعيل مفهوم الإبادة الجماعية أولا ما الذي يعنيه الاعتراف بصراع ما على انه إبادة جماعية؟ في العام 2000 تم إقرار قانون دولي في الأمم المتحدة يتمثل بحق التدخل الدولي لأسباب إنسانية.وعلى الرغم من عدم انطباق مفهوم الإبادة الجماعية على ما حصل في دارفور إلّا أنه قد لجئ إلى تعميمه عبر كافة الوسائل، وتم توظيف منظمات المجتمع المدني للضغط على الفاعل الرسمي ودوائر صنع القرار خصيصًا في واشنطن، وذلك لدفع الأزمة نحو مزيد من التعقيد، ولإعاقة فرص التفاوض. وفي الوقت ذاته قامت الحكومة السودانية باعتماد الحل العسكري كوسيلة وحيدة لحل الأزمة متجاهلة أطروحات القوى الوطنية للخروج من المأزق. وتم تشكيل تحالف “أنقذوا دارفور” وذلك من جمعيات إنسانية يهودية وناشطين يهود معتمدًا على تبني مفهوم الإبادة الجماعية لطبيعة الصراع في دارفور وفقا للمقاربة القائلة بأن الأزمة في دارفور أن ضحاياها يتساوون مع ضحايا الهولوكست، حتى أن متحف الهولوكوست في واشنطن بات يضم جناحًا خاصًا بدارفور. وصدر قرار في الكونغرس معتمدًا تصنيف الإبادة الجماعية لما يحدث في دارفور، كما تم إجبار الإدارة الأمريكية على الاعتراف بما يجري على أنه إبادة جماعية على الرغم من أن كولن باول -وزير الخارجية الأمريكية وقتها- زار دارفور عام 2004 وصرّح بأن ما حصل لم يكن إبادة جماعية، لكنه وبعد أشهر فقط قام بالتراجع عن هذا الموقف أمام لجنة من الكونغرس، مع العلم بأن الكونغرس لم يرسل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق في السودان

 

تنميط الأزمة الدارفورية هذا المخالف للواقع تم فيه تجاهل تقريرين للأمم المتحدة، يقول الأول أن حكومة السودان لم تنتهج سياسة الإبادة الجماعية في دارفور مباشرة أو عبر ميليشيات تخضع لسيطرتها، ويقول الثاني أن هناك ميليشات تمارس عنفا ضد مدنيين بشكل عام وتتلقى دعما حكوميًا.

 

أي ان العنف في دارفور كان بغض النظر عن الانتماءات العرقية، وهناك شواهد على اشتباكات استخدمت فيها أسلحة ثقيلة كان طرفاها قبائل عربية، كما أن الصراعات في دارفور ذات أبعاد تاريخية، بلغ عددها منذ الربع الأول من القرن العشرين وحتى نهايته 42 صراعًا تتعلق بالخلاف على الحدود القبلية، او المرعى، أو المياه.

 

الدعم الإسرائيلي لبعض حركات دارفور المسلحة

 

أما على المستوى المحلي، فقد كان من الطبيعي أن تتبنى الفصائل المسلحة في دارفور المفهوم الغربي لما يجري في الإقليم لأن هذا المفهوم يلبي مصالحها الذاتية بغض النظر عن طبائع الأمور وحقيقتها في الإقليم، والتي تشير إلى علاقات مصاهرة ونسب بيت القبائل سواء ذات الأصور العربية أو الأفريقية. يقول عبد الواحد محمد أحمد النور، رئيس حركة تحرير السودان: “أرجو من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي التدخل مثلما فعلا في كوسوفو، وإذا لم يفعلا فإن أهالي دارفور يخشون أن ينقرضوا”.

 

في فبراير 2008 قام نور بزيارة معلنة لإسرائيل، فيما افتتحت حركته مكتبًا لها هناك. وتأتي هذه الخطوات ضمن إدراك نور أن إسرائيل هي بوابة رئيسة للاعتراف به فاعلاً أساسيًا في دارفور، وفي سبيل الحصول على رضى واعتراف اللاعبين الدوليين، في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة السودانية الاعتماد على الحل العسكري كحل وحيد للأزمة.

 

خاتمة

 

في ظل الترهل العربي الرسمي، وبدعم من سياسات مبارك الذي لعب دور السمسار بإجادة، نجحت إسرائيل في تغذية الاستقطابات الداخلية السودانية بين الشمال والجنوب، وفي حال لم تفلح النخب السودانية في تجاوز خلافاتها فإن الوضع مرشح بقوة لمزيد من التردي، وانفصال الجنوب ربما يتبعه سيناريو شبيه في دارفور.

 

______________________________________________________________________________________________________________________

(1) عقد في مدينة باندونغ الاندونيسية عام 1955 وشارك فيه الرئيس عبد الناصر بالإضافة إلى رئيس وزراء الهندجواهر لال نهرووجوزيف تيتو رئيس يوغسلافيا والرئيس السوداني إسماعيل الأزهري. تبنى المؤتمر مجموعة من القرارات لصالح القضايا العربية وضد الاستعمار. (2) الأنيانيا هي حركة تمرد سودانية تم تأسيسها خلال الحرب الأهلية السودانية الأولى في الفترة ما بين 1955 و 1972. (3) الجناح العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان التي أسسها جون قرنق. (4) حركة العدل والمساواة هي إحدى حركات التمرد في دارفور وهي حركة ثورية منشقة عن حركة تحرير السودان في 2001، ويقودها خليل إبراهيم الوزير السابق للأمن في حكومة عمر البشير.

 

المصدر: حبر