Menu
حضارة

القوات المسلحة المصرية وتجديد الامبراطورية الاقتصادية

القوات المسلحة المصرية وتجديد الامبراطورية الاقتصادية

الهدف _ مركز كارنيغي

اكتسب الجيش المصري نفوذاً غير مسبوق منذ أن أشرف على إطاحة رئيسَين مصريَّين، هما حسني مبارك في العام 2011 ومحمد مرسي في العام 2013. ومع تهميش أبرز المنافسين السياسيين، والحصول على مايزيد عن 20 مليار دولار من المساعدات الخليجية ودعم محلي واسع النطاق للمشير عبد الفتاح السيسي الذي أصبح رئيساً، استأنفت القوات المسلحة المصرية عملياتها الصناعية المتهالكة، وضمنت السيطرة على مشاريع البنى التحتية الضخمة، وأدخلت جنرالات إلى مناصب الحكم كافة تقريباً. لكن التمدّد الزائد للنفوذ السياسي والخصومات الداخلية، قد يشكلان عقبة في وجه سيطرة القوات المسلحة المصرية على المدى الطويل.

 

استعادة النفوذ

  • منذ الانتفاضة التي أطاحت مرسي، أثبتت القوات المسلحة المصرية أنها الحَكَم الأخير في النظام الاقتصادي والسياسي في مصر.
     
  • أصبحت القوات المسلحة المصرية المُشرِف والمُراقِب الأول على الاقتصاد المصري، من خلال حماية الأصول الاستراتيجية لشركائها الاستثماريين الأساسيين في حقبات الاضطراب، والسيطرة على عملية مناقصات المشتريات الحكومية الأساسية.
     
  • أذعنت حكومة الإخوان المسلمين التابعة لمرسي إلى العديد من المطالب الأساسية للقوات المسلحة المصرية. لكن الاتفاق المؤقّت سقط عندما حاول مرسي تهميش الجيش في المشاريع الكبرى مثل تطوير قناة السويس ومشروع "توشكا"، وهو مشروع لاستصلاح الأراضي.
     
  • يواصل السيسي جذب دعم واسع من المستثمرين الدوليين والحكومات الأجنبية، ولاسيما السعودية والإمارات العربية المتحدة اللتين حلّتا مكان الولايات المتحدة بصفتهما الراعيَين الأساسيَّين للنظام.

السيناريوهات المستقبلية

الانقسامات في الجيش يمكن أن تطفو إلى السطح. قد يتسبّب تصاعد نفوذ حلفاء الجيش الجدد بانشقاقات كانت مغمورة، في سياق صراع الأجنحة للحصول على حصة في الحقل الاقتصادي والسياسي الجديد.

الأدلة التي تشير إلى أن الجيش عمل في الكواليس لإثارة الاحتجاجات وإضعاف خصومه قد تُضعِف نفوذه. المعلومات التي بدأت تظهر في أواخر العام 2014 حول دور الجيش المباشر في تمويل الاحتجاجات المناهضة لمرسي، وتلاعب القيادة الواضح بالنظام القضائي والإعلام، قد تدقّ في ناهية المطاف إسفيناً بين النظام وداعميه الليبراليين.

الديمومة المؤسّسية للجيش قد تضاهي تطلّعاته الاقتصادية والسياسية. قلق الجيش الأكبر ليس التهديد الذي يمكن أن تتعرّض إليه امبراطوريته الاقتصادية، بل عودة الاحتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومة. إذا اضطرت حكومة يقودها الجيش إلى الطلب من القوات المسلحة قمع الاحتجاجات عن طريق العنف، فقد يواجه هو خطر حصول انشقاق داخلي وأزمة شرعية.

من المرجّح أن تواصل الحكومة الأميركية مساعدتها الجيش، على الرغم من فشل البرنامج في حثّ القوات المسلحة المصرية على الإصلاح أو تحسين إجراءات مساءلتها. هذه الشراكة، التي جرى التأكيد عليها من خلال رفع الحظر الأميركي المؤقّت على الأسلحة المقدّمة إلى مصر في آذار/مارس 2015، ستضع مسؤوليةً سياسيةً أكبر على كاهل واشنطن، في ظل تواصل العنف ضد المدنيين المصريين.

مقدّمة

غالباً ماتُكنّى القوات المسلحة المصرية بـ"الصندوق الأسود"، خاصة حين يتعلَّق الأمر بدور هذه المؤسسة في الاقتصاد المحلي. فمعظم قطاعات الاقتصاد التي يديرها الجيش تبدو خفية، كما أن مصادر نفوذ القوات المسلحة غير واضحة المعالم، مثل المقاعد البرلمانية المنوطة اسمياً بالعمّال والفلاحين.1

لكن أي تدقيق عن كثب في المؤسسات الغامضة على وجه الخصوص خلال حقبات الاضطراب السياسي، يمكن أن يُميط اللثام عن تبصّرات مهمة لاتبان للعيان في ظروف الحياة اليومية. وهذا هو الحال بالفعل في مصر، حيث تسنّمت السلطة العسكرية الغامضة أدواراً سياسية قوية وأكثر علانية بشكل متزايد منذ ثورة 2011 التي أطاحت حسني مبارك. فقد كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الهيئة الصغيرة من كبار الضباط التي يلتئم شملها فقط في مراحل الحرب أو الأوضاع الطارئة، هو الذي أمسك بزمام الأمور وحكم البلاد إلى أن جرى انتخاب محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، رئيساً في حزيران/يونيو 2012. وحين أُطيح مرسي في انقلاب بعدها بسنة واحدة، سيطرت مجدداً حكومة مؤقّتة يدعمها الجيش على أمور السلطة، وأُنيطَت بها مهمة الإشراف على جولة جديدة من الانتخابات التي انتهت بانتخاب وزير الدفاع السابق الفريق أول عبد الفتاح السيسي رئيساً في أيار/مايو 2014.

لقد أجبر تسلّم القوات المسلحة المصرية السلطة السياسية الرسمية، قيادة المؤسسة على اتخاذ جملة من الخطوات الاستثنائية، ليس أقلّها إصدار بيانات رسمية دفاعاً عن الأنشطة الاقتصادية للجيش، وهي الأنشطة التي كانت تُعتبَر في السابق من أسرار الدولة. ففي مؤتمر صحافي عقده المجلس الأعلى في ربيع العام 2012، كشف نائب وزير الدفاع للشؤون المالية آنذاك، اللواء أركان حرب محمد نصر، النقاب عن العائدات السنوية للأنشطة الاقتصادية للجيش (198 مليون دولار)، وعن نسبتها في ميزانية الدولة (4.2 في المئة).2  بيد أن نصر امتنع عن تقديم أي أدلة تدعم مثل هذه الأرقام. ومع ذلك، مجرد اتخاذ الجيش قراراً بالردّ رسمياً على الانتقادات العلنية القوية عن مدى انخراطه في الشأن الاقتصادي، كان بمثابة علامة تحوّل فارقة عما كان يجري في الماضي.

