Menu
حضارة

البياض يملأ أرض مخيم الشاطئ

تعبيرية

المقداد جميل - غزة

كنا نقف أمام الشبابيك صباح ذلك اليوم، ننتظر الساعة التي يبدأ فيها وقف إطلاق النار. ما الذي حصل؟ دخلنا في وقت وقف إطلاق النار، لكنّ صاروخاً انفجر في مكانٍ قريب. تصاعد الدخان من أحد البيوت المجاورة، الناس تختنق، والشارع أبيض جداً. الناس تجري، بهلع، ليس هرباً من مكان الانفجار، إنما إليه، وهذه كانت طبيعة الناس في غزّة.

جرينا مع الناس. نسابق سيارات الإسعاف التي تتجه إلى المكان. عرفنا أنّ عدداً من الشهداء سقطوا هناك. إذاً، سقط وقف إطلاق النار. حين وصلنا كان الشارع أبيض والسماء سوداء. لم يستطع الجميع الدخول إلى البيت المقصوف. شارع ضيّق جداً، في إحدى حارات مخيم الشاطئ، وقرب السوق، واحد من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالناس رغم الحرب.

قطعوا فطورهم الصباحي، وكانوا في انتظار وقت الهدنة المعلنة، لكنّها كانت كاذبة، إذ سقط الصاروخ بعد دقيقتين من الساعة العاشرة صباح ذلك اليوم.

يشكّل الناس سلسلة بشريّة، لا مجال للتفكير الكبير الآن، كيف ندخل لنخرج المصابين، أو ربّما الشهداء في الداخل. لننقذ من يُمكن أن ننقذه أولًا. شكّلوا سلسلة بشرية، اصطفوا كباراً وصغاراً على طول الشارع الضيّق في داخله، لإخراج الركام أولاً، ومن ثمّ إخراج الناس من تحته.

كلّ شيء يحدث بسرعة رغم صعوبة الأمر. سيارة الإسعاف تقف في الشارع. الشخص الأوّل يخرج من المنزل المقصوف، الناس تخرج، عائلة كاملة كانت في المنزل، تظن أنّ الصاروخ يصعب عليه أن يُصيب منزلهم بين كلّ هذه المنازل، في حارةٍ ضيّقة في مخيمٍ ضيّق. لكنّ الصاروخ لا يصعب عليه شيء. وقعت الجدران على أهلها الذين لم يكملوا فطورهم بعد.

الناس تخرج، بيضاء، كالأشباح، أو ربما كالملائكة. الركام والغبار يغطي أجسادهم. يخترق البياض خطٌ أحمر صغير من الدم على جانب الوجه، رغم ذلك عادوا سالمين. يخرجون من الشارع الضيّق، من بين السلسلة الطويلة التي أُعدّت من أجلهم، يعلنون عودتهم للحياة، يعلنون وقوفهم من جديد بين كلّ هذه الجموع التي أتت من أجلهم فور سماع الانفجار الكبير. حياة جديدة كُتبت، ربما لن تكتمل قبل أن تنتهي هذه الحرب، فهناك فُرصٌ أخرى للموت لا تزال قائمة.

يُنادي المسعفون على ربّ البيت، رجل كهل، لا تستطيع التفرقة بين بياض لحيته الأصلي، وبين بياض وجهه الذي غطّاه الغبار. أخرجوه من تحت الأنقاض، ولم يكُن مصاباً، كأنّما كان كذلك، كي يبقى ليطمئنّ على الآخرين ويشارك في إنقاذهم. يسألونه: «يا حاج، احكيلنا أكم واحد انتو في البيت. ضل حدا؟ مين ضايل؟». يقف بعض الوقت ليفكّر، كأنّما ذاكرته مُحيت. يبدأ بالعدّ، هذا كذا وكذا، هذه كذا، ثم يسأل ابنه الآخر قبل أن ينقل إلى سيارة الإسعاف: «يابا مين ضلّ؟».

بعدها بقليل، يُخرج الناس سيّدة كبيرة، صعّب ثقل وزنها مهمّة إخراجها من الشارع، تُوضع على حمّالة المسعفين. تنظر إلى الدم الذي يملأ رأسها. تبكي. يحاول الجمع مواساتها: «الله أكبر. لا حول ولا قوة إلّا بالله». وهم رُبّما يرغبون في مواساة أنفسهم أكثر.

في الداخل، صاروا بالمئات. صغاراً وكباراً، أطفال، رجال الدفاع المدني، شيوخ، وشباب، إمّا يمسكون بأدوات الهدم، يكسرون الحجارة الكبيرة، وإما يُزيلونها. الصحافيّون هناك أيضاً ليوثّقوا المجزرة. بعد ساعاتٍ مطوّلة من البحث، رفع الأنقاض، الهدم، وإخراج الحجارة من خلال سلسلة الناس، وجدوا طفلة. كانت الطفلة الوحيدة التي قضى عليها الصاروخ. لم تمت الطفلة بسبب الانفجار ربّما، بل لبقائها تحت الأنقاض لأكثر من سبع ساعات، من العاشرة صباحاً حتى الخامسة عصرًا. في هذه الساعات السبع، مات العشرات من الناس، وقصفت منازل أخرى، ووقع الركام على عائلاتٍ كثيرة. طوال هذا الوقت كانت الفتاة نائمة تحت كلّ هذه الحجارة، كي يجدوها في الوقت الأخير، وليعود الصحافيّون مرةً أخرى في نهاية اليوم ليقولوا إنّ طفلةً وُجدت بعد ساعاتٍ في القصف الذي حدث صباح اليوم بمخيّم الشاطئ.

شباب السفير