Menu
حضارة

"الفاخورة" مدرسة للشهداء

للفنان الفلسطيني معتز موعد

ياسر عاشور

المئات من الشهداء كانوا قد سقطوا دفعة واحدة عندما كنا جلوسا في الصف الثامن بمدرسة الفاخورة بمخيم جباليا. وقتها كان الأستاذ رائد المقيد، قد أعد لنا نماذج تدريبية لامتحان اللغة العربية الذي كان مقررا بعد أسبوع واحد فقط لينتهي الفصل الدراسي الأول.

قاطعته أصوات الانفجارات الضخمة التي زلزلت المكان وتبعها تطاير شظايا زجاج الفصل وتساقطه على الطلاب، صوت الانفجارات لم ينقطع لحظة والدخان يتصاعد في السماء من حولنا ونحن نهبط فارين من الطوابق العلوية إلى ساحة المدرسة محاولين العودة إلى البيوت بأسرع وقت ممكن لأن القصف كان أشبه بقيام الساعة.
عند بوابة المدرسة الجنوبية حاول أبو محمد، صاحب مقصف المدرسة وأبناؤه، أن يمنعونا من الخروج حتى نشتري الساندويشات التي أعدها للطلاب خلال يوم ظن أنه كبقية الأيام؛ دفعناه بأيدينا وخرجنا من المدرسة مسرعين ﻻ نعرف حتى الآن ما الخطب وأصوات سيارات الإسعاف تتزامن مع أصوات القصف والطلاب يركضون في شوارع المخيم ﻻ أحد يعرف إلى أين!

على "دوار الشهداء الستة" القريب من مدرستنا كانت شاحنة نقل كبيرة مسرعة تلحق بسيارتي إسعاف محملتين بجثث مكدسة فوق بعضها لعناصر شرطة من "موقع شرطة ال17" استشهدوا جميعهم مرة واحدة. على "لفة الدوار" سقطت إحدى الجثث المتفحمة على الأرض؛ تابعت الهرب مسرعا ممسكا بيدي يد أخي الأصغر، في حين تناهى صوت مذياع الأخبار "طائرات الاحتلال تقصف غالبية المقار الأمنية وسقوط مئات الشهداء".

استغرقت الطريق من المدرسة إلى البيت أكثر من ساعة كاملة، خلافا للوضع الطبيعي الذي يحتاج أقل من نصف هذه المدة للوصول إلى البيت، طوال الطريق كنت ارى أشجار الزيتون والبرتقال تتطاير من الأراضي الزراعية على جانبي الطريق بجذورها، حيث كانت صواريخ ال F16 الإسرائيلية تنهمر كالمطر على "البيارات"، لتقلب ما بباطن الأرض إلى سطحها دفعة واحدة.

على جمر تنتظر أمي وجاراتنا عودة أبنائهن من المدرسة، بينما يحاول والدي الاتصال من عمله بالهاتف ليطمئن علينا دون جدوى لتعطل خطوط الاتصال وقتها. إلى أن وصل من عمله قاطعا نصف الطريق مشيا على الأقدام من غزة المدينة إلى جباليا المخيم، لتعطل حركة المواصلات بالطبع، فوصلنا سوية هو من العمل ونحن من المدرسة شاحبي الوجه تكاد دقات قلوبنا تسمع من بعيد من هول القصف.
حملنا ما يلزمنا من ألبسة وغادرنا البيت إلى بيت جدتي لأمي في نقطة تربط مدينة غزة بمخيمنا الكبير حيث كنا نعتقد أن بيتها أكثر أمنا من بيتنا، لتلاحقنا قذائف الاحتلال طوال الطريق! نجونا بأعجوبة من قذيفة فوسفورية حارقة كان يجربها الاحتلال لأول مرة في تاريخ احتلاله، قضينا أسابيع الحرب الثلاثة متنقلين من مكان إلى آخر حيث الموت كان يلاحق الناس في كل الأمكنة وبكل الأزمنة مستخدما كل الخيارات المتاحة للقتل أمامه.

حتى عصر الثلاثاء السادس من يناير 2009 بعد أسبوع ونصف على استمرار الحرب والموت معا لم يكن أي من أصدقاء المدرسة الإعدادية قد استشهد. فكل الشهداء الذين عرفتهم قبلها كانوا من أبناء المخيم عامة ﻻ أصدقاء الدراسة، إلى أن نفذت مدفعية الاحتلال الإسرائيلي مجزرتها الهمجية بحق مدرستي "مدرسة الفاخورة" حيث كانت تؤوي آﻻف النازحين هربا من الموت في المناطق الحدودية، إلى مكان ظنوا ان شعار الأمم المتحدة الذي تحمله سيشفع لهم من بربرية الاحتلال. لكنهم لم يدركوا أن نبضات قلوبهم ستتوقف عند أسوار المدرسة من قذائف المدفعية الإسرائيلية التي قتلت يومها 46 شخصًا ضمنهم 14 طفلا ما بين نازح وطالب في المدرسة. كان منهم أصدقائي الطلاب عاهد قداس وعماد ديب ومصطفى ديب وبشار ناجي وعماد أبو عسكر.
لم يرحلوا وحيدين .. فعماد أبو عسكر رحل معه أخيه خالد وعمه رأفت وقبل استشهادهم بيوت كان بيتهم المكون من أربعة طوابق قد دمر وأصبح رماد، أما مصطفى وعماد ديب رحلوا برفقة ثمانية آخرين من عائلتهم سلبت أرواحهم نفس القذيفة.

في الذكرى السنوية الأولى للمجزرة افتتح أهالي الحي مجسما على شكل خارطة فلسطين يحمل أسماء الشهداء جميعًا تخليدًا لأرواحهم. وصار اسم المدرسة على لسان الناس "مدرسة شهداء الفاخورة"، بذلك أضيفت "الفاخورة" إلى قائمة الأماكن الشاهدة على همجية الاحتلال وبربرية مجازره.

المصدر: الأخبار اللبنانية