والحال أن جهود القوات المسلحة للمناورة بين مراكز القوة السياسية الأخرى في البلاد- أساساً جماعة الإخوان المسلمين ومايُدعى بـ"الفلول" من عهد مبارك-، جرت على خلفية انهيار الحكم السلطوي، ماجعل الموارد الاقتصادية والممارسات السياسية للجيش واضحةً للعيان بطريقة غير مسبوقة. سلَّطت الصراعات اللاحقة التي خاضها الجيش لاستعادة السيطرة على مؤسسات مهمة، الضوء على كيفية استخدام القوات المسلحة نفوذها المؤسسي لتمويل عملياتها، ولتوفير علاوات على الرواتب لسلك الضباط، وإدارة الاقتصاد السياسي المحلي.

والآن، تتنافس قوى دولية عدة – من دول الخليج إلى اليابان وروسيا – للتأثير على القيادة السياسية الجديدة في البلاد. وهذا مايفرض تحدياً أساسياً للتفوّق الدبلوماسي الذي حظي به لعقود صنّاع القرار في واشنطن. وتمثّل ردّ فعل هؤلاء الأخيرين على هذا التنافس في الدعوة إلى زيادة المساعدات العسكرية لمصر وتقليص الانتقادات للحكومة الجديدة.

تتنافس قوى دولية عدة للتأثير على القيادة السياسية الجديدة في البلاد. وهذا مايفرض تحدياً أساسياً للتفوّق الدبلوماسي الذي حظي به لعقود صنّاع القرار في واشنطن.

لكن، حتى ولو ضاعفت واشنطن مبلغ الـ1.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية سنوية لمصر، فمثل هذا الرقم يتقزّم أمام نحو 20 مليار دولار ضخّتها دول الخليج كمساعدات مالية إلى خزينة النظام منذ العام 2013. وبالتالي، لامال واشنطن ولاخطبها البلاغية المنمّقة يمكن أن ينتزعا تغييرات رئيسة من الحكومة المصرية. الرهان الأكثر حكمة هو أن تقوم الولايات المتحدة بالضغط على حلفائها الخليجيين كي يضبطوا سلوكيات النظام الأكثر إيغالاً في التجاوزات، بما في ذلك مواصلة القمع العنيف لنشطاء المعارضة.

تطوُّر الاقتصاد العسكري المصري الحديث

يمكن إدراج النفوذ المعاصر للقوات المسلحة المصىرية في السياق الأعرض للقومية العربية في خمسينيات القرن العشرين، وأيضاً في إطار أنموذج التنمية السائد آنذاك، والذي حدّد الجيش على أنه طرف رئيس في التصنيع المحلي والتحديث الاقتصادي. وتحت شعار التنمية التي تقودها الدولة، احتّل القطاع العام دوراً مركزياً في النمو الاقتصادي، وأصبح الجيش المصري قاطرة الصناعة والمزوِّد للخدمات العامة. والواقع أنه حتى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية اعتبرت القوات المسلحة المصرية الشريك المفضّل لإبرام العقود.

في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي قاد مصر من العام 1954 إلى العام 1970، وُجِّهَت موارد الدولة نحو الجيش الذي لعب مهندسوه ومقاولوه الدور الرئيس في مشاريع استصلاح الأراضي، وإقامة البنى التحتية العامة، وتوفير السلع الأساسية، والصناعة المحلية للأجهزة الاستهلاكية والإلكترونات، وكذلك إنتاج السلع الصناعية والزراعية كالفولاذ والسماد. علاوة على ذلك، تم تعيين ضباط من رتب عالية مكان مدراء المصانع المدنيين.3  وقد أدّى وجود هؤلاء الإداريين العسكريين في مختلف المؤسسات التي تملكها الدولة والمؤسسات شبه العامة، إلى خلق قاعدة نافذة تستهدف دعم الوجود المتواصل للقوات المسلحة في الاقتصاد.

في عهد خليفة عبد الناصر، أنور السادات، حدث تحوُّل محدود في الأنشطة الإنتاجية للجيش، حيث جرى التركيز على الصناعات الأكثر ارتباطاً بالدفاع. بيد أن السادات لم يؤسّس وحسب الهيئة العربية للتصنيع لهدفٍ رئيسٍ هو صناعة الطائرات العسكرية، بل حوّل أيضاً تركيز مصر الدبلوماسي من الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة. وهذا يعود جزئياً إلى أن الأميركيين كانوا مصدراً يُعتَدّ به أكثر للعتاد العسكري والتكنولوجيا والتدريب. ثم، فيما شدّد السوفييت على نقل المعدات الجاهزة، ضُخَّت دولارات المساعدات العسكرية الأميركية التي ترافقت مع السلام الذي أبرمه السادات مع إسرائيل، إلى الإنتاج الحربي المحلي بالتحديد، بما في ذلك إعادة تأهيل مصانع الأسلحة التي بناها الأوروبيون قبل عقود.4

في عهد مبارك، الذي أصبح رئيساً بعد اغتيال السادات في العام 1981، بدأ موقع القوات المسلحة التاريخي، بوصفها مهندسة تحديث مصر، بالتآكل بشكل كبير. بيد أن الجيش تمكّن من الحفاظ على لائحة طويلة من الامتيازات المالية والصناعية، بما في ذلك الوقود المدعوم، والسيطرة على قطاع العقارات المُربِح، وعمل المجندين، واستخدام الأذونات الخاصة، وممارسة إشراف خارج عن القانون في قطاعات تتراوح من البتروكيماويات إلى السياحة. لكن العائدات الاقتصادية لهذه الامتيازات تراجعت بعد أن خسرت الدولة المصرية قوة السوق أمام المستثمرين الخاصين والدائنين الدوليين. وفي الوقت نفسه، أسفر الانحدار السريع للاستثمارات العامة إلى تقليص عائدات الجيش الراسخة سابقاً، والتي استخدمها لدعم قاعدته الصناعية وتوفير الوظائف لعناصره.

