على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

حين تكون كسوة العيد للغزيين من "أكوام البالة"

04 نيسان / يوليو 2016
غزيّات يبتاعون من إحدي المحال في سوق شعبي
غزيّات يبتاعون من إحدي المحال في سوق شعبي

غزة_ بوابة الهدف_ نرمين الجدي

إلى الشمال من المفرق الرئيسي بحي الشيخ زايد شمال قطاع غزة، يمتد "سوق الأحد" الشعبي، على مساحة واسعة بحيث يُغلق شارعيْن متوازييْن، وفي الزاوية الشرقية منه ترى أرضاً مفروشةً بالحصير، مسقوفةٌ بالشادر المُثبّت بالأعمدة الحديدة، ويعرض التجار تحته أكواماً من الملابس المستعملة، والتي يعرفها الناس باسم "ملابس البالة".

في هذه الزاوية بالتحديد تزداد كثافة المُشترين، الأمر الذي يُعطيك إشارة سريعة بأن الوضع الاقتصادي متردّي في هذه المنطقة الجغرافية من الوطن، بحيث يتهافت الناس على شراء هذه الملابس التي تُباع بأسعار زهيدة جداً، كونها مستعملة، و"لماذا يشترونها الآن".. للعيد !

تجدُ نحو عشرة أشخاص، يُبعثرون قطع الملابس، ويفتّشون بهمّة داخل كومة الملابس، وكأنهم يبحثون عن بصيص حياة داخلها، بينما هم أكثر بؤساً من ذلك، لدرجة أنّهم يبتاعونها كي يُفرّحون أبناءهم في العيد الذي ينتظره القطاع المحاصر، بعد غدٍ الأربعاء.

ويعيش أكثر من 1.8 مليون نسمة في قطاع غزة، الذي يمتد على مساحة 160 كيلو متر مربع فقط، ويعاني السكان من سوء الخدمات العامة الأساسية وتدني جودتها، ويحصل نحو 80 % من سكان القطاع على شكل من أشكال الإعانة الاجتماعية ولا يزال 40 % منهم يقبعون تحت خط الفقر.

منذ سنوات قليلة، كان أهالي القطاع يشعرون بالحرج من التوجه لأسواق "البالة", إذ كانت معروفة بأنها مقصد الفقراء وذوي الدخل القليل، حتى تغيّر هذا الحال بعد عشرة سنوات من الحصار "الإسرائيلي" الذي خنق الحياة في غزة، فلم يعُد يأبه المواطنون من "بريستيج" قد يتأثّر بتوجههم لتلك المحال أو الأسواق التي تبيع "المُستعمل" من الملابس.

في "سوق الأحد"، يعرض أبو جهاد  "43عاماً" بمُساعدة أبنائه الأربعة بضاعته في الزاوية المخصصة لبيع ملابس البالة، بعدما يأس أبناؤه من البحث عن فرصة عمل، باتت شبه نادرة، رغم تخرّجهم من الجامعة بتفوق.

أبو جهاد قال لـ بوابة الهدف "إنّ أغلب ملابس البالة التي ترد إلى قطاع غزّة هي من إنتاج ماركات عالميّة شهيرة، مثل لاكوست، بولو، ليي، رالف لوبين، أديداس، ونايك، ولا يستطيع المواطن الغزّي شراءها جديدة من المحال التجاريّة التي توفّرها في غزّة, لأن أسعارها تكون عشرات أضعاف سعر القطعة الواحدة من الملابس التي نبيعها هُنا-أي في سوق البالة-".

وحول أسعار ملابس "البالة"، أوضح البائع أبو جهاد "تتراوح أسعارها ما بين شيكل واحد إلى خمسة شواكل للقطعة، فمثلاً: لا يتعدّى سعر القميص ثلاثة شواكل، والبنطال بحدود شيكل واحد إلى 2 شيكل، علماً بأن سعر الجديد منه يبدأ من سعر 60 شيكلاً بأفضل الأحوال وهذا بعد أخذ وعطاء مع البائع".

