Menu
حضارة

عن نص شديد الحزن

ce7bf6c0-8d8c-46bb-9a23-a5f9fcb6f91d

ليلى السيد حسين - وكالات

يحدث أحياناً أن تُفتح لنا أبواب لم تكن في الحسبان. يحدث أحياناً لصورة واحدة أو فكرة أن تعيد صياغة حياتنا، فندخل دوامة الاحتمالات. تحلو لنا فكرة التوليف فنتفنّن في تأليف القصص. نصير نحن الحدث والممثل والمخرج والزمان والمكان. حين رأيت ذاك الفيديو على شاشة اللابتوب أيقنت أنّ الزمن مائي، ورأيت، خلال ثانية واحدة، شريط حياتي كلّه، لو أنّني خلقت في هذا الوعاء الذي شاهدته.

"هذا هو الرحم الاصطناعي الذي يتيح للجنين أن يكبر ويتغذى في رحم خارج رحم أمه، في وعاء يمدّ له الغذاء، ويضخّ له كل ما يحتاج من طاقة كي يكبر". انتهى الخبر كما جاء في الفيديو الذي شاهدته منذ فترة، والذي يشرح كيف تتم عملية الـ "ايكتو - جنسيس"(ectogenesis)، التي تتيح للمرأة أن تتخلّص من مراحل الحمل، وتنجب أطفالها في أوعية اصطناعية مبرمجةً تماماً كما الرحم الطبيعي.

في زاوية من التاريخ يقبع عالم الأحياء التطوري وأحد مؤسسي هذه العملية جون هالدين. العالم الذي توفي عام 1964 تركني مع أسئلة من دون أجوبة للعمر كله. لماذا أردت أن تخترع رحماً اصطناعيا يا جون؟ بم خيّبك رحم أمك فهربت تصنع رحماً جديداً في مختبرك؟ لو كبرنا نحن في مثل هذه الأرحام الاصطناعية، فهل كنّا سنصير على ما نحن عليه؟ كيف كنّا تعلمنا الحقد والأمل والفشل والحب والكراهية؟

قال جون يوما: "في معظم الأحيان، لا ندري إن كانت حالات الفشل أو النجاح الاجتماعية تنبع من الموروث أو من المحيط. إلا أنّ تغيير المحيط هو الطريقة الأسهل للتطور والتحسن". لا يدري جون في أيّ بؤرة نعيش اليوم. هو، سلم من العيش في رحم الموت المحيط بنا حالياً. لو عاش بيننا، لربما كان أودع الـ "ايكتو-جنسيس" في درجه وأخذ يفكر في كيفية الهروب. ربّما حاول أن يمسي مسخ كافكا، أو ينبت لنفسه جناحين، أو يتنفّس تحت الماء، علّه ينزوي بعيداً عنّا.

لو كبرنا كلّنا خارج أرحام أمّهاتنا لربّما وفرنا على العالم هذا الكم من الدم. كنّا سنوضع في هذه الأوعية، وكان أحدهم يدور فوق كل وعاء ويردّد لنا: الكون جميل، وأنتم أجمل. ما كان ينقص جون في مختبره، صوت ينز عاطفة على أداة تجاربه. هو الذي يعرف جيدا أنّ العاطفة تحرّر العالم، كان عليه أن يخترع رحماً يعرف كيف يضخّ حباً قبل أن يضخّ الأوكسجين.

كيف نستطيع أن نحجب الموت عن أطفالنا وهم في أجسادنا؟ تخبر الأمّهات أطفالهن بكل شيء، تخبر الأمّهات أنفسهن بكلّ شيء. عن ماذا سنخبر أطفالنا وهم في أرحامنا؟ سنقول لهم إنّنا ورثنا الموت عن أهلنا وأجدادنا دون أن نعيش ما عاشوه، وإنّنا سلمنا من الموت المحتمل كلّ دقيقة، سنقول لهم إنّنا عشنا مع الموت دون أن نرى وجهه، سيقولون لنا إنّ أخطر الوحوش وأمرّها تلك التي تختبئ تحت أسرّتهم دون أن تريهم شكلها. أمرّ الوحوش تلك التي تترصد في قلب الأرض. يبدو لي العالم اليوم كتلة موت تمطر غازاً. سأقول لأولادي إنّه حين يحاصرني الموت، حتى أكاد أختنق، أرى شهباً تخترق السماء وتأخذني للبعيد. أصعد إلى السطح، وأنظر إلى النجوم التي تتفادى المرور بجانبنا. لو كنت واحدة، لمررت في قلب الأرض علّها تنفجر، فنمسي غباراً وأضواءً، فلا موت تحت السرير ولا وراء الباب ولا مبرمج جينيّاً من أجدادنا.

الأرحام الاصطناعية أمامي من خلف الشاشة، وحولنا يسرّع الموت في قدرته على تغليفنا. أؤلف القصة الآتية: يحكى أنّه كان هناك كوكب. على هذا الكوكب أشجار كثيفة، وعلى غصون هذه الأشجار أرحام اصطناعية تطعمنا دفئاً وعاطفة. يحكى، أنّنا بقينا في أرحامنا، نصفّي أنفسنا، ونهدئ أرواحنا القلقة. يحكى أيضاً أنّ أحداً لم يخرج من رحمه، وأنّ أحداً لم يرَ وجه هذا الكوكب.

شباب السفير