اجتذاب الاستثمار في عهد مبارك

عمد قادة الجيش، في سبيل تحصين أنفسهم ضد حملة حكومات مبارك للتحرير الاقتصادي والخصخصة، إلى تنويع محفظة القوات المسلحة الاقتصادية الدولتية عبر الحصول على تمويلٍ وتكنولوجيا من مصادر القطاع الخاص الأجنبي والمحلي، وأيضاً عبر شراكات مشتركة مع مروحة من رجال الأعمال غير العسكريين والمصالح الأجنبية.5

منحت هذه العمليات من التمويل والمصادر التكنولوجية الجديدة القوات المسلحة مداخل إلى حلقات الإمدادات العالمية في صناعات تتراوح من صناعة السيارات وإنتاج أجهزة الكومبيوتر، إلى إعادة تدوير مياه الصرف الصحي وصنع الألواح الشمسية. كما نشطت القوات المسلحة للحفاظ على دورها كمزوِّد محلي ومتعاقد من الباطن في مشاريع البنى التحتية – على غرار مزارع الريح - التي يموّلها مانحون أجانب.6  إضافة إلى ذلك، نجحت القوات المسلحة في الحصول على استثمارات صغيرة في بعض المشاريع الجاذبة للاهتمام العام، التي شكّلت عنصراً مهماً في البرنامج الاقتصادي لعهد مبارك – بما في ذلك منشآت حاويات البضائع التي بُنيَت في المرافئ البحرية المصرية.

هذه المشاريع المشتركة تُعتبَر استثمارات مهمة جديدة من طرف مصارف الدولة والمقرضين الدوليين، ومن كتل شركات شحن ضخمة في حالة النقل البحري. وقد أشعلت الاستثمارات الخاصة الكثيفة في قطاع الموانئ المصري النمو في صناعات تكميلية بقيت فيها القوات المسلحة نشطة، مثل خطوط السكك الحديدية الداخلية، وصنادل توفّر النقل عبر نهر النيل.7  ولأن العديد من هذه المشاريع المشتركة نُظِّمت من قِبَل شركات قابضة تحت سلطة وزارة الاستثمار، فإن الدولة المصرية كانت عُرضَةً إلى خسائر مالية محتملة، فيما القوات المسلحة لها سيطرة كأمر واقع على العائدات.8  هذا الترتيب لم يغِب عن بال محلّلي الاستثمارات الإقليميين الذين سلطوا الضوء على "الدعم الكامل" للحكومة، الذي تمتّعت به هذه الشركات القابضة بوصفه عاملاً يجب أن يتدارسه المستثمرون المفترضون وهم يدقّقون في مدى قابلية عمليات الدعم والمشاريع المشتركة للاستمرار.9

والحال أن مثل هذه الثقة من جانب المستثمرين، هي التي كانت تدور في خلد الجيش حين استنفر لحماية أرصدته الاستراتيجية المتعلقة بشركاء الاستثمار في القطاع الخاص الجاذب للاهتمام العام، خلال قلاقل 2011- 2012 التي شملت القمع العنيف لتظاهرات عمالية هدّدت الإنتاج في مواقع أساسية.

حماية شركاء الاستثمار ومواقع الإنتاج

أدّى الفراغ الفوري في السلطة غداة إطاحة مبارك – وهو فراغ ضخَّمته عقود من قمع المعارضة وترصُّدها – إلى جعل الجيش الطرف الأقوى في المعادلة السياسية. وقد زادت سيولة المشهد السياسي المصري التي تلت ذلك، القيمة المُتصورَّة للجيش كشريك استثماري إلى حدّ كبير. كما سمحت القيادة للقوات المسلحة بإطلاق العديد من الإشارات إلى مستثمرين محليين، منها:

  1. الجيش قادر على ضمان استمرار الحصانة إزاء الإشراف الحكومي على مؤسساته (وشركائه في العمل).
     
  2. خلال فترات الاضطراب المُلتهبة، يوفّر الاستثمار، إلى جانب الذراع القهرية للدولة، أمناً مضافاً للأصول المُكلِفة.
     
  3.  التهميش والاضطهاد المُحتمَلان لرجال الأعمال المرتبطين بعهد مبارك، والذين تعرّضوا إلى الخزي والعار، يمكن أن يُشرّعا الأبواب والنوافذ أمام فضاء استثماري جديد، ويؤدّيا إلى إعادة بيع أصول مخصخصة سابقاً تابعة للدولة، بما في ذلك الأراضي.

أبدى العديد من الشركات والمستثمرين الدوليين استجابة لهذه الرسالة، وباتوا متشوقّين لاسترضاء الجنرالات بأمل ممارسة نفوذ على الاقتصاد في حقبة مابعد الثورة.10  وكانت إحدى المحصّلات السريعة هي التكثيف السريع والتوسُّع في عقود الإنتاج المشترك للأسلحة التي وُقِّعَت في الأيام الأخيرة من عهد مبارك، وأيضاً خلال الولاية المبكّرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وعلى الرغم من أن الإنتاج المشترك بين القوات المسلحة المصرية وشركات الدفاع الأجنبية قائم على قدم وساق منذ سنوات طوال، إلا أنه فشل في توليد أي عقود تصدير ذات شأن للجيش المصري، عدا الصفقات التي تتضمّن فوائض، أو أنظمة تُعدّل أهدافها لصالح دول فقيرة لاتستطيع تحمُّل أعباء بدائل أفضل، أو مبيعات تتم بإشراف رعاية أميركية.11  بيد أن كل ذلك بدأ يتغيّر في سنوات الهزيع الأخير من حكم مبارك. وقد أظهر تقرير من السفارة الأميركية في القاهرة، في العام 2010، أن طلبات نقل التكنولوجيا من سلطة التسلّح المصرية ازدادت بشكل ملموس خلال السنة الماضية. وهذا عكس رغبة الجنرالات في توسيع صادرات الأسلحة التي تحتوي تكنولوجيا أميركية، بما في ذلك احتمال بيع دبابات M1A1 للعراق، وذخائر للسعودية، ودعم تقني لترسانة تركيا من صواريخ "هوك".12  وخلال الفترة نفسها، طلب مسؤولون في القوات المسلحة أيضاً الإذن الأميركي للسماح لمسؤولين من تونس و العراق بالقيام بجولات في منشآت الإنتاج العسكري.13

مع تداعي سلطة مبارك، ضاعف الجيش جهوده لإبرام اتفاقات إنتاج مشترك مع شركات دفاع أجنبية، الأمر الذي لم يعنِ فقط توفير فرص أفضل لصادرات مستقبلية، بل أيضاً الحصول على مداخل إلى تكنولوجيات جديدة ومواقع محتملة للضباط في مشاريع مرموقة. وعلى سبيل المثال، في 11 شباط/فبراير – تماماً حين كان مبارك يتأرجح على شفير الاستقالة القصرية – أعادت البحرية المصرية التفاوض حول عقد بقيمة 13 مليون دولار مع شركة "سويفتشيب" Swiftship سبق أن وُقِّع في العام 2008. ونصّ العقد المعدَّل، الذي زادت كلفته بنحو 20 مليون دولار لسفن الدورية الأربع نفسها التي وردت في العقد الأصلي، على أن يشارك حوض مصري لبناء السفن في تجميع هذه السفن وإنتاجها. وتضمّن أيضاً نقل التكنولوجيا، وبناء منشآت جديدة، واستيراد معدات رأسمالية جديدة، وعقوداً طويلة الأمد لقطع الغيار والتصليحات، وتدريباً جديداً للعنصر البشري.

