Menu
حضارة

رسائلهم.. ما بقي من الفراشات

غسان كنفاني

هلا مصطفى- بيروت

في عام 1913 كتب فرانز كافكا إلى فيليس باور أنّ الاتصال عن طريق الرسائل يظل شكل الاتصال الوحيد الذي يمكنه أن يعبّر عن وضعه. وبعد سبع سنوات كتب كافكا إلى صديقته ميلينا: "كل مصائب حياتي تنبع من إمكانية كتابة الرسائل". وفي موضع آخر يصف كافكا الاتصال عن طريق الرسائل بأنّه "اتصال مع الأشباح".

***

أجمع رسائلهم كمن يجمع الفراشات. أحنّط كل فراشة لتشبهني: أقتلها من دون أن تفقد أي أجزائها وأغرس دبوساً في الجانب الأيسر من صدرها وأثبّتها في قطعة كرتون أعلّقها على الحائط. أجالس الكلمات المصلوبة. منذ أن توقّفت عن الكتابة إليك بدأت بجمع الرسائل، رسائل مئات الكتاب والشعراء ممّن قيدهم مثلي القلق والجبن والإفراط في التفكير فهربوا إلى أوراقهم. جمعت رسائلهم جميعها وأردت أن أرسلها لك بديلاً، أن أرسل كتّابها شفعاء لي. ولمّا خفت أن تجزرهم بقسوة حديثة العهد، جلست وحدي أتأمل للمرة الأولى فعل الكتابة في رسائلهم بحد ذاته، بعيداً عما يحمل من مغزى. في معظمها رقة متعبةً غير معهودة في باقي كتاباتهم الأكثر شهرةً بقوتها وجرأتها، ولا أدري إن كانت هذه القوة غطاء أم نتيجة. هم في الغالب مثلي، يكتبون لأنفسهم أكثر ممّا يكتبون للمرسل إليه، وجاءت رسائلهم لتشرح بتفاصيل يوميّةٍ دقيقة سجننا الواحد الكبير.

"...وأنت، أنت تعطيني الراحة، بضوئك ودفئك. أودّ أن أرسمك، ولكن ما من ألوان، فالألوان حيرتي، وحيرتي هي الوجه الملموس لحبي العظيم".

- فريدا كاهلو إلى دييغو ريفييرا

ذاك الذي دفع رسامةً مشهورة لأن تكتب الرسائل لزوج يقاسمها حياتها كان نفسه ما دفعني للكتابة لك كلّ يوم. كنّا غريبين نتشارك فراغ الروح وشغف كتابة الرسائل، ومع كلّ يوم كانت السعادة أن أعود إلى تلك الرسائل لأفردها في المساء وأنشر تفاصيلك على طاولتي فأحصي لك فناجين قهوتك، وأفصل حسب درجات الزرقة قمصانك الصيفية، وأصطفي ضحكات عميقة من أخرى تسلّلت عن جانب الفم. أنسج من جميعها شرشفاً بطول أعوام أغطّي به كل دوائر العرض الفاصلة بيننا.

مأزق السعادة خضوعها لطمعنا. ولو أنّني عرفت يومها ما أعرف الآن لجمّدت لحظات السعادة تلك في مرطبان زجاجي وحملتها معي دوماً وأوقفت البحث عن مزيد.

"إن ذاتي الخائفة ماتت، والرجل الذي أنا عليه الآن يقظ وفعّال، يقفز ويقاتل ويرفض أن يُرخي قبضته"، "... إن الحياة قصيرة قصراً مرعباً، فلنحقق فيها معاً رغباتنا كلها. يجب أن نمسك بالزمن ونلوي عنقه، يجب أن يعيش كل منا داخل الآخر".

- هنري ميلر إلى أناييس نن

أودّ كما ميللر لو أنعي لك ذاتي الخائفة، أن أقدّم على ما يثبت زوالها. لكنّني ما زلت منشغلة بمحاولة فهم تلك الذات أولاً وكيف دفعتني في ذلك الصباح البارد إلى ما لا يغتفر. أن ألقي رسائل الأعوام الطوال دفعة واحدة إلى النار الكبيرة التي أضرمتها، وأشاهد الأجنحة الملوّنة وهي تشتعل. كلما استعرت النار أكثر، اعتراني بردٌ شديدٌ، فوقفت أطوّق نفسي بذراعيّ وأشدّ أصابعي على جانبي صدري ليسقط أحد أصابعي في هوة هناك تماماً. أتحسّسها. فراغٌ واضحٌ بين أضلاعي اليسرى، أرعبتني وبات عليّ أن أبقي أصابعي هناك لأسدّ فراغ ضلع هرب مني. طوال شهور استمرّ الفراغ يغور عميقاً ومعه يدي التي فقدت حقها في الكتابة إليك ولم يعُد لها سوى وظيفة المُسكِّن. كيف لإنسانٍ واحدٍ ضعيف خائف أن يُلحق بنفسه هذا المقدار من التشوّه؟

"وأعرف منك أيضاً أنّي أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه بالصورة التي تشائين إن كنتِ تعتقدين أنّ هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة".

- غسان كنفاني إلى غادة السمان

في كل مرة شكوتُ فيها آلامي، جاءني مَن يقتلع قلبي الملتهب، ويشرّحه حياً، ليخرج بتشخيصات لا آبه لصحتها: "آلام الوحدة" و"التعلق غير المبرر بالغرباء". يتلوه طرح العلاج بالخطاب المبتذل: "ضرورة تقديم الكرامة على العاطفة" و "الابتعاد عمّا يهيّج القلب" و "الوقت كفيل بكل شيء"، فأنسحب عائدة إلى رسائلهم. وما أن أبكي ضلعي الغائب حتى يحمل لي همنغواي بأصابع خشنة ووجه متجهم وريداً رقيقاً بات لونه قاتماً، ويكشف غسان عن كدمة إثر ضربة في أسفل العنق، وتنثر فرجينيا وولف خصلات شعرها المتساقط، ونجلس لتجمعنا خيبة الأسطر والكلمات.

***

عن أرقه كتب فرانز كافكا إلى فيليس باور: "...وهكذا يتألّف الليل من قسمين، قسم صحو وقسم سهاد. ولو أردت أن أكتب لك عن ذلك مفصلاً وأردت أن تسمعي، فلن أنتهي قط".