على مدار الساعة
أخبار » منشورات

تركيا: هل انتهى الانقلاب؟

18 آيار / يوليو 2016
لحظة استسلام عناصر من الجيش التركي
لحظة استسلام عناصر من الجيش التركي

اسطنبول_ خاص بوابة الهدف

رغم مرور 3 أيام على بداية محاولة الانقلاب في تركيا الا أن هناك الكثير من الضبابية لا زالت تكتنف المشهد، فرغم إعلان الحكومة التركية سيطرتها على الوضع وإفشال الانقلاب إلا أنّ هناك شكوك كبيرة في هذه " السيطرة"، هذه المخاوف يعززها عدم وجود تفسير للكثير من الأحداث التي جرت منذ اعلان الانقلاب.

وبينما انشغل أنصار اردوغان في بلاده وبشكل أكبر، أنصاره في المنطقة، بوصف ما حدث بكونه انتصاراً عظيماً لشعبية اردوغان وحزب العدالة والتنمية  و"تجربته الديمقراطية" على منطق الحكم العسكري والانقلابات فإن مسار الأحداث والشواهد المتاحة تضع الكثير من التعقيدات أمام قدرة مثل هذا التفسير على الصمود في الأيام المقبلة.

ما الذي يعنيه الانقلاب العسكري؟

بالتعريف البسيط فإن الانقلاب العسكري هو محاولة من المؤسسة العسكرية أو جزء منها للاستيلاء على السلطة أو تغييرها، هذا التعريف يغفل توضيح مجموعة الأفعال التي تحتاج أي جهة منقلبة للقيام بها، وكذلك الموارد التي تحتاجها للقيام بذلك.

في الحالة التركية كما في حالات عدة فإنّ الانقلاب العسكري هو سلسلة من الأوامر العسكرية الصادرة لقطاعات من الجيش بالسيطرة على مواقع مرافق البلاد ومؤسساتها الحيوية، والأهم نجاح قادة الانقلاب في إقناع بقية قطاعات الجيش إمّا بتاييد هذا الانقلاب أو عدم الاعتراض عليه ومواجهته وهو ما نجحت المجموعة المنقلبة على اردوغان في توفيره، فحتى ساعات طويلة من الانقلاب بل وبداية فشله لم يعلن أي جنرال اعتراضه عليه ولم تتحرك أي قطعة عسكرية أو جندي من الجيش التركي لمواجهة الانقلاب.

ومع ذلك كان من المستغرب عدم وجود ذلك الاهتمام الكافي بإيقاف أعضاء الحكومة أو الاستيلاء على مقراتها أو حتى تعطيل قدرتها على التحرك في كبرى مدن البلاد، واقتصر الهجوم المركز منذ اللحظات الأولى على الرئاسة والاستخبارات وبعض ثكنات قوات الشرطة الخاصة.

طبيعة الأهداف الميدانية للقوات التي قامت بالانقلاب توحي بأن الاعتبار الأساسي أمامهم لم يكن الاستيلاء على السلطة أو حكم البلاد أو حتى القضاء على حكم حزب العدالة والتنمية، بالأساس عملت مجموعة الانقلاب على إزاحة اردوغان بالتصفية الجسدية، وكذلك تعطيل أذرعه الأمنية.

 لماذا الانقلاب؟

منذ صعود اردوغان للسلطة سعى لتجريد الجيش التركي من قدرته على التدخل في الحياة السياسية، مستخدماً سلة المعايير الخاصة بانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي كأداة لتعزيز الضغط الدولي والداخلي الكابح لتدخل الجيش، وبنفس الاتجاه استخدم تحالفه مع عبد الله غولن الزعيم الديني الذي يمتلك أتباع كثر في مؤسسات القضاء والأجهزة الأمنية والشرطية التركية.

سياسة اردوغان في المنطقة لم تكن مزعجة على الإطلاق لرعاة الجيش التركي الغربيين، وكذلك لم تكن له سياسات داخلية مزعجة لهم على مستوى إدارة الاقتصاد التركي أو بناء مؤسسات الدولة، وكان المظهر الأساسي لهذه السياسة هو تأهيل الدولة التركية لمزيد من الاندماج في الأسرة الدولية والالتزام بمعاييرها.

بالنسبة للمؤسسة العسكرية التي قام اردوغان بمحاولات عدة لتفكيك منظومتها القيادية شملت إحداها الإطاحة بكامل قوام هيئة الأركان وتعيين قائد من خارج المؤسسة العسكرية لهيئة الأركان الجديدة، فإن الدوافع كانت متوفرة دوماً للانقلاب على اردوغان، خصوصاً في ظل القلق الواضح من مساعيه لتوسيع صلاحياته وتعميق سيطرته على أجهزة السلطة في هذه البلاد، بشكل لا يهدد القيم الكمالية للجمهورية العلمانية فحسب بل ويهدد حتى قواعد التوازن التركي الهش.

الفيتو الدولي هو ما منع المؤسسة العسكرية من الانقلاب مبكراً على اردوغان، وكذلك امتلاكه لأدوات ردع للمؤسسة العسكرية، ولكن الفيتو الدولي القوي في وجه أي انقلاب ضد الحليف اردوغان يبدو أنه قد تصدّع ليفسح الباب أمام المؤسسة العسكرية لتنفذ ضربتها، في ظل مقاربات اردوغان للعديد من الملفات داخلياً وخارجياً بما يخالف رغبة الحليف الأمريكي بالذات، ومساعيه للإمساك بالسلطة الفعلية في البلاد التي تمتلك أكبر جيش اوروبي في حلف الناتو، والتي استضافت في يوم من الأيام "صواريخ أطلس" الأمريكية المحملة برؤوس نووية موجهة للاتحاد السوفياتي، ولطالما تم اعتبارها حائط الصد في مواجهة التمدد السوفياتي.

