Menu
حضارة

سينــاء.. إلى أين ؟!

حسن شاهين

جندي مصري في أحد مواقع المراقبة على حدود سيناء

قبل قرابة العامين أطاح الجيش المصري بالرئيس السابق محمد مرسي، استجابة لتظاهرات مليونية ضخمة طالبت بعزله. الأمر الذي رفضته جماعة الإخوان المسلمين وجماعات إسلامية أخرى، وانطلقت إثر ذلك موجتان من التظاهرات والعمليات الإرهابية، بتزامن مريب.

نجحت السلطات المصرية في التصدي للموجة الأولى التي انحسرت واقتربت من التلاشي، إلا أن النجاح لم يكن حليفها في مواجهة الثانية، التي تصاعدت باضطراد حتى وصلت إلى ذروة لم تتراجع عنها رغم كل الحملات الأمنية والتعزيزات العسكرية في سيناء وسواها من المحافظات المصرية.

ورغم تأكيدات مسؤولين عسكريين وأمنيين مصريين في غير مناسبة خلال الأشهر الأخيرة بأن الأمور في سيناء آخذة بالتحسُّن والإرهاب في انحسار؛ إلا أن ما يجري على الأرض يقول غير ذلك. فبعد أن أعلن الجيش المصري عن "خطة أمنية شاملة لمكافحة الإرهاب"، إثر حادث "كرم القواديس" الذي أودى بحياة 23 جندياً مصرياً في تشرين أول/أكتوبر من العام الماضي؛ نفّذ "تنظيم الولاية" عدداً من العمليات النوعية التي تلقى فيها الجيش والأمن المصريَّين ضربات مؤلمة، كان آخرها تفجير قسم ثالث العريش، وهو أحد أهم المراكز الأمنية في المحافظة وأكثرها تحصيناً. وبعد التفجير بيوم واحد فقط، أعاد مسلحو التنظيم مهاجمة القسم نفسه واشتبكوا مع قوة الحماية الأمنية وتمكنوا من إصابة مأمور القسم –وهو ضابط برتبة عميد- بطلقات نارية في قدمه.

وقبل ذلك بأيام معدودة هاجم المسلحون "التكفيريّون" 7 حواجز أمنية موقعين قتلى وجرحى في صفوف القوات المتواجدة عليها.

واليوم؛ بعد زيادة وتيرة الهجمات في شمال سيناء بشكل ملفت، لم تعد بيانات المتحدث العسكري المصري المطولة التي يستعرض فيها نجاحات الجيش في سيناء، علاوة على ما تنقله الصحافة المصرية بشكل يومي عن مصادر أمنية مطلعة حول الضربات الموجهة لـ"معاقل الإرهاب"؛ لم تعد كافية للتغطية على حقيقة الفشل الأمني الذريع في شبه الجزيرة شبه الخالية من السكان.

والحقيقة أن أي قراءة للتعثر الأمني في سيناء تقتصر على الجوانب الفنية والتقنية فحسب للعملية الأمنية فيها؛ هي قراءة قاصرة. فالمشكة أبعد زمنياً من فترة السنتين اللتين تصاعدت فيهما أعمال الإرهاب وأعمق في بعدها الاجتماعي من مجرد تنظيم إرهابي متمرد معزول عن البيئة المحلية التي يعمل وسطها.

فمن خلال متابعة نشاط تنظيم ولاية سيناء (أنصار بيت المقدس سابقاً) والذي أعطى البيعة لأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، أواخر العام الماضي؛ نجد أنه يتركز في محور العريش – الشيخ زويد – رفح، حيث أن معظم استهدافات الشرطة والجيش تمت في نطاق هذا المحور، كما أن غالبية المداهمات التي قامت بها قوات الأمن والجيش كانت داخل وفي محيط مدنه الثلاث.

والأمر المثير للحيرة أن الجيش عجِز عن الحد من الهجمات الإرهابية على الرغم من محدودية مساحة هذه المنطقة بالقياس إلى مساحة سيناء الإجمالية، وتزداد الحيرة عند التدقيق بالبيانات اليومية الصادرة عن المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية، والتي يتضح من خلالها أن معظم عمليات الجيش تتم في عدد قليل من القرى يقع معظمها جنوب الشيخ زويد، وهي قرى "اللفيتات والزوارعة والتومة والكوزة والجورة والخروبة وكرم القواديس"، حيث لا يكاد يمر أسبوع دون أن يُداهم الجيش إحداها أو عدداً منها.

ورغم شُح المعلومات المتوفرة حول الأوضاع في شمال سيناء؛ إلا أنه من الصعب فهم صمود تنظيم "ولاية سيناء" واستمرار عملياته حتى اليوم، لا بل زيادة وتيرتها، والمستوى الاحترافي في تنفيذها، من الصعب فهم كل ذلك دون الإقرار بأن التنظيم الإرهابي يتمتع بحاضنة شعبية ما في المنطقة.

