Menu
حضارة

بين الخطر الصهيوني والتمدد الايراني وتباين اسلوب المواجهة

محمّد جبر الريفي

هكذا أصبح الصراع الذي يجتاح المنطقة هو صراع طائفي بامتياز، فلم يعد الخطر الصهيوني يشكل تناقضا رئيسيا مع النظام العربي الرسمي لهذا نجد أن دول رئيسية في هذا النظام مثل السعودية و مصر والأردن تخوض الآن مجابهات عسكرية خارج حدودها الإقليمية ضد ما تعتبره خطرا على أمنها وعلى أمن الوطن العربي وهذا ما يحدث في قيام دول مجلس التعاون الخليجي وبمشاركة كل من مصر والأردن ودول عربية أخرى، بعمل عسكري في اليمن ضد ما يعتبرونه تمدد ايراني من خلال انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية وهو الشيء الذي لم يفعله النظام العربي الرسمي إزاء الخطر الصهيوني الذي تمثله دولة الكيان الصهيوني منذ أكثر من خمس وستين عاما، وهو الاكبر الذي يهدد الوطن العربي لأنه خطر يهدف إلى اقتلاع بشري، كما حدث في حرب فلسطين عام 48 حين جاءت الحركة الصهيونية بمهاجرين يهود من شعوب العالم المختلفة، ليس بينهم رابط سوى الرابطة الدينية.

بينما التمدد الإيراني خطره ينحصر في النفوذ والهيمنة والتعارض في المصالح ويمكن الوصول إلى حلول له سياسية واقتصادية بعيدا عن الصراع المسلح لأنه لا يحكمه تناقض رئيسي ولكنه يبقى في اطار حساسية النزعة القومية ذات الطابع الحضاري لكلا الطرفين العربي والفارسي يغذيها الخلاف المذهبي في الدين الاسلامي الواحد بين الشيعة والسنة وهو خلاف قديم ومتجدد وهو لا يرقى بأي حال الى مستوى الخطر الصهيوني العنصري الذي يحكمه مع الأمة العربية تناقض تناحري، بسبب أن المشروع الصهيوني يهدف إلى قيام كيان سياسي وديني في قلب الوطن العربي بناء على أسطورة الرواية اليهودية حيث الشعار المكتوب على بوابة الكنيست الإسرائيلي.

وكأن الأمن القومي العربي حين طغت الهواجس الامنية لدول الخليج العربية من جراء الدور الإيراني في المنطقة قد تحولت صياغة بنوده الآن ليكون ضد إيران الدولة المسلمة التي ترفع لواء العداء للكيان الصهيوني العنصري وتطالب بتدميره لأنه كيان عدواني غاصب أقيم في قلب المنطقة العربية وكذلك تواجه السياسة الأمريكية في المنطقة وترى في الولايات المتحدة الشيطان الاكبر الذي يتحالف مع الكيان وهذا ما لم يفعله النظام العربي الرسمي الذي يخضع في سياساته كليا لسياسة التبعية ويستجدي الكيان الصهيوني حتى يوافق على مشروع حل الدولتين الذي يتوافق مع المبادرة العربية للسلام و قد لا يستبعد اليوم خاصة إذا وجدت القضية الفلسطينية طريقها إلى الحل.