أما الإشارة النهائية على أن القوات المسلحة المصرية لاتزال منفتحة على النشاط الاقتصادي، فجاءت بعد ذلك بخمسة أشهر، أي في تموز/يوليو، حين أعلنت الولايات المتحدة (على الرغم من تواصل العنف ضد المتظاهرين ونزول مئات الآلاف إلى ساحة التحرير ضد حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة) عن القسط الحادي عشر من برنامج الإنتاج المشترك لدبابة M1A1، وقيمته 1.3 مليار دولار.

في أيلول/سبتمبر 2011، وأيضاً في خضمّ التظاهرات، وقّعت الشركة التركية Yonca-Onuk JV اتفاقاً مع مصر لصنع ستّ سفن دورية مسلّحة في الحوض البحري التابع للقوات المسلحة المصرية في الاسكندرية.14  وقبيل هذه الصفقة، بدأ بالفعل التعاون الإنتاجي المشترك بين تركيا ومصر في مناسبة واحدة، لكن هذا تم بحّثٍ مباشر وعاجل من واشنطن.15  وبسبب تضافر كلٍّ من نفوذ القوات المسلحة المتنامي والمتضخّم والحصانة المنيعة المفترضة لبرنامج المساعدة العسكرية الأميركية (التي توفِّر جلّ مشتريات ميزانية الدفاع المصرية)، فقد تزايدت جاذبية القوات المسلحة كشريك لشركات الدفاع الأجنبية.

وفي سبيل تعزيز ثقة شركاء الاستثمار، أصدرت القوات المسلحة مروحة من الإشارات أبدت خلالها استعدادها للعمل للحفاظ على الأمن والنظام مهما كلّف الأمر، بما في ذلك تشويه سمعة المحتجّين على أنهم سفّاكون. كما عمدت إلى فضّ الإضرابات بعنف، وأطلقت تهديدات غريبة – مثل الإعراب عن نيّتها إنهاء إضراب خطوط السكك الحديدية من خلال تجنيد منتهكي القانون مباشرة في الجيش- . وحين احتلّت عمليات التوقّف عن العمل صدر الأخبار، سارع المسؤولون العسكريون إلى تطمين المراقبين بأن العمل سيُستأَنف كالعادة من دون عرقلة.16

نشرت القوات المسلحة جنوداً لحماية أصول شركائها من الشركات. وخلال انتفاضة العام 2011، زُوِّد الفرع المصري لمجموعة الخرافي الكويت ية، التي لها عدد من المشاريع المشتركة مع القوات المسلحة المصرية،17  بحرسٍ مسلّح لضمان التسليم الآمن للمعدات إلى مصنعه للطاقة (مصنع الشباب). ووفقاً لنشرة إخبارية أصدرتها الشركة:

قدّم الجيش المصري القوات، معززةً بالدبابات، لحماية مواقع الطاقة الرئيسة في الشباب ودمياط. كما استخدم الجيش المصري العناصر العسكرية المسلحة لمرافقة نقل قطع كبيرة من المعدات لطوربينات الغاز من مرفأ الإسماعيلية إلى موقع الشباب.18

وعلى الرغم من الاضطرابات، أعلنت مجموعة الخرافي بسرعة عن استثمارٍ بقيمة 80 مليون دولار لتوسيع البنى التحتية الصناعية في مصر.

وبالمثل، وفي حين أُرجِئ العديد من الصفقات المالية في خضم الشكوك حول خليفة مبارك، لم تؤخِّر حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنشطة شركات الأسهم الخاصة التي تتضمّن صفقاتُها شركات ومستثمرين لهم روابط وعلاقات بالجيش. إحدى هذه الشركات، "سيتادل كابيتال" Citadel Capital (الآن شركة القلعة)، استحوذت على شركة خدمات كبرى في العام 2009 كان رئيسها جنرال متقاعد. وفي خريف العام 2011، وعلى الرغم من الاضطرابات المتفاقمة واستمرار الالتباسات والشكوك، تمكّنت الشركة من تأمين قرض ضخم دعمته شركة الاستثمار الخاص الخارجي التابعة للحكومة الأميركية.19

أما شركات الأسهم التي ليس لديها تاريخ من التعامل مع الجيش – مثل تلك المرتبطة بجمال نجل حسني مبارك الأصغر – فهي كانت أقل حظاً.20  وكذا الأمر بالنسبة إلى شركات مرتبطة (أو يُعتقَد أنها مرتبطة) بجماعة الإخوان المسلمين. وكما أن الشرطة العسكرية تخلّت استراتيجياً عن حماية القصر الرئاسي والمستشفيات العامة الكبرى، في مسعًى إلى تقويض سلطة مبارك (وسلامته الشخصية) خلال أحداث مفصلية كبرى، كذلك حُرِمَت الشركات المرتبطة بالإخوان المسلمين من نوع الحماية الأمنية والبوليسية التي وُفِّرَت للشركات الشريكة للجيش على غرار مجموعة الخرافي.21

قمعت القوات المسلحة التظاهرات العمّالية التي اندلعت على مقربة من العمليات الاقتصادية الكبرى التي للجيش مصالح مالية مباشرة فيها – بما في ذلك مصانع معالجة البتروكيماويات، ومناطق التصدير، والمرافئ البحرية، ومشاريع التصنيع متعدّدة الجنسيات. وكان هذا صحيحاً على وجه الخصوص في السويس، حين اشتبك عناصر الشرطة العسكرية (وأفراد الشرطة السرّية من وزارة الداخلية) مع المحتجّين والعمّال المضربين.22  كما قامت الشرطة العسكرية بفضّ إضرابات في مطار القاهرة – حيث المواقع الإدارية العليا والتنفيذية في هذا الصرح كانت محفوظة للضباط المتقاعدين كنوعٍ من برنامج تقاعد غير رسمي.23