فلساعات كان الرئيس التركي يهرب من وجه مطاردة عسكرية وسلسلة من الضربات التي هدفت لقتله، شاركت فيها قوات برية وطائرات مقاتلة ومروحيات، دون أن تتحرك قطعة حربية أو طائرة واحدة لمساندته، ذلك في البلاد التي تمتلك شبكة من الدفاع الجوي الغربي المتطور ولم يكن من الصعب عليها إسقاط طائرة روسية مرت عبر أطرافها الحدودية قبل بضعة أشهر، فيما كان الموقف الغربي من هذه المحاولات في ساعاته الأولى يميل بوضوح للقبول بما يحدث مع دعوات لتجنّب إراقة الدماء، أي لأن تكون العملية سريعة ونظيفة وبدون كثير من الضجة.

جيش اردوغان

تطور الأحداث أظهر أن اردوغان أعد نفسه لهذا اليوم جيداً، وهنا المقصود ليس التعبئة الجماهيرية التي لم تستطع أن تنزل أكثر من عشرات الآلاف لشوارع مدن هذه البلاد رغم دعوات اردوغان وزعامات حزبه للجمهور التركي بالنزول للشارع.

أحد أدوات الردع الأبرز التي طورتها المنظومة الحاكمة لمواجهة أي تمرد من المؤسسة العسكرية، تمثلت في عملية إعادة بناء الاستخبارات التركية منذ تولي "هاكان فيدان" رجل اردوغان الموثوق لمسؤوليتها، لتشكل أداة الرقابة الأساسية على كل حركة أو ساكنة في المؤسسة العسكرية وكذلك الذراع الضارب الجاهز للتدخل واستباق كل محاولة انقلابية.

هذه المؤسسة كان مقرها ضمن الأهداف الأولى للمحاولة الانقلابية ليتعرض لسلسلة من الغارات التي استهدفت تصفية قيادته وشل حركته بشكل يمنعه من ممارسة دوره الاستخباري، أو مد القوات الموالية للحكومة بالمعلومات، وهنا بالذات كان الفشل الأساسي للانقلاب، فلقد قاتل رجال الاستخبارات التركية بتعليمات مشددة من قائدهم فيدان، واستطاعوا تأمين مقرهم والإغارة على المقرات التي سيطرت عليها قوات خصومهم وأبرزها مقر هيئة الأركان التركية، وفي ذات الوقت قدموا التغطية الاستخبارية الملائمة لتحركات اردوغان، ذلك رغم استمرار الغارات الجوية على مقراتهم وتحركاتهم على الأرض.

بجانب الاستخبارات توسعت تشكيلات وحدات الشرطة الخاصة لتناهز أعدادها عشرات الاآاف من المقاتلين المدربين بشكل احترافي والقادرين على التدخل السريع والمحكم ضد خصوم المؤسسة الحاكمة، هذه الوحدات استطاعت إلحاق هزيمة حقيقية بالقوات المشاركة في الانقلاب عبر قدرتها على الانتشار والتدخل والاقتحام السريع للمراكز القيادية والقواعد الجوية المساهمة في الحركة الانقلابية.

ورغم تعرض هذه القوات لضربة موجهة لمعسكرها في غولباشي بانقرة، إلا أنه سرعان ما نظمت صفوفها لتمارس دورها الذي تم تصميمها لأجله، وهو ضرب أي محاولة انقلابية عسكرية، عبر الضرب السريع لبنيتها القيادية.

وإذا كان بوسع أي ضابط مشارك في الانقلاب تحريك عشرات الجنود للأرض فان وحدات الشرطة الخاصة والاستخبارات كانت قادرة على تحديد موقعه والانتقال لهذا الموقع والسيطرة عليه وإجباره على سحب قواته من الشارع، أو على الأقل تقديم صورة للجماهير وللمؤسسة العسكرية عن إمكانية هزيمة الانقلاب وعدم جدوى الرهان عليه.

الأدوات الأمنية بجانب قدرة حزب العدالة والتنمية على تأمين حشد جماهيري مؤمن فعلاً بمشروع هذا الحزب وجاهز للقتال وصعود الدبابات لأجله، كفلت إدارة حالة اشتباك حقيقي مع طلائع القوات الانقلابية بشكل أربك هذه المحاولة وأفقدها جوهر تحركها وهو إمكانية إزاحة اردوغان بشكل نظيف وسريع.

السؤال المتبقي اليوم هو عن قدرة تركيا على استعادة أدوارها السياسية في المنطقة، وكذلك عن طبيعة هذه الأدوار، والشكل الذي ستدير فيه علاقاتها مع الخارج، وبالتأكيد عن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع في تركيا فمن الواضح ان هذه النقطة بالذات لم تقدم حولها إلا إجابات زائفة طيلة المرحلة السابقة تم فيها تسويق أوهام عن سيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية، فيما جاءت ليلة 15/ تموز/2016 م بما يطيح بكل تلك الأوهام سواء من حيث الحركة الانقلابية نفسها، أو من حيث مشاركة قادة معظم الأذرع الأساسية للجيش في هذا المخطط.

متعلقات
انشر عبر