لا يستبعد أن نرى فيه الكيان الصهيوني يقدم الدعم العسكري المباشر لبعض جيوش النظام العربي الرسمي في مواجهة إيران، ايران الدولة الإقليمية الكبري في الشرق الأوسط الخارجة عن تقديم فروض الطاعة لأمريكا ودول الغرب الكبرى الطامحة لأن تكون قوة نووية في العالم كغيرها من الأقطاب الدوليين والذي يتمدد نفوذها في المنطقة إلى أن وصل بسيطرة الحوثيين على اليمن الى باب المندب وقد ساعد على ذلك التمدد وجود انقسام عربي وغياب استراتيجية قومية عليا أمام التحديات الخارجية في وقت تواصل به دول النفط الخليجية العربية الغنية المعنية أساسا بالاشتباك مع السياسات الإيرانية الارتماء في أحضان الارتهان للسياسات الأميركية والغربية من خلال تعميق علاقة التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية ومن مظاهر ذلك على سبيل المثال لا الحصر القيام بإيداع أموالها في البنوك والمصارف الغربية وانفاق الكثير منها على المقتنيات الاستهلاكية تاركة شعوبها تعيش في مرحلة تخلف حضاري سمته الاساسية معاداة الديموقراطية والحداثة واستمرار القبول بأنظمة حكم وراثية استبدادية متخلفة بدون أحداث تنمية اقتصاديه كما حدث في بعض الدول الآسيوية (النمور الآسيوية ).

في مسيرة الصراع العربي الصهيوني شنت إسرائيل العديد من الاعتداءات والحروب على الشعب الفلسطيني الأعزل واحتلت اراضيه وتمعن الآن السير بأقصى سرعة في طريق تهويد الأقصى المبارك و القدس وفي عام 82 اجتاحت جنوب لبنان ووصلت بقواتها إلى بيروت وهي أول عاصمة عربية يصل إليها الجيش الإسرائيلي ويحاصرها لمدة ثلاثة أشهر ويخرج قوات الثورة الفلسطينية منها إلى الشتات ثم ترتكب المذابح البشعة بحق شعبنا الفلسطيني في مخيمي صبرا وشاتيلا على أيدي الصهيوني شارون وعناصر حزب الكتائب الماروني المسيحي الانعزالي.

وعلى قطاع غزة المحاصر شن الكيان الصهيوني ثلاثة حروب دامية كان آخرها الحرب الذي سقط فيها أكثر من ألفي شهيد إضافة إلى حالة التدمير التي لم تحدث لأي مدينة عربية أو إسلامية وكل ذلك يتم وسط صمت وتخاذل عربي رسمي فلم نجد طائرة عربية واحدة تغير على أي موقع إسرائيلي على الرغم من وجود اتفاق الدفاع العربي المشترك وكان الأمن القومي العربي لا تنطبق عليه مهمة القيام بوظيفة الدفاع عن فلسطين وشعبها وهكذا فالنظام العربي الرسمي أضحى غير عابئٍ بما يشكله استراتيجيا الخطر الصهيوني الذي يهدد استقرار المنطقة وقد استبدله بمحاربة تنظيم داعش التكفيري وغيره من التنظيمات الاسلامية المتطرفة.

واذا كان محاربة هذه الجماعات الإرهابية المسلحة مطلوبة وتحظى مواجهتها بتعاطف شعبي عربي لما ترتكبه من جرائم بشعة ضد المدنيين لا يقرها الدين الإسلامي ولا توافق عليها القوانين الدولية وايضا اذا كانت وحدة الموقف العربي ضرورة قومية هامة لمواجهة اي قوة إقليمية أو دولية تحاول السيطرة على المنطقة العربية سواء أكانت هذه القوة إيرانية أو تركية أو غيرهما من القوى السياسية الدولية الكبرى فإن هذا كله لا يعفي النظام العربي الرسمي من أن يجعل من هذه المجابهات بديلا عن مجابهة العدو الصهيوني باعتباره العدو الرئيسي للامه العربية الذي يهدد وجودها فهل يمكن أن نرى يوما الطائرات الحربية العربية تدك مواقع الجيش الإسرائيلي الذي يرفض مبادرة السلام العربية التي طرحتها السعودية نفسها التي تقود التدخل العسكري العربي الحالي في اليمن ؟أم أن هذا التصور المطروح بعيد عن معطيات الواقع العربي الحالي وقد لا يعدو سوى شطحة من صنع الخيال وذلك بسبب أن الإرادة العربية في معظمها إرادة مرتهنة للإمبريالية الأمريكية ولذلك فهي ستبقى عاجزة عن مجابهة (إسرائيل ).