بالمقارنة، كان تدخّل الجيش بطيئاً في عهد مبارك. وقد نجحت الاحتجاجات والتظاهرات العمّالية في عرقلة الأعمال في العين السخنة (على البحر الأحمر)، وأغلقت المنشآت الشرقية لمرفأ بور سعيد لثلاثة أيام في ربيع العام 2013؛ وحوّلت العديد من شركات الشحن البحرية طرقها وأفرغت حمولتها في إسرائيل لتجنُّب التأخير. لكن العمل استُؤنِف في نهاية المطاف في كلا الموقعين بعد انتهاء المفاوضات مع القادة النقابيين. لكن، وحين لم تُطبَّق الاتفاقات بعد نحو السنة في ظل حكومة السيسي الجديدة، تم إرسال قوات الشرطة والجنود من الجيش الثالث لتفريق المضربين في بور سعيد وفي العين السخنة، وعمد أفراد الشرطة العسكرية إلى تفريغ السفن المُنتظرة وخدمتها بأنفسهم.24  هذه المقارنة الفاقعة في ميل الجيش إلى التدخّل، تشي بوجود استراتيجية هادفة مُصمَّمة لمفاقمة التعثّرات الاقتصادية لحكومة حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين.25

طيلة فترة مابعد الثورة، استخدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة استثماراته الاستراتيجية للتأثير على أسلوب تغطية الأخبار. وفي البيانات العامة التي تُبرِز ماوصفه اللواء الركن نصر بالمساهمات الخيرية للقوات المسلحة المصرية في الاقتصاد المصري، تحدّث نصر عن منح 58 مليون دولار إلى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري. لكن مالَم يفصح عنه هو أن الهيئة العربية للتصنيع التابعة للجيش مُستثمِرة إلى جانب الاتحاد في شركة الفضائية المصرية. وهذه الشركة، المعرفة بـ"نايلسات"، أثبتت أنها شريك يُعتَدّ به للجيش في الثورة المضادة في خريف العام 2013، حين منعت فضائية الجزيرة من استخدام قمرها الاصطناعي لبثّ صور عن الأزمة المتواصلة في مصر.26  (وهذه لم تكن المرة اليتيمة التي تُستهدَف فيها الجزيرة. فقد حُكِم على ثلاثة صحافيين من هذه المحطة، التي تتّخذ من قطر مقراً لها، بالسجن لمدد طويلة في حزيران/يونيو 2014، بعد أن أُدينوا بتُهمَ مشكوك بصحّتها تتعلّق بتشويه الأخبار ومساعدة جماعة الإخوان المسلمين.27

تحالف مع الإخوان المسلمين

ساعدت أيضاً الخطوات التي اتّخذتها قيادة القوات المسلحة لتشكيل النظام السياسي، في فترة مابعد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الجيشَ في الحفاظ على سيطرته المؤسّسية على موارد اقتصادية رئيسة، بل وتوسيعها كذلك. فقد نجح الجيش في الحصول على ضمانات دعم (أو على الأقل عدم التدخّل) في قضايا أساسية من جانب القيادة المُنتخَبة لحزب الحرية والعدالة. كما حاول القادة العسكريون توجيه السياسة الاقتصادية العليا في اتجاه يُفيد على نحو انتقائي عملياتهم، وانخرطوا في حمأة مناورات سياسية حذقة وبارعة، هدفت إلى تهميش أو استلحاق العديد من مراكز القوى التابعة للنظام السابق.

العديد من السياسات التي مورِسَت في حقبة مابعد الثورة من جانب كلٍّ من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومرسي (على غرار وقف دعم الوقود لمؤسسات الصناعية)، لم تشكِّل تهديداً يُذكَر للأنشطة الاقتصادية للجيش، لأن بنود الدعم للجيش غير منصوص عليها في التنظيمات، وبالتالي لاتتأثر بقطع الدعم.

والواقع أن العديد من السياسات التي مورِسَت في حقبة مابعد الثورة من جانب كلٍّ من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومرسي (على غرار وقف دعم الوقود لمؤسسات الصناعية)، لم تشكِّل تهديداً يُذكَر للأنشطة الاقتصادية للجيش، لأن بنود الدعم للجيش غير منصوص عليها في التنظيمات، وبالتالي لاتتأثر بقطع الدعم. ولأن الميزانية العمومية للجيش (وبالتالي أيضاً أكلافها من الطاقة) أُبقيَت سرّية، فقد بدا المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنه صانع قرار مسؤول مالياً، لكن في الحقيقة وقع العبء بشكل غير متناظر على منافسي الجيش.

لكن الأكثر أهمية أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضَمَنَ أن الأحزاب السياسية الرئيسة المشتركة في النظام الانتخابي الجديد، ستدعم استمرار حصانة الجيش من الرقابة على الموازنة. وعلى الرغم من بعض المطالب الأوّلية لفرض المحاسبة،28  لم يستطِع جهاز الكسب غير المشروع تطبيق السلطان القضائي على الضباط العسكريين، وهذا يعود جزئياً إلى أن العديد من الخبراء القضائيين وضعوا الأولوية لملاحقة عصبة رجال الأعمال وثيقة الصلة بمبارك، بدلاً من وضع الجيش تحت السلطة القضائية المدنية.

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن المبادئ الدستورية نفسها التي تضمّنت الحصانة القانونية للجيش، والتي أثارت سابقاً إدانة عنيفة وقاسية من قِبَل حزب الحرية والعدالة، أُدخِلَت في خاتمة المطاف إلى الدستور الذي عُرِضَ على مرسي في كانون الأول/ديسمبر 2012. 29  كما تم في الدساتير اللاحقة ضمان إعفاء الجيش من الحظر على العمل الإجباري (ماسمح باستمرار نظام أعمال الخدمة في الجيش)، وأيضاً ضمان سريّة المؤسسات المالية الخاصة بالقوات المسلحة. وقبل ذلك، كانت جماعة الإخوان المسلمين قد ضبطت بحزم أنصارها الشباب وحفّزتهم على عدم المشاركة في الاحتجاجات المناوئة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في الأشهر التي سبقت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام 2012، كما أفرغت المطالب الخاصة بمحاسبة الجيش من معظم زخمها.30

لكن هذه التسوية المؤقّتة بين حزب الحرية والعدالة والجيش أثبتت أنها من عمر الورود، مع أنها كانت واضحة في مروحة من المجالات: من إنهاء الحظر كأمرٍ واقعٍ على ترقية الجنود واضحي التديّن (بما في ذلك إدخال ابن أخ مرسي إلى أكاديمية تدريب عسكري في آذار/مارس 2013)، إلى الدعم الصريح للسلطة العسكرية غداة التقرير الحكومي في العام 2013، والذي أظهر بجلاء أن جنوداً ورجال شرطة ارتكبوا جرائم خطيرة خلال الثورة وماتلاها من اعتقالات.31  كما أورد الإعلام المصري بنود الصفقات المزعومة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين حزب الحرية والعدالة، والتي شملت "خروجاً آمناً" يوفّر حصانة لأعضاء المجلس الأعلى؛ واتفاقاً بألا يطرح حزب الحرية والعدالة مرشحاً للرئاسة لايعتبره الجيش مقبولاً؛ وترتيباً يمنح الجيش السيطرة على السياسة الاقتصادية العليا، فيما هو يترك السلطان القضائي على وزارات الخدمات (وزارات التعليم والشباب والثقافة، إلخ) في يد جماعة الإخوان.32