وتابع "وجدنا إقبالاً كبيراً على شراء ملابس البالة في شهر رمضان, فالعائلات كثيرة الأنفار وميسورة الحال تأتي إلى هنا لابتياع ملابس لكسوة العيد وهي من ماركات معروفة, فربّ العائلة المسئول عن عشرة أنفار وميسور الحال يأتي إلى هنا لكسوتهم جميعاً, بمقدار ما يشتريه لشخص واحد من الملابس الجديدة".  

الشاب علاء بعلوشة "33عاماً"، الذي يملك المحل القديم لوالده، وسط أزقّة السوق الشعبي لمعسكر جباليا، ويقصده سكّان المخيم، تتراوح أسعار ملابس "البالة" التي يبيعها ما بين 2- 20 شيكلاً, ويشهد محله إقبالاً كبيراً من زبائن اعتادوا الشراء منه.

قال بعلوشة لـ"بوابة الهدف" التي زارت محله، "في السابق كان يأتينا الفقراء وبسطاء الحال فقط، لكن مُؤخراً، بدأتُ ألحظ طبقة أخرى من الناس، تأتي لتبتاع من محلي، منهم موظفون ومن ذوي الدخل المتوسط إلى مرتفع، هؤلاء يشترون على استحياء، القصد أن مفهوم ملابس المستعمل تغيّر تماماً".

البائع الشاب عزا ما قاله عن تغير مفهوم شراء ملابس "البالة" إلى "تردّي الوضع الاقتصادي نتيجة الحصار والانقسام السياسي، ما سبب تفاقم مشكلات البطالة ورفع معدلات الفقر"، حسب قوله.

وفقا لآخر تقرير صادر عن البنك الدولي، فإن الحصار المستمر والحروب المتكررة في قطاع غزة قد أديا إلى خنق اقتصاد القطاع وأصبح معدل البطالة فيه الأعلى، بنسبة وصلت إلى 60%.

إحدى المُشتريات في محل الشاب بعلوشة، كانت السيدة غادة أبو جلالة "39عاماً" ،وهي أم لخمسة أطفال، كانت تتجول بين أروقة المحل بحثاً عن قمصان صيفيّة مقبولة الجودة، من ذوات الماركات الشهيرة، وبنفس الوقت تكون بأسعار زهيدة.

وقالت أبو جلالة "لا توجد مقارنة بين الأسعار بين هذه القطع من الملابس، وبين تلك التي توجد في المحال التي تبيع الجديد، فما أدفعه مقابل قطعة هنا، أدفع عشرات الأضعاف مقابل ذات القطعة التي تكون جديدة في المحال الأخرى".

تُواصل "لم أكن أفعل ذلك من قبل، أمّا اليوم فلا بأس، أحوال الناس تغيّرت, الملابس هنا ذات جودة ممتازة، وأسعارها رمزيّة، تُضاهي نظيرتها الجديدة في الأسواق العاديّة، والتي ربما تكون صناعة صينيّة وجودتها قليلة".

السيدة نالت زينة ( 44عاماً)، صادفتها "بوابة الهدف" التي تواجدت في سوق الأحد، وهي أم لخمسة عشر طفلاً، قالت "بدأت بالقدوم إلى سوق البالة قبل عشرة أعوام، حين أغلقت معابر القطاع، ولم يعُد باستطاعة زوجي مواصلة عمله في الأراضي المحتلة عام 1948، ومذاك الحين وأنا أشتري لأطفالي كسوة العيد من الملابس المستعملة, أفضل من مدّ يدي للناس أو التوسّل للناس كي أحصل على ملابس لأطفالي".

وأكملت زينة، من مدينة غزة " ملابس البالة لم تُسعفني في كسوة أطفالي فحسب، بل اتخذت منها سبيلاً للعيش بكرامة أنا وعائلتي، فأصبحت أشتري ملابس البالة من التاجر بمبلغ معين، ومن ثمّ أذهب بها للبيوت وأقوم ببيعها بضعف المبلغ تقريباً, وبهذا أؤمن مصدر رزقنا".

أورد تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن نسبة البطالة في فلسطين بلغت نحو 27.4٪ في الربع الثالث من العام 2015، وبلغ عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة وحده نحو 201.9 ألف شخص، حتى نهاية الربع الثالث من ذات العام، من مجموع نحو 357.3 ألف عاطل عن العمل في الأراضي الفلسطينية، (الضفة الغربية وقطاع غزة).

متعلقات
انشر عبر