Menu
حضارة

مصائر

تعبيرية

محمد صبحي

اذا يملك الإنسان في مصيره؟

 أليس يبدو أنه معلّق على شعرة في دنيا الاحتمالات التي لا تنقطع عشوائيتها ومصادفاتها؟

 تذكّرت ذلك وأنا استرجع مأساة نهاية حياة الملك الشمس أو لويس السادس عشر، ملك بتاجه وصولجانه وهيلمانه يشيّع إلى الموت بصوت واحد مرجِّح من 720 صوتًا هم أعضاء المجلس النيابي الجديد للثورة الفرنسية (الكونفاسيون). كانت الأصوات قد انقسمت وتعادلت في ذلك اليوم 16-1-1793 على مصير الملك، يحيا أو يموت، لولا أن طقّ في دماغ واحد من الاعضاء أن يصوّت مع المصوّتين على موت الملك لما تحقّقت –بفارق صوت واحد- الأغلبية التي أصدر بها "الكونفاسيون" حكمه بموت الملك. في لحظة من زمان وبصوت واحد رجحت الكفة، تضعضع السلطان وانهارت هيبة وصولجان الملك ومعهما حياة الملك..الملك الشمس.

ما بين صيف سنة 1793 وصيف العام التالي؛ أطارت مقصلة الثورة الفرنسية رقاب 40 ألف شخص إلى جانب مئات الألاف الذين أودعوا السجون. الغريب أن هذه الألاف لم تكن كلها من النبلاء وأشباههم من مناصري الملك المعدوم فلم تتعدّ نسبتهم 8%، بينما بلغت نسبة البرجوازيين 14% ونسبة رجال الدين 6%. الأكثر غرابة أن تأكل الثورة المطحونين من أبناء الشعب حتى بلغت نسبة من طالتهم مقصلة الثورة من الطبقة العاملة والمزارعين ما يصل إلى 70%.

الثورات عمياء بلا عقل ولا بصيرة، يخيّم غليها روح القطيع واندفاعات الكُتَل، لذلك كان ثمن جميع الثورات فادحًا يكاد يدفعه الجميع بلا تمييز. الغريب اللافت أن تعلّة الأمن تعلّة قديمة، لم تنج من الاتشاح بها حتى الثورة الفرنسية المتخَذّة مثالاً للثورات، فبذات تعلّة الأمن والأمان شكّلت الثورة الفرنسية لجنة الأمن القومي وعهدت إليها بتسيير الأمور. تشكّلت هذه اللجنة من 12 عضوًا في مقدمتهم نجمها الأول روبسبير، مثال الوطنية كما كان يُسمّى، يسانده المحامي الشاب المهووس سان جوست أو ملاك الإرهاب على ما شاع، والمشلول كوتون!

قصة الثورة الفرنسية التي أكلت نفسها في النهاية قصة طويلة، بدا للدارسين أنها لم يكن منها بدّ وأن كلّ محاولات مقاومتها والمصادرة عليها أخفقت، لأن الثورة كانت تملك أسبابها ووقود إشتعالها بينما لم تكن المقاومة تملك من أدوات الإطفاء ما تستطيع به إيقافها أو إخمادها. دروس وعِبَر متكررة في صفحات التاريخ، دورات متتالية في حلقات تسلّم كلّ منها لما بعدها ثم سرعان ما تنحسر وتتوارى لتسلس إلى أخرى. هذا الدوران أو إن شئت الفوران، هو ردّ فعل لأسباب ناشبة تغافل عنها العقل أو عولجت بالحمق، وكان لزامًا على التاريخ أن يكمل مسيرته، حتى ولو كان ذلك على رقاب العديد والعديد من البشر والمصائر.