علاوة على ذلك، ناسب إعلان مرسي الانفرادي الخاص بإنهاء خصخصة شركات القطاع العام، السردية عن وفاقٍ بين القوات المسلحة وحزب الحرية والعدالة، لأن المصانع العسكرية كان يُحتمَل أن تكون على خط الخصخصة في الجولة التالية من عملية البيع. والأمر نفسه انسحب على خطوات مرسي الحاذقة في تنفيذ التنقّلات في بعض مواقع السلطة العسكرية (بما في ذلك أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة)، وفي إبعاد ضباط رفيعي الرتب عبر تعيينهم في مواقع مُربِحة ونافذة في هيئة قناة السويس، والهيئة العربية للتصنيع، ومناصب في وزارة الدفاع، وأيضاً في اختيار بدائلهم من بين صفوف كبار القادة.33  إضافة إلى ذلك، وعد مرسي بمعالجة بعض تظلّمات الجيش، متعهّداً بإعادة نشر القوات المسلحة في سيناء وتنويع مصادر مصر الأجنبية من الأسلحة والتدريب.34

عدا هذه اللائحة من الوفاقات، ثمة مثل فاقع الوضوح لكيفية نجاح الجيش في تحسين موقعه الاقتصادي عبر التحالف مع حزب الحرية والعدالة، تجسّد في المشاريع التي حظيت باهتمام عام، والتي أعلنتها القوات المسلحة إبان ولاية مرسي.35  فقد كشف إعلان في العام 2013 نُشر على الموقع الالكتروني الرسمي لحزب الحرية والعدالة، النقاب عن أن وزارة الإنتاج الحربي "استحوذت" على شركة نصر لصناعة السيارات "ناسكو"،36  وهي الشركة المتهالكة والغارقة للغاية في لجج الديون. لقد كانت صناعة وتجميع سيارات الركاب والعربات الأخرى غير العسكرية مركزية دوماً للنجاح الاقتصادي للجيش المصري، لأن التكنولوجيات والتسهيلات والمعدات المتوافرة من خلال التصنيع التعاوني للعربات العسكرية، يمكن أيضاً استخدامها في إنتاج السيارات المدنية التي يبيعها الجيش في السوق المحلية.

والواقع أن صناعة سيارات محلية الصنع حقاً كانت أساساً تُعتبَر عاملاً حاسماً في عملية تحديث مصر، ولذلك كانت إعادة إحياء شركة "ناسكو" رمزية للغاية.37  ثم برزت علامة حسن نية أخرى بين القوات المسلحة وحزب الحرية والعدالة خلال زيارة مرسي لروسيا في نيسان/أبريل 2013، حين حصل على وعد من موسكو باستثمار أموال الدولة الروسية في شركة السيارات المصرية العليلة،38  والتي حصلت القوات المسلحة على أصولها مجاناً.

مع أن المشاريع الصناعية الصغيرة، على غرار صناعة السيارات وتجميع الألواح الإلكترونية، كانت أرضاً خصبة للاتفاق بين الجيش المصري وجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن مشروع توسيع وتنمية قناة السويس الضخم أثبت أنه يفوق قدرة هذا التحالف المتقلقل على استيعابه.

ويمكن كذلك معاينة الشراكة الاقتصادية قصيرة العمر التي أبرمها حزب الحرية والعدالة مع الجيش في "الآي باد المصري" الذي حظي بدعاية مبالغ فيها، وهو جهاز كمبيوتر لوحي يُدعى "إينار" Inar. فمع أن هذا المشروع كان قيد العمل منذ سنوات، إلا أن التقدّم لم يُحرَز فيه إلا في صيف العام 2013، حين أعلنت الحكومة التي يقودها حزب الحرية والعدالة عن مناقصة عامة كبيرة. ووفقاً لصحيفة "دايلي نيوز مصر" Daily News Egypt، 39  تقدّمت ثلاثة تكتّل شركات بعروض المناقصة ، بينها اثنتان تتكوّنان من شركات أجنبية متعدّدة الجنسيات. لكن مالَم يوضحه تقرير الصحيفة هو أن التكتلات الثلاث كلها تضمنّت شركات يملكها الجيش، منها الهيئة العربية للتصنيع، شركة "بنها" للإلكترونيات (وهي جزء من وزارة الإنتاج الحربي) والشركة العربية لتصنيع أجهزة الكومبيوتر التي تشمل لائحة مالكي الأسهم فيها الهيئة العربية للتصنيع، وشركة "بنها"، ووزارة الإنتاج الحربي.

ومثله مثل مشروع إحياء شركة "ناسكو"، نُشِر مشروع الكومبيوتر اللوحي المصري على الموقع الالكتروني لحزب الحرية والعدالة، الذي فاخر أيضاً بطلبات الاستيراد المُقدمة للكومبيوتر اللوحي من الكويت وقطر والسعودية، إضافة إلى طلبات عديدة تقدّمت بها مختلف وزارات الحكومة المصرية. وقد رسَت المناقصة في نهاية الأمر على شركة "بنها"، مع أن الكثيرين في قطاع التكنولوجيا المصري أطلّوا على مشروع "إينار" بوصفه مخاطرة تضمّنت مبالغات في الترويج له، وشكّكوا في قدرة تكتل الشركات الفائز على برمجة نظام عملاني أساسي للكومبيوتر اللوحي الجديد.

مشروع قناة السويس وتوترات في العلاقة

مع أن المشاريع الصناعية الصغيرة، على غرار صناعة السيارات وتجميع الألواح الإلكترونية، كانت أرضاً خصبة للاتفاق بين الجيش المصري وجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن مشروع توسيع وتنمية قناة السويس الضخم أثبت أنه يفوق قدرة هذا التحالف المتقلقل على استيعابه.

