Menu
حضارة

الملجأ...

p_908225_large

نغم ترحيني

(1)

لا مفرّ من الشرود. يرفع، أحياناً، نظره إلى الأعلى باتجاه السقف، ويحاول استعادة ذكرى بقائه على قيد الحياة، خلال شهر تموز من العام 2006. صورٌ عديدة تحضر بين عينيه العسليتين، لكن جميعها غير مكتملة الخطوط. يعلن أنّه بحاجة لمزيد من الوقت كي يتذكر بوضوح يومياته، أثناء العدوان الإسرائيليّ على لبنان ذلك الصيف.

الـ"كوريدور"، هذا الممرّ الضّيق بين باب البيت وغرفة الجلوس، غدا ملجأه الرئيسيّ في بداية الحرب. "كنّا خمسة أشخاص، أبي وأمي وثلاثة إخوة. شغلتني فكرة الإنزال الإسرائيلي وإمكانية اقتحام منزلنا. تذكّرت ما فعلته خالتي في حربٍ سابقة، وقررْتُ إخفاء صورة السيد حسن المعلقة في الغرفة المجاورة، مؤقّتاً. كانت المرّة الوحيدة التي غادرتُ فيها الكوريدور". (تنهيدةٌ طويلة) لا بدّ من استدعاء الصمت عند الانتقال من ملجأ إلى آخر. هدير طائرة الـ"MK" في رأسه، كذلك مشهد السماء المضيئة، جرّاء القصف الذي سبق ليلة انتقالهم من دير الزهراني إلى المنصورية. لا خوف هنا، بل كآبة مصاحبة لصوت مذيع الأخبار، الذي لا يسكت أبداً.

السؤال عن يوميات حرب تموز يعني الحديث عن معاناة خمسة عشر شخصاً، على الأقل، اجتمعوا تحت سقفٍ واحد. عاديّ جداً أن يقصد أحدهم بتعبير "سقف" ذلك القبو، الذي يضمّ حمارين يملكهما جدّه. يمتلئ أنفه برائحة المكان من جديد، ملجأ نتن. يخبر منفعلاً كيف استقرّوا في القبو، قبل انتقالهم إلى سوريا. "الأرضية ليست مبلطة، لكنّنا نظّفناها جيداً، وفرشناها بحصيرة وبعض الإسفنج للنوم. خطر لنا ربط الحمارين بشجرة، خارج القبو، إلا أنّ احتمال إصدارهما لحركة مشبوهة تهدّد بغارة إسرائيلية، ألغى الفكرة. حينها قررنا قضاء الليالي العشر الأولى من الحرب مع الحمير تحت سقف واحد. لا يفصل بيننا سوى ستار".

هناك في سوريا، أشار أهل البلد بعيونهم إلى اللاجئين وتهامسوا: "أنهم لبنانيون". تماماً كما يحصل في لبنان الآن مع استبدال للمواقع، فقط لا غير.

ترافق حالة الفوضى، تلقائياً، عملية البحث عن ملجأ غير متوفر في لبنان. تستقطب المستشفيات والمدارس، بجاذبيتها المحدودة، الأجساد المتنقّلة بين شظايا الغارات، في انتظار انتهائها. بين المدرسة والمستشفى صورتان متناقضتان. يضجّ ملعب بالأطفال، غير المبالين بمعنى الحرب، فيما تستنفر قاعة طوارئ مع وصول سيارات الإسعاف، لتنقل في كلّ مرة جثة أو اثنتين مع بعض الضحايا النازفين. المشترك الوحيد بين الملجأين هو الخوف من ورود خبر عاجل، يعلن عن حدوث مجزرة في هذه المدرسة، أو ذلك المستشفى.

(2)

وحدهم الكبار في السن لا يخافون ترك منازلهم. هم صامدون، إلا في حالة اضطرارهم لمرافقة أولادهم وأحفادهم إلى أماكن أخرى. يكمن الأمان، بالنسبة لهم، بالحفاظ على الإيقاع، إيقاع الحياة اليومية التي تسبق إعلان حالة الحرب. اعتاد الرجل السبعينيّ الاستيقاظ مع طلوع الفجر لإقامة صلاة الصباح، ثم النزول إلى دكانه المعتم. لطالما جهدت زوجته، التي خفّ نظرها مؤخراً، في إنهاء الأعمال المنزلية والاهتمام بالحديقة المجاورة لمنزلهما الحجريّ، قبل وقت الظهيرة. هذا الروتين لن يتغير في أيام العدوان. الاطمئنان المستمدّ من التسليم لأمر الله هو الملجأ في هذه الحالة.

(3)

قصف عمود الإرسال القريب من مكان إقامته "الآمن" نسبياً، جعله يتردّد في النظر إلى ساعة الحائط على يمينه. قرار وقف إطلاق النار كان قد صدر، وسيتمّ الالتزام به ابتداء من الساعة الثامنة صباحاً. الخوف الكبير من أن تشير الساعة إلى ما بعد الثامنة، لأنّ ذلك يعني استمرار الحرب إلى أجل غير مسمّى. نظر بعينين واسعتين: "إنها الساعة الثامنة إلا عشر دقائق.. إذاً ما زال الأمل موجودا في تحويل هذه الحرب إلى ذكرى".

تنفسّ الصعداء.

اليوم، يعود لذكريات البحث عن ملجأ حيناً، وانتظار انتهاء الأعمال الحربية حينا آخر.. لا يعرف شكل المعاناة القادمة، لكنه يعرف أنه جزء من دراما الحرب في لبنان: "بعد ثماني سنوات على آخر عدوان إسرائيليّ، لم نعرف أنّ الوقت قيمة، ولم نبن ملجأ واحداً".

نقلا عن شباب السفير.