وعلى هذا الصعيد، كان ملفتاً ما ورد في أحد بيانات المتحدث العسكري الأخيرة، والصادر بتاريخ 9 نيسان/إبريل الجاري، والذي تحدث عن ضبط وتدمير ورشة لتصنيع العبوات الناسفة وتدريع العربات المفخخة داخل الوحدة الصحية الحكومية في قرية "اللفتات"، وأضاف البيان أنه تم ضبط مخزن للعبوات الناسفة داخل إحدى المدارس في الشيخ زويد. وهذه المعلومات خطيرة بلا شك، فهي تشير بشكل ما إلى تستر السكان المحليين على أنشطة تنظيم الولاية، فمن غير المعقول أن يستخدم التنظيم المرافق العامة في مناطقهم كمخازن وورش ومقار له دون أن يعلموا بذلك. قد يكون صمت عدد منهم وربما معظمهم ناجم عن خوف، لكن هذا لا يلغي بأن هناك نسبة لا يستهان بها من السكان متعاطفة مع التنظيم.

وفي ضوء ذلك، نجد أن المفتاح للإجابة على سؤال الفشل الأمني في شمال سيناء، يكمن في الإجابة على سؤال ثاني هو: لماذا يتمتع تنظيم ولاية سيناء بنوع من الحاضنة الشعبية في بعض مناطق المحافظة؟.

لقد اعتمدت السلطات المصرية منذ عودة سيناء إلى السيادة المصرية مقاربة أمنية "خشنة" في التعاطي مع سكانها الذين شعروا بالتمميز ضدهم وأحسوا أنهم غرباء في وطنهم. وساهم ذلك بلا شك، بالإضافة إلى دور إسرائيلي خفي لا يجوز إغفاله؛ في نشوء ظاهرة الإرهاب وتأسيس عدد من الجماعات المسلحة المتطرفة في سيناء عموماً وفي قسمها الشمالي على وجه الخصوص.

ويبدو أن السلطات المصرية لم تع درس السنوات الماضية، وعوضاً عن السعي إلى كسب ثقة أهالي سيناء وإعادة الاعتبار لهم بعد عقود من الإهمال؛ استمرت في مقاربتها الأمنية ووفق النهج الأمني القديم نفسه. ذلك على الرغم من إعلان الحكومة المصرية عن خطة تنموية لسيناء تستهدف النهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي في تلك الأرض المنسية والمنفية عن حضن الوطن لعقود خلت.

ومؤخراً؛ كشفت مقاطع مصورة تسربت إلى مواقع التواصل الاجتماعي عن تجاوزات خطيرة بحق المواطنين من سكان شمال سيناء، هذا علاوة على كثير من الشهادات بهذا الخصوص والتي وصل بعضها إلى وسائل الإعلام المصرية بما فيها تلك الموالية للسلطة. وحتى البيانات العسكرية تفضح عن غير قصد بعض أوجه تلك التجاوزات، فيكاد لا يخلو بيان للمتحدث العسكري من معلومات من نوع تدمير منازل و"عِشَش" كان يستخدمها عناصر التنظيم الإرهابي وحرق وتجريف أراضي زراعية تستروا بها. والسؤال هنا؛ ما هو القانون الذي يجيز تدمير منازل سكنية وحرق ممتلكات خاصة حتى وإن اشتُبِه في استخدامها من قِبل الإرهابيين؟.

هذا علاوة على أن أعداد القتلى والمقبوض عليهم من المسلحين التي ترد في البيانات العسكرية تكاد لا تصدق، فقد بلغ عدد الإرهابيين الذين تم قتلهم بحسب البيانات العسكرية خلال الأشهر الستة الأخيرة فقط قرابة الـ700، فيما تم القبض على حوالي 2700 آخرين. فإن كان "تنظيم الولاية" قد خسر أكثر من 3000 من عناصره في ستة شهور؛ كيف استطاع أن يزيد من وتيرة عملياته مؤخراً؟.

إن التفسير الأقرب إلى المنطق، للأرقام الواردة في هذه البيانات يقود إلى أحد احتمالين: إما أنها غير دقيقة ومبالغ بها إلى حد بعيد، أو أنها صحيحة لكن نسبة كبيرة من القتلى والمعتقلين هم من المدنيين الذين لا ذنب لهم، وهنا الكارثة.

إن التجربة تقول بعد فشل الدولة على مدار السنوات الماضية في معالجة مشكلة الإرهاب في سيناء بأن الحل الأمني لن يوصل إلى مكان، ولا بديل عن اتخاذ خطوات جادة وحاسمة نحو استعادة أهالي سيناء إلى حضن الوطن، تبدأ بالسماح لهم بتملك أراضيهم التي يفلحونها ومنازلهم التي يقطنونها، مروراً بإطلاق مشاريع تنموية حقيقية تُشعر المواطن السيناويّ بأن هذه الدولة تمثله.