والحال أن تحويل قناة السويس إلى مركز لوجيستي ضخم ومركز للتصنيع الثقيل، لطالما كان هدفاً يرنو إليه بصر المخطّطين الاقتصاديين في الجيش، الذين تقدّموا بمختلف الاقتراحات لإقامة محطات طاقة شمسية ورياحية (من ريح)، وطاقة باطن الأرض في منطقة السويس وحولها، للإفادة من قدرات المنطقة الصناعية. وبالطبع، ستلعب الشركات التي يملكها الجيش أدواراً رئيسة في عمليات البناء وتوفير المعدات لمثل هذه المشاريع. إذ أن وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع لديهما مصانع قادرة على صناعة سلع مثل الأبراج، ومسنّنات تغيير السرعة في السيارة، والزجاج المعزول المستخدم في طوربينات الريح. وحين أعلن مسؤولو حزب الحرية والعدالة في أواخر العام 2012 عن الخطط لتحويل القناة إلى مركز لوجيستي عالمي، بدا أن الإرادة السياسية ودعم الدولة لمثل هذا المشروع سيتوافران أخيراً.40

لكن، وفيما كان حزب الحرية والعدالة يعلن عن خطط القناة، كشف مستشار حكومي مصري النقاب عن أن الإشراف على التوسيع سيوضع بين يدي رئيس واحد سيكون في رتبة نائب رئيس الوزراء ويكون تابعاً مباشرة لمرسي، الأمر الذي جعل القوات المسلحة مجرد واحدة من مجموعة هيئات حكومية منخرطة في هذا الجهد.41  وقد كانت هذه الخطوة الهادفة إلى تهميش دور الجيش في أكبر مشروع للبنى التحتية منذ عقود، حاسمة في جعل حزب العدالة والتنمية يخسر دعم القوات المسلحة.

ليس من المبالغة في شيء إبراز الأهمية الكبيرة التي يوليها الجيش للقناة - ليس فقط في مجال العائدات بل أيضاً في تزويد القوات المسلحة المصرية بالتبرير لإقحام نفسها في النقاشات حول التخطيط الاقتصادي طويل الأمد. فالعديد من الخدمات المرتبطة بالقناة كانت تقدّمها أساساً شركات مرتبطة بالجيش، وكانت هذه ستتضرر إذا ما استُبعِدَت القوات المسلحة عن عمليات اتخاذ القرار المتعلّقة بخطط تنمية القناة. وتزعم نظريات المؤامرة أن البيع الوشيك للقناة إلى مصالح أجنبية، كان دوماً الوسيلة الكلاسيكية لتعبئة المعارضة الوطنية للحكومات القائمة، ولتذكير المواطنين بمسؤولية الجيش في تأمين الموارد الاستراتيجية لمصر.

إن كلاً من الأهمية الاقتصادية للقناة وأبعادها الرمزية، جعلا خطة توسيع هذا الممر المائي نقطة الارتكاز للصراع المتفاقم بين القوات المسلحة وحزب الحرية والتنمية. وقد حددت عاصفة البيانات الرسمية التي تلت الإعلان المبدئي لحزب الحرية والعدالة، الخطوط الفاصلة التي حاول كل طرف أن يرسمها حول مناطق سلطته. ففي 19 آذار/مارس 2013، أعلن مرسي أن الهند ستكون الشريك الأول لمصر في عملية التوسيع الضخمة. لكن بعدها بيومين، جاء في عنوان لصحيفة "مصر الجديدة": (وزير الدفاع) السيسي يحذِّر مرسي (ورئيس الوزراء) قنديل: لن يكون هناك عنوان يُعطى للأرض قرب القناة.42  ونُسِبَ إلى مسؤول عسكري قوله في المقال أن خطط الحكومة لتوسيع القناة، لن تخطو خطوة إلى الأمام إلى أن تُقرّ القوات المسلحة التفاصيل. وحذَّر المسؤول من أي انخراط أجنبي في المشروع، ماقد يتسبّب بنزاعات مستقبلية (في إشارة إلى مفاوضات مرسي مع الهند). وواصل المسؤول حديثه معدّداً لائحة بمطالب القوات المسلحة، التي شملت حصر السلطان التشريعي بمحاكم مصر في أي نزاعات تتعلّق بالمشاريع الصناعية أو التجارية، وقواعد أكثر صرامة تُفرَض على الشركات الأجنبية.

وقد كرّر ناطق عسكري لاحقاً هذه المطالب، وأصرّ على أن الشركات والمشرفين المنخرطين في المشروع يجب أن يحظوا باحترام واسع النطاق ويكونوا غير خاضعين إلى نزوات أو هوى أي حزب سياسي بعينه (وهي لغة مرمّزة تريد الإشارة إلى الدور القيادي للقوات المسلحة). وبعد ذلك بيومين، ردّ بيان صدر في 23 آذار/مارس عن الناطق الرسمي باسم هيئة الإعلام في الدولة، على بيانات الجيش، ركّز على أن الهيئة التي شُكِّلَت للإشراف على توسيع القناة ستكون تحت سلطة الرئاسة، وبالتالي ليس تحت السلطان القضائي للقوات المسلحة.

ومع أن مسؤولي حزب الحرية والعدالة أتبعوا هذا البيان شديد الصراحة والوضوح بسلسلة من البيانات التوافقية التي هدفت إلى تهدئة مخاوف الجيش، إلا أن العديد منها قصُر عن الرضوخ إلى فيتو القوات المسلحة. وهكذا، أصرّ وزير الإسكان التابع لحزب الحرية والعدالة، طارق وفيق، على أن الحكومة ستُطلِع قادة الجيش على مسودة القانون الخاص بالمشروع وتستمع إلى وجهة نظرهم ورؤيتهم، لكنها لن توافق على أي اعتراضات، ولن تعدِّل الخطط الراهنة للقناة.43

لكن، بعد ثلاثة أشهر، أُجبِرَ وفيق على التراجع، وأعلن أن الجيش – الذي قال إنه الآن وراء المشروع "مئة في المئة" – سيكون الكيان الوحيد الذي له سلطة منح رخص للشركات العاملة في الخطة. لكن، بدا واضحاً في هذه المرحلة أنه من المستحيل ترميم التحالف بين الطرفين. (أُميط اللثام لاحقاً عن أنه خلال هذه المرحلة، كان مرسي يحاول استبدال السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، بشخص مطواع أكثر، وهي الخطة التي تخلّى عنها في نهاية المطاف بسبب معارضة المؤسسة العسكرية لها).44

علاوة على ذلك، كشف النزاع المتعلّق بمقاربات الطرفين المتناقضة لمسألة التدخّل في سورية، مدى تفاقم التوتر في صفوف القيادة، كما ظهر في ردّ الحكومة المخطَط له على التظاهرات المُطالِبة باستقالة الرئيس.45  وهنا، أصدر القادة العسكريون بيانات علنية تحذّر من أنها لن تتسامح مع العنف الذي يرعاه حزب الحرية والعدالة ضد المحتجّين، وأبدوا نفوراً متزايداً من واجباتٍ على غرار حراسة مكان سكن مرسي، وتنفيذ حظر التجوّل غير الشعبي الذي أقرّه حزب الحرية والعدالة.46

وحين تحوّلت التظاهرات إلى العنف، سحبت القوات المسلحة شرطتها العسكرية من مؤسسات رئيسة مثل المستشفيات العامة، التي شهدت عمليات سلب ونهب وتسبّبت بإضرابات من قِبَل موظفي العناية الصحية،47  مافاقم الفشل الأمني المفترض لمرسي. كما ذهبت القوات المسلحة إلى مدى استثنائي أبعد كي تُبرِز التعثّرات الاقتصادية للنظام عشية بدء العدّ العكسي لانقلاب تموز/يوليو 2013، وعمدت إلى إطلاق المخزون الاستراتيجي لتخفيف وطأة النقص الحاد في الوقود والصفوف التي لانهاية لها أمام محطات الوقود، مباشرةً فور وضع الجيش الرئيس قيد الاعتقال.48

تعزيز المكاسب في حقبة مابعد مرسي

في عهد السيسي والحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش التي سبقته، تركَّزَ خطاب الحكومة الاقتصادي على تحسين الخدمات العامة وتوسيعها؛ وتأمين السلع الأساسية بـ"الأسعار المناسبة":49  واستئناف مشاريع البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك استصلاح الأراضي وتوسيع النقل العام؛ وإحياء العمليات الصناعية الكبرى.50

سهّلت إطاحة مرسي وتعزيز النظام العسكري الجديد قدرةَ القوات المسلحة المصرية على تحويل أموال الدولة إلى المشاريع التي لها مصالح فيها. أحد الأمثلة على ذلك هو القرض الذي قدّمه البنك الأهلي المصري بقيمة 20 مليون دولار، في كانون الثاني/يناير 2014، لفرع من شركة ثروة للبترول Tharwa Petroleum التي يمتلك الجيش حصة مباشرة فيها.51  ومع أن الشركة أجرَت القليل من الأعمال مع الدولة بين العامَين 2011 و2013، إلا أنها مُنِحَت امتيازَين كبيرَين في الحقبة قصيرة الأمد منذ مغادرة مرسي الحكم.52

سهّلت إطاحة مرسي وتعزيز النظام العسكري الجديد قدرةَ القوات المسلحة المصرية على تحويل أموال الدولة إلى المشاريع التي لها مصالح فيها.

وبالمثل، ثمة مؤشرات على أن الحصص المملوكة من الدولة في شركة "فودافون مصر" ذات الأرباح المرتفعة، تُحوَّل إلى ملكية عسكرية،53  الأمر الذي من شأنه أن يتيح الفرص للضباط المتقاعدين لعقد شراكات مع الشركة في مشاريع جديدة.54  كما أن دعم الشركات العسكرية من خلال المصارف المملوكة من الدولة، وتوزيع العقود المرغوب فيها على شركات الضباط المتقاعدين هما ممارسة قديمة، إلا أن حدّة هذه الممارسة ستزيد على الأرجح نظراً إلى إحكام الجيش قبضته على السلطة مجدداً.

لكن مشاريع البنية التحتية تبقى المجال الذي ينطوي على الإمكانيات الأكبر لمشاركة الجيش؛ وهذه المشاريع تضمّ بشكل أساسي "توشكا" – أي مشروع "الوادي الجديد" لاستصلاح الأراضي – ومشروع توسيع قناة السويس.

والواقع أن مشروع توسيع وتنمية قناة السويس – الذي تتولّاه اليوم بإحكام هيئة قناة السويس التي يهيمن عليها الجيش55  - أضحى مشروعاً طموحاً أكثر في عهد السيسي. يشمل المشروع توسيع ستة موانئ مصرية، وبناء عدد من الأنفاق والمناطق الصناعية، وحفر قناة موازية للسماح بمرور السفن في الاتجاهين. هذه القناة بدأت بحفرها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية. وقد مُنِح عقد المخطط العام للمشروع لشركة "دار الهندسة" للاستشارات والمقاولات (المملوكة بشكل رئيس من مساهمين أردنيين ولبنانيين) ومقرّها الخليج، ولفرعها المصري "دار مصر"،56  الذي يُعتقَد أن الجيش المصري شريك فيه.57  فضلاً عن ذلك، أُطلِقَت مشاريع ثانوية عدة في قطاع النقل البحري، بما فيها بناء مستودع جديد، وعقود لتوفير تجهيزات ضخمة مثل زوارق السحب.

على الرغم من الحوادث المؤسفة والمحرجة التي تسبّب بها سوء التخطيط (بما في ذلك فيضان موقع حفر القناة الموازية، التي حدّد مهندس الجيش المصري موقعها قريباً جداً من القناة الحالية)، إلا أن المشروع الأوسع يحظى بشعبية كبيرة لدى المصريين. حينما أعلنت الحكومة عن عرض تراخيص استثمار في أيلول/سبتمبر 2014 لجمع الأموال لمراحل المشروع الأوّلية، بيعَت التراخيص بالكامل في ثمانية أيام فقط – وجُمِعت حوالى 9 مليارات دولار. وقد حُصِرت عمليات الشراء بالمواطنين المصريين، في سياسة سعَت من دون شك إلى تذكير المصريين بأن التمويل الأجنبي الذي التُمِس لبناء القناة الأصلية في منتصف القرن التاسع عشر، كان الدافع الأساسي وراء إفلاس البلاد واحتلالها لاحقاً من قبل البريطانيين. والاعتماد على التمويل المحلي فقط يُذكِّر بحملة بناء الدولة التي أطلقها ناصر، ويوطّد في الوقت نفسه الرابط الرمزي بين الجيش والقناة نفسها.

بيد أن ثمة شركات أجنبية تنخرط في العمل الفعلي المطلوب لتوسيع القناة.58  وقد أبدى أحد المدراء الأجانب إعجابه بـ"السرعة التي طُرِح بها المشروع في السوق، والسرعة التي عُرِض بها على المناقصة"،59  لأنه على الأرجح لم يكن ثمة إشراف على عملية المناقصة الفعلية. لاشك في أن جوانب المشروع تبدو أنها أضغاث أحلام دكتاتورية، مثل مطلب السيسي العام بأن يحفر الجيش القناة في عام واحد، في مقابل الأعوام الثلاثة التي قدّرها المهندسون لإنهاء العمل. هذه الإشارة الغريبة نفسها كانت حاضرة في إعلان الحكومة، في آذار/مارس 2015، بأنها تخطّط لنقل العاصمة بأكلمها إلى رقعة في الصحراء القاحلة شرق القاهرة مساحتها 700 كلم مربع.60

لكن حتى مع عملية البيع الناجحة لتراخيص تمويل القناة، مثل هذه المشاريع تتطلّب تعاون المستثمرين الأثرياء من القطاع الخاص مع رعاة الحكومة الخارجيين. وفي الواقع، سعى كلٌّ من مرسي، والحